لم يكن المشهد العراقي عاديًا. فحملة مكافحة الفساد المعروفة باسم "صولة الفجر" طالت نوابًا حاليين وسابقين، ومسؤولين وشخصيات سياسية ومديري شركات عامة، ووصلت إلى اثنين ممن تولّيا سابقاً رئاسة لجنة النزاهة في مجلس النواب العراقي.

ففي الثامن والعشرين من يونيو 2026، أُلقي القبض في أربيل على رئيس سابق للجنة النزاهة النيابية، قبل أن تسلّمه سلطات إقليم كردستان إلى الحكومة الاتحادية. وبعد أيام، وتحديدًا في الحادي عشر من يوليو، أُلقي القبض في بغداد على رئيس أسبق للجنة نفسها، ضمن الحملة ذاتها.

ويظل المقبوض عليهم متهمين إلى أن تصدر بحقهم أحكام قضائية نهائية. غير أن الدلالة السياسية والمؤسسية للمشهد لا يمكن تجاهلها: شخصيات كانت تتولى مراقبة الفساد ومحاسبة المتورطين فيه، أصبحت اليوم موضع مساءلة وتحقيق في قضايا تتعلق بالمال العام.

وتفتح هذه المفارقة أمامنا في الجنوب سؤالاً بالغ الأهمية: هل يمكن أن يأتي يوم نشهد فيه "صولة فجر" جنوبية، لا تستهدف الخصوم السياسيين أو أصحاب الرأي، بل تفتح ملفات الفساد الحقيقي، وتصل إلى كل من عبث بموارد الجنوب وأصوله ومؤسساته؟ 
  • حين يفقد المنصب حصانته 
المغزى الأهم في التجربة العراقية ليس عدد المقبوض عليهم أو حجم الأموال محل التحقيق فحسب، بل سقوط الفكرة التي طالما احتمى بها الفاسدون: أن الموقع السياسي أو النفوذ الحزبي والعشائري يوفر حماية دائمة.

فحين تستعيد الدولة قدرتها على إنفاذ القانون، يصبح الرئيس والنواب ورئيس الوزراء والوزير والمحافظ والقائد العسكري ومدير المؤسسة العامة مواطناً خاضعاً للمساءلة، لا شخصاً فوقها. وعندها سوف تتساءل العدالة: ماذا فعل بالسلطة التي مُنحت له؟ وكيف تصرف في المال الذي اؤتمن عليه؟

فماذا لو استيقظ المواطن الجنوبي ذات صباح على أخبار لا تتحدث عن اعتقال ناشط أو مداهمة صاحب رأي، بل عن توقيف مسؤولين للتحقيق معهم في قضايا نهب المال العام والاستيلاء على الأراضي وإهدار الموارد والتلاعب بالعقود؟ 
  • عندما تُفتح ملفات الكهرباء 
قد تبدأ«صولة الفجر» الجنوبية من ملف الكهرباء، الذي استنزف مئات الملايين، بينما بقي المواطن غارقًا في الظلام.

حينها سيُسأل الوزراء والمديرون والمسؤولون: كم أُنفق على الكهرباء خلال السنوات الماضية؟ ومن أبرم عقود شراء الطاقة المستأجرة، وبأي أسعار؟ ومن اشترى الوقود؟ وكم كانت الكميات الحقيقية؟ ولماذا ازدادت النفقات كل عام، بينما تراجعت ساعات التشغيل؟

وسيتعين الكشف عن مصير الأموال التي صُرفت باسم الصيانة وشراء قطع الغيار وإنشاء المحطات. فالفشل المزمن لا يمكن تفسيره دائماً بنقص الإمكانات؛ إذ قد يكون نتيجة منظومة مصالح وجدت في استمرار الأزمة مصدرًا

دائمًا للثراء. 
  • أين ذهبت الإيرادات؟ 
ثم يأتي ملف الإيرادات العامة: إيرادات الموانئ والجمارك والضرائب والنفط والغاز والمشتقات والاتصالات والمؤسسات الاقتصادية.

ستُطرح الأسئلة المؤجلة: كم بلغت الإيرادات الفعلية؟ وفي أي حسابات أُودعت؟ ومن كان يملك سلطة التصرف فيها؟ ولماذا لا تُنشر البيانات المالية والحسابات الختامية؟ وكيف بقي الموظفون بلا رواتب منتظمة، في وقت كانت فيه موارد الدولة تُحصّل يومياً؟

إن الرواتب المعلّقة لا تعني دائماً أن الدولة بلا موارد؛ فقد تعني أن مواردها سائبة، أو موزعة بين مراكز نفوذ لا تخضع لرقابة حقيقية. 
  • الأصول العامة ليست غنائم 
وقد تصل التحقيقات إلى ما جرى ويجري في الأراضي والعقارات والموانئ والمطارات والمصافي ومحطات الكهرباء والمنشآت التابعة للدولة.

من صرف الأراضي؟ ولمن مُنحت؟ وبأي أسعار؟ وكيف تحولت مساحات عامة ومتنفسات وسواحل إلى ملكيات خاصة؟ ومن حاول بيع معدات أو تفكيك منشآت أو التصرف في أصول استراتيجية من دون شفافية أو مزايدة عامة؟

لن يكون مقبولًا يومها الاحتماء بعبارة«توجيهات عليا». فالتوجيه الشفهي لا يمنح شرعية للتصرف في المال العام، والمسؤول الذي يوقّع قرارًا مخالفًا للقانون لا يُعفى من المسؤولية بحجة تنفيذ أوامر الآخرين. وسيُسأل من أصدر التوجيه، ومن وقّع، ومن نفّذ، ومن استفاد. 
  • المناصب بوصفها مكافآت 
أما ملف الوظيفة العامة، فقد يكشف أحد أخطر أشكال الفساد: تحويل المناصب إلى مكافآت سياسية.

ستُراجع قرارات التعيين والترقية والتكليف: كم شخصاً عُيّن بعيداً عن معايير الكفاءة؟ وكم منصباً مُنح مقابل الولاء أو تغيير الموقف السياسي؟ وكم مسؤولاً استُبعد لأنه رفض الانضمام إلى شبكة المصالح؟ وكم اسماً أُضيف إلى كشوف الرواتب من دون عمل فعلي؟

فالفساد ليس سرقة المال مباشرة فقط؛ إنه أيضاً تعيين غير المؤهل، وإقصاء الكفء، وتسخير الوظيفة العامة لخدمة جماعة أو حزب. وكل منصب يُمنح على حساب الكفاءة يفرض على المجتمع كلفةً اقتصادية وإدارية قد تفوق قيمة المال المنهوب.

وسيمتد ذلك إلى التعيينات في السفارات والقنصليات والمنظمات الدولية، وكشوف الإعاشة، وغيرها من المؤسسات والمجالات التي غابت عنها معايير الكفاءة والشفافية والمساءلة.

  • ومن أين لك هذا؟

وسيأتي السؤال الأكثر إزعاجًا: من أين لك هذا؟

كيف امتلك بعض المسؤولين، خلال سنوات قليلة، العقارات والشركات والمزارع والمركبات الفاخرة والحسابات المصرفية، بينما لا تتناسب تلك الثروات مع رواتبهم ودخولهم المعلنة؟ ولماذا تُسجّل بعض الأصول بأسماء الأبناء أو الزوجات أو الأقارب والشركاء؟ وما العلاقة بين القرارات التي اتخذها المسؤولون والمصالح التجارية التي نشأت حولهم؟

إن إقرار الذمة المالية لا ينبغي أن يكون ورقة شكلية تُودع في الأدراج، بل أداة قانونية تتيح المقارنة بين ثروة المسؤول قبل توليه المنصب وبعد مغادرته. 
  • ليست دعوة إلى الانتقام 
لكن"صولة الفجر" التي يحتاجها الجنوب لا ينبغي أن تتحول إلى حملة انتقام أو تصفية حسابات. فالعدالة الانتقائية ليست عدالة، ومكافحة الفساد التي تستهدف الخصوم وتحمي الحلفاء ليست سوى فساد جديد يرتدي ثوب القانون.

ما نحتاجه هو قضاء مستقل، ونيابة فاعلة للأموال العامة، وجهاز رقابي قادر على الوصول إلى الوثائق والحسابات، ونظام معلن لإقرارات الذمة المالية، ومنصة شفافة لنشر الموازنات والإيرادات والعقود والمناقصات.

كما يجب أن تكون المحاكمات عادلة وعلنية، وأن تقوم على الأدلة لا على الحملات الإعلامية، مع احترام قرينة البراءة وحق الدفاع. فالغاية ليست استبدال ظلم بظلم آخر، بل بناء دولة يكون فيها القانون واحدًا على الجميع. 
  • الوثائق لا تموت 
قد يعتقد بعضهم أن نفوذه الحالي سيحميه إلى الأبد، وأن الملفات يمكن إغلاقها والوثائق إخفاءها والشهود إسكاتهم. لكن تجارب الدول تثبت أن الحماية السياسية مؤقتة، بينما تبقى التوقيعات والعقود والتحويلات المالية شاهدةً على أصحابها.

إن أخطر ما يواجه الفاسد ليس سلطة اليوم، بل الدولة التي قد تقوم غداً. فقد تتغاضى حكومة اليوم، وقد توفر شبكة المصالح الحماية، لكن قضاءً مستقلًا في المستقبل يستطيع إعادة فتح الملفات، واسترداد الأموال، وملاحقة كل من شارك أو سهّل أو تستر.

ولذلك، فإن الرسالة لكل من يتولى مسؤولية عامة واضحة: المنصب عابر، والتوقيع باقٍ، والمال العام لا يصبح ملكاً خاصاً مهما طال الصمت.

قد يأتي يوم يشهد فيه الجنوب"صولة فجره" الحقيقية؛ يوم لا يُسأل فيه المسؤول عن انتمائه السياسي أو علاقاته الإقليمية، بل عن أفعاله وثروته والقرارات التي اتخذها.

وعندما يتمكن القانون من الوصول إلى الوزير والمحافظ والقائد ومدير المؤسسة، مثلما يصل إلى الموظف البسيط، نستطيع القول إن الجنوب بدأ يستعيد دولته. فأول علامة على قيام الدولة ليست كثرة المسؤولين ولا ارتفاع الشعارات، بل قدرة العدالة على مساءلة من اعتقدوا يومًا أنهم فوقها.