لم يعد مقبولًا أن تستمر عدن في دفع فاتورة الوطن، بينما تُترك وحيدة في مواجهة الانهيار الخدمي والمعيشي الذي يرهق أبناءها ويقوض مستقبلها.

لقد كرر محافظ عدن دعواته إلى تمكين العاصمة من تمويل احتياجاتها الأساسية من مواردها المحلية، وإعادة النظر في آلية توزيع الإيرادات السيادية، بما يضمن حصول عدن على نصيبها العادل من الإيرادات المركزية التي تسهم فيها عدن بأكثر من 65 %، وهي دعوات لا تحمل أي نزعة مناطقية أو مطالب استثنائية، وإنما تعبر عن حق مشروع تفرضه مبادئ العدالة والإنصاف، وتستلزمه مسؤولية الدولة تجاه عاصمتها المؤقتة.

ومن غير المنطقي أن تظل عدن الرافد الأكبر للإيرادات السيادية، بينما تعاني من انهيار الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والبنية التحتية، وتُحرم من الموارد الكافية لمعالجة أزماتها المتفاقمة. إن استمرار هذا النهج لا يمثل مجرد خلل إداري، بل يعكس اختلالًا خطيرًا في مفهوم الشراكة الوطنية وفي معايير توزيع الموارد.

فالالتفاف الشعبي حول محافظ عدن في هذا الملف لم يعد خيارًا سياسيًا، بل أصبح واجبًا وطنيًا دفاعًا عن حقوق المدينة ومستقبلها، لأن قوة هذه المطالب تنبع من وحدة الموقف العدني خلفها.

إن هذه الدعوات تستحق أن تتحول إلى قضية رأي عام يتبناها جميع أبناء عدن، بكل مكوناتهم الاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن أي خلافات أو اصطفافات وزخم التسابق المحموم الحالي نحو تشكيل "دكاكين سياسيه" مريبه تحتمل إخفاء مشاريع تمزيق وتجزئه وراءها، وتلهي المواطن عن الاهتمام بقضاياه الأساسية الحياتية ذات الأولوية القصوى.

لقد أثبتت التجارب أن تجاهل المطالب المشروعة لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات، بينما يشكل الإنصاف والعدالة أساسًا لاستعادة الثقة بين الدولة والمواطن. وإذا كانت عدن قد حملت على عاتقها أعباء الدولة في أصعب الظروف، ومنذ البدايات الأولى للثورات والمحطات الوطنية في عموم بلادنا، فمن حقها اليوم أن تجد دولة تنصفها، وتعيد إليها جزءًا مما قدمته للوطن.

إن أبناء عدن ينتظرون من قيادة الدولة موقفًا واضحًا وشجاعًا، يبدأ بإقرار حق المدينة في الاستفادة من مواردها، ومنحها حصتها العادلة من الإيرادات السيادية، وما عدا ذلك لن يكون سوى استمرار لسياسات أثبتت فشلها، وأسهمت في تعميق معاناة مدينة لم تبخل يوماً بعطائها، لكنها لم تنل حتى اليوم ما تستحقه من إنصاف.