أعلن غي بارمولان مغادرته الحكومة الفدرالية السويسرية في نهاية ديسمبر المقبل، بعد 11 عامًا من العمل عضوًا في الحكومة الفدرالية.
وللتوضيح حتى لا يلتبس الأمر: هذه ليست 11 سنة في رئاسة سويسرا. فالرئاسة الفدرالية تتناوب سنويًا بين أعضاء المجلس الفدرالي السبعة.
ببساطة شديدة:
الرجل لم يقل: سأبقى حتى أُدفن في هذا الكرسي.
قال: لم يعد شغفي كما كان.. فلأفسح المجال لغيري.
وهنا تبدأ المقارنة اليمنية المؤلمة.
في اليمن، لم تكن المشكلة يومًا في قلة الطامحين إلى الحكم، بل في قلة الذين يعرفون متى يرحلون.
علي عبدالله صالح لم يتعامل مع السلطة باعتبارها مرحلة تنتهي، بل سعى إلى التمهيد لتوريثها لنجله أحمد.
وكانت توكل كرمان، القيادية في حزب الإصلاح، من أبرز وجوه المشهد.
لكن السنوات التالية جعلتني أطرح سؤالًا لا يزال يؤرقني:
هل كانت المعركة ضد احتكار السلطة فعلًا، أم ضد احتكار شخص واحد لها؟.من وجهة نظري، كشفت الأحداث أن جزءًا من الصراع اليمني لم يكن حول بناء دولة مختلفة بقدر ما كان حول من يملك مفاتيح الدولة ومن يجلس على كرسيها.
عشق السلطة والنفوذ والمال.
اختلفوا على صاحب الكرسي، لكنهم لم يختلفوا بما يكفي على قدسية الكرسي نفسه.
قد نختلف حول أدائه أو حول مرحلة حكمه، لكنني أرى أن موقفه عند مغادرة السلطة يستحق الاحترام.
ترك الكرسي.
وهذه وحدها، في بلد أنهكته صراعات الكراسي، ليست مسألة صغيرة.
من سيكون الرئيس؟
يا جماعة الخير..
الوطن لا ينقصه كرسي جديد.
الوطن ينقصه دولة.
وسويسرا بالنسبة لي ليست بلدًا أستشهد به من بعيد؛ إنها بلد عشت فيه ثلاثين عامًا من حياتي، ولذلك حين أتحدث عن قيمها السياسية فأنا لا أتحدث عن صورة في كتاب، بل عن تجربة حياة.
في سويسرا، المسؤول يعرف أن المنصب مهمة وليس ملكية، وأن مغادرته لا تعني سقوط الدولة.
في سويسرا، قد يفقد المسؤول الشغف بالسلطة فيقول:
حان وقت الرحيل.
وفي اليمن، قد يفقد الوطن صبره.. بينما المسؤول لا يزال يقاتل من أجل البقاء.
وهنا الفرق بين من يخدم الدولة..ومن يريد الدولة أن تخدمه.
الدولة لا تُورَّث.
والكرسي ليس ملكية شخصية.
والوطن ليس جائزة لمن ينتصر في معركة السلطة.
ومن لا يعرف متى يرحل عن الكرسي، قد يترك وطنًا كاملًا يدفع ثمن بقائه.
ويبقى الأثر.














