> «الأيام» عبدالحكيم الهيثمي:

إنه حقا وطن المفارقات العجيبة بفئاته الثلاث، منهم من يرفسون النعمة بأقدامهم، وفئة تنتظر نهاية كل شهر بفارغ الصبر وعلى صفيح ساخن، وفئة يزدادون بؤسا ومعاناة في وطن يتغنى مسئولوه بالمساواة والعدل وتوزيع الثروات على الجميع. وطن يزداد فيه الغني غناء فاحشا، وفقراء معدمون ينحتون بأظافرهم في صخرة الحياة القاسية ويجارون حركة الحياة اليومية البائسة لتوفير لقمة عيش حلال، فعلا نحن في وطن تخلى فيه بعض رجاله عن قيمهم ومبادئهم، بعد أن داست أقدامهم القذرة على ضمائرهم التي ظلت طويلا متيقظة حية حتى اجتاحتها موجة الكسب السريع ومجاراة إيقاع العصر الرديء وتطبيق مبدأ إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب!

وطن للأسف الشديد تنتهك فيه عذرية الأنظمة والقوانين، وأصبح القوي يأكل الضعيف دون أدنى خجل أو خوف من الله، وأسكتت فيه كل الأصوات الحية القوية إما بالمال وإما بالمنصب أو بتضييق الخناق والإقصاء، وطن دفنت فيه رؤوس كانت تملأ الأرض ضجيجا مدويا بكلمة الحق ونصرة المظلوم، لم تدفن في مقابر المسلمين إنما في مقابر الجاه والمال وعرف القبيلة.

في وطني يتسابق الضعفاء بغرض كسب ود هذا المسئول أو ذاك، وتقديم فروض الطاعة والولاء، على حساب كرامتة وقيمه وعزته.

وطن تزداد فيه الهوة يوما بعد يوم اتساعا وعمقا بين المسئول والمواطن، وأصبحنا فيه غرباء.

آه يا وطني الحبيب لقد أصبت بالزكام المزمن من روائح الفساد المتعفن.. إنها المأساة التي رسمت على وجوه البسطاء في زمن التمييز بكل صوره، ولكن ستظل وصمة عار على جباه بائعي الضمير ومصاصي دماء الشرفاء.

رغم كل ذلك نقول إن هناك نعمة أنعم الله بها علينا، ألا وهي نعمة الوحدة المباركة التي نعيشها، فلنحافظ عليها ونبعد عنها التشوهات.