> «الأيام» غرفة الأخبار
في اليمن ثلاثة حروب متداخلة مع بعضها وأخطرها الحرب الأهلية
رجّح تحليل نشرته مؤسسة أمريكية مختصة بالأمن القومي أن يكون السيناريو الأكثر احتمالاً في اليمن هو أن تنتهي الحرب بصفقة ترعاها الأمم المتحدة؛ ما يؤدي إلى انسحاب القوات السعودية والإماراتية ونهاية الدعم الإيراني للحوثيين بينما يستمر القتال على الأرض.
ووفقا لما خلصت إليه مؤسسة «لاوفير» الأمريكية لقضايا الأمن القومي خلال تحليل نشرته هذت الأسبوع، فإن الحرب الدائرة في اليمن منذ أكثر من ثلاث سنوت ليست حربا واحدة بل ثلاثة حروب متداخلة مع بعضها.
وقسّم التحليل، الذي نشرته المؤسسة على موقعها الإلكتروني نهاية الأسبوع، الحرب الدائرة في اليمن إلى ثلاثة أقسام، أولها وهو أقدمها، الحرب ضد الإرهاب الذي تشارك فيه بفاعلية الولايات المتحدة الأمريكية. الحرب الثانية هي الحرب الإقليمية بين السعودية والإمارات من جهة، وإيران من جهة ثانية. الحرب الثالثة هي الحرب الأهلية بين الأطراف اليمنية.
وأشار التحليل الذي أعده غريغوري دي. جونسن الباحث المقيم في معهد الجزيرة العربية بواشنطن، إلى أن لكلٍ من هذه الحروب ديناميكياتها الخاصة وجميعها عمل على تحطيم اليمن، مؤكداً أنه بقدر انفصال هذه الحروب الثلاث عن بعضها، إلا أن لكل واحدة منها حدوداً سهلة الاختراق، تسبب تداخلها مع بعضها البعض.
وتطرق التحليل إلى أمور ونقاط هامة، وذلك ما دفع وكالة «ديبريفر» للأنباء بترجمة النص الكامل للتحليل من الإنجليزية إلى العربية ونشره في السطور التالية:
في الشهر الماضي وفي غضون بضعة أيام في اليمن، نجا أحد المحافظين من اغتيال بقنبلة على جانب الطريق، ومُنع محافظ آخر من المرور عبر نقطة تفتيش يُزعم بأن حكومته هي التي تديرها. وفي كلية عسكرية في عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، فتح الجنود المؤيدون للانفصال النار على حفل تخرج رداً على رفع العلم الوطني. كانت تلك ثلاثة أحداث أمنية صغيرة وهي ليست سوى صور قليلة من «كتالوج» أحداث اليمن اليومية التي لا تظهر في الأخبار بالطبع.
تدور هناك الحرب التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ضد كل من تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وتنظيم الدولة الإسلامية في اليمن. وهناك تدور أحداث الصراع الإقليمي بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ضد إيران. وهناك حرب أهلية مضطربة ومتعددة الجوانب، تضم الحوثيين وما تبقى من الحكومة اليمنية وحركة انفصالية جنوبية وقوات مدعومة من الإمارات العربية المتحدة، بعضها من السلفيين وبعضها من السكان المحليين، والجميع يتنافسون على الاستحواذ على أكبر قدر من مساحة الأرض.
وبقدر انفصال هذه الحروب الثلاث عن بعضها، إلا أن لكل واحدة منها حدوداً سهلة الاختراق، تسبب تداخلها مع بعضها البعض. لذا فإن الولايات المتحدة، التي تقاتل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والدولة الإسلامية، تساعد أيضاً السعودية والإمارات العربية المتحدة في حربهما ضد الحوثيين، الذين تأسسوا بدورهم للقتال ضد كل من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. وتشارك القوات التي تعمل بالوكالة للإمارات العربية المتحدة والتي تم إنشاؤها لمحاربة القاعدة في شبه الجزيرة العربية والحوثيين، بشكل دوري مع القوات الحكومية الموالية للرئيس عبدربه منصور هادي، الذي طلب المساعدة العسكرية من دولة الإمارات في المقام الأول. وفي تعز تقاتل الميليشيات السلفية الحوثيين في يوم وتقاتل القوات الحكومية في يوم آخر.
اليمن، التي توحدت عام 1990، متفككة الآن وربما يستمر ذلك لسنوات قادمة، فلا اتفاق سلام موحد ولا قضية مشتركة يمكن أن يضعا حدا لكل من تلك الحروب الثلاث.
والسيناريو الأكثر احتمالاً - والذي لن يكون سهلاً بحد ذاته - هو أن تُنهي صفقة برعاية الأمم المتحدة الحرب الإقليمية، ما يؤدي إلى انسحاب القوات السعودية والإماراتية ونهاية الدعم الإيراني للحوثيين بينما يستمر القتال على الأرض. وقد أوضح المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، مارتن جريفيثس، أنه يفضل مناقشة المستقبل الداخلي لليمن، بما في ذلك الجنوب، كجزء من الحوار الوطني المستقبلي وليس كجزء من المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة.
لقد كان اليمن يسير على هذه الطريق من قبل ولكن دون التوصل إلى نتيجة. والواقع أن الجزء الأكبر من الصراع الحالي في البلاد يمكن إرجاعه إلى آخر جلسة مؤتمر حوار وطني لليمن، والذي انتهى في عام 2014 وأدى إلى إحباط العديد من الأحزاب وعلى الأخص الحوثيين.
الحرب ضد القاعدة وداعش
أطول حرب في حروب اليمن الثلاث هي الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد القاعدة والتي توسعت الآن لتشمل تنظيم الدولة الإسلامية المحلية التابعة لها. وقد تضاءلت وتراجعت هذه الحرب، التي يعود تاريخها إلى هجوم المدمرة (يو إس إس كول) في أكتوبر عام 2000 وهجمات 11 سبتمبر عام 2001 مع مرور الوقت. نفذت الولايات المتحدة أول ضربة بطائرة من دون طيار خارج ساحة معركة نشطة في اليمن في عام 2002، ولكن بعد غزو العراق في عام 2003، تجاهلت الولايات المتحدة اليمن إلى حد كبير إلى أن وقعت حادثة قنبلة الملابس الداخلية في الطائرة المتجهة إلى ديترويت في عيد الميلاد عام 2009. في ذلك الحين، تبنت الولايات المتحدة ما يطلق عليه أحياناً إستراتيجية «جز العشب» الخاصة بهجمات الطائرات بدون طيار والهجمات الجوية والبحرية، فضلاً عن عمليات القوات الخاصة الدورية، بما في ذلك غارات مشتركة مع القوات الإماراتية.
في عام 2017، بعد أن أعلنت إدارة ترامب أن أجزاء من ثلاث محافظات يمنية هي «مناطق العمليات العدائية النشطة»، انطلقت المعارك الموجهة فعلياً، ونفذت عدد من الطائرات بدون طيار وغيرها أكثر من 30 غارة جوية في اليمن عام 2016 السنة الأخيرة من إدارة أوباما، ووصلت إلى أكثر من 130 غارة خلال السنة الأولى لإدارة ترامب، وفي العام الجاري نفذت الولايات المتحدة 34 ضربة حتى الآن.
الحرب الإقليمية
المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في معركة ضد ما يعتبرونه وكيلاً مدعوماً من إيران، وهي الحرب التي نسمع عنها أكثر وأكثر. تلك الحرب التي ألحقت الضرر الأكبر بالبلاد. لكن من المفارقات أن تلك الحرب هي الأكثر وضوحاً.
تدخلت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وبقية الدول المشاركة في التحالف في 26 مارس 2015، بناء على طلب الرئيس اليمني بهدف معلن يتمثل بصد انقلاب الحوثي وإعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى صنعاء. لقد استمرت الحرب، التي كانت من المفترض أن لا تستغرق سوى بضعة أسابيع، لأكثر من ثلاث سنوات، كما أن الدعم الإيراني للحوثيين قد تحول من نظرية مشكوك فيها إلى حقيقة ثابتة. ومن ثم تم إعادة تجميع الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تم تهريبها إلى اليمن في انتهاك لقرار مجلس الأمن الدولي، وإطلاق تلك الصواريخ نحو السعودية.
لا يوجد جانب لديه أيادٍ نظيفة في هذه الحرب. غالباً ما تقتل الغارات الجوية السعودية المدنيين، بما في ذلك الضربة الأخيرة التي أودت بحياة 40 طفلاً، والحوثيون الذين كان التدقيق في أعمالهم أقل من التدقيق في أعمال التحالف، موغلون في عمليات التعذيب وتجنيد الأطفال وتفجير منازل المعارضين السياسيين المحليين.
ولكن مع أن هذه الحرب مدمرة، إلا أنها على عكس الحربين الأخريين، قابلة للحل. تريد المملكة العربية السعودية تفادي صعود مجموعة شبيهة بحزب الله على حدودها الجنوبية. وإيران على الرغم من سعادتها بالخطوات السعودية غير المدروسة، إلا أن نشاطها في اليمن أقل بكثير مما هو عليه في العراق أو سوريا. عندما يتعلق الأمر باحتمال حدوث انفراج سعودي إيراني، سيكون اليمن البلد الأكثر تقبلاً لهذا الأمر في المنطقة.
الحرب الأهلية
إن أكثر صراعات اليمن الثلاثة استعصاءً هي الحرب الأهلية القبيحة المتصاعدة على نحو مُطّرد. كانت هذه الحرب موجودة قبل أن تتدخل السعودية والإمارات العربية المتحدة في اليمن، وسوف تستمر لفترة طويلة حتى بعد مغادرتهم. للأسف، هذا يعني أن أسوأ ما في القتال في اليمن قد يبقى ماثلاً أمامنا، فمن المرجح أن يتفكك التحالف المحلي المضطرب المناهض للحوثي، والذي تم جمعه في الغالب من قبل التحالف العربي، وذلك عندما تنسحب السعودية والإمارات العربية المتحدة.
وسوف يرغب الكثير من الجنوبيين، بغض النظر عن الجدوى الاقتصادية، في الانفصال. والرئيس هادي لديه القليل من الدعم العسكري الذي يمكن أن يعتمد عليه خارج ألوية الحماية الرئاسية الخمسة. ونائب الرئيس علي محسن الأحمر، أحد الموالين السابقين لـ«صالح»، كان قد تعرض للهزيمة من قبل الحوثيين مرة واحدة، ودعمه من داخل الجيش غير مستقر في أحسن الأحوال. وما تبقى من الشبكة العسكرية للرئيس السابق علي عبد الله صالح و قوامه 3 آلاف رجل، سيواصلون القتال. كما ستواصل القتال حفنة من قوات الوكالة التي تلقت تدريبا جيدا في الإمارات، ومجموعات سلفية متعددة وعدة ميليشيات محلية مختلفة.
من جانبهم، من المرجح أن يخسر الحوثيون المنطقة بعد انسحاب القوات السعودية والإماراتية. لقد صنع الحوثيون الكثير من الأعداء لأنفسهم خلال فترة وجودهم في السلطة، لكنهم تحصلوا على التفوق بسبب حملة القصف التي قادتها السعودية. وعندما ينتهي ذلك، سيحصل البعض منهم على الدعم أيضاً.
و«غريغوري دي. جونسن» هو باحث مقيم في معهد الجزيرة العربية بواشنطن، عمل من عام 2016 إلى عام 2018 في فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن اليمن.















