> خيرالله خيرالله:

​ليس في استطاعة إيران استخدام روح النكتة للتغطية على سياستها اليمنية. تبقى السياسة شيئا والنكتة شيئا آخر. فعندما يتعلق الأمر بالنكات السياسية، يخشى في كل وقت تحول هذه النكات إلى نكات من نوع سمج يعبّر عن رغبة في التذاكي لا أكثر. 

من يظن أن في استطاعته تمرير نكتة من نوع الوساطة الإيرانية بين المملكة العربيّة السعودية والحوثيين، إنّما يضحك على نفسه أولا.

تتمثّل نكتة الموسم في عرض إيران التوسّط بين المملكة العربيّة السعودية والحوثيين الذين استطاعوا تحويل اليمن إلى قاعدة تطلق منها صواريخ ومسيرات في اتجاه المملكة. 

الحوثيون أداة إيرانيّة لا أكثر. كيف يمكن لدولة تحترم نفسها، مثل السعوديّة، التفريق بين أداة إيرانيّة وإيران نفسها، خصوصا أنّه لم يعد سرّا أن اليمن تحوّل، في ضوء ضعف “الشرعيّة” ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي الذي على رأسه الدكتور رشاد العليمي، إلى مجرّد “ساحة” إيرانيّة. 

هل في استطاعة “الشرعيّة” إظهار أنّ في استطاعتها فعل شيء أمام الحوثيين على أرض اليمن؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الذي تقف امامه هذه “الشرعيّة” التي عليها، في أيّامنا هذه أن تثبت قدرتها على المواجهة.

في النهاية، بعيدا عن النكات السمجة وغير السمجة، ليس ما تفعله “الجمهوريّة الإسلاميّة”، من خلال اليمن، سوى إمعان في متابعة الاعتداء على المملكة العربيّة السعودية التي عملت في السنوات القليلة الماضية كلّ ما تستطيع من أجل التوصل إلى صيغة تفاهم تحافظ على الاستقرار الإقليمي. 

لعلّ أكثر ما يؤكّد ذلك الاتفاق السعودي – الإيراني الذي تم التوصل إليه في بيجينغ (بكين) برعاية صينية في العاشر من آذار – مارس 2023. 

نصّ الاتفاق صراحة على تفادي إيران أي تدخل في شؤون الدول الأخرى. لم تحترم “الجمهوريّة الإسلاميّة” أي بند في الاتفاق، بل لجمت الحوثيين مؤقتا في اليمن قبل أن تسمح لهم بالتحرك مجددا بعدما أجرت حسابات خاصة بها تقوم، في الوقت الحاضر، على الربط بين مضيقي هرمز وباب المندب.

يندرج السلوك الإيراني، الذي توج بإعلان عن الاستعداد للتوسط مع الحوثيين، في سياق لعبة كلاسيكية ممجوجة سبق للنظام السوري السابق الذي سقط مع فرار بشّار الأسد إلى موسكو، ممارستها. 

مثل هذه اللعبة تجاوزها الزمن، بل أكل عليها الدهر وشرب. لا يمكن لمن يمارس الإرهاب مباشرة أو عبر أدواته في المنطقة ممارسة دور الإطفائي في الوقت ذاته. سبق لحافظ الأسد، منذ وضع يده على سوريا في العام 1970 ممارسة دور الإطفائي في لبنان. 

كان يشعل الحريق ثم يتبرع بلعب دور الإطفائي. كان مرتاحا إلى أنّ لا طرف إقليميا سيزعجه وذلك بعدما طمأن إسرائيل، التي سلّمها الجولان في 1967، عندما كان لا يزال وزيرا للدفاع إلى نياته. 

فعل ذلك مع إسرائيل من جهة وطمأن الجانب الأميركي إلى أن هدفه الحقيقي ضبط الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان من جهة أخرى. نجح حافظ الأسد في مخططه باكرا. سمح له الأميركي والإسرائيلي في دخول لبنان عسكريا في 1976 بحجة أن المطلوب منه ضبط الوجود المسلح الفلسطيني…

يبدو لافتا في المشهد الإقليمي، على خلفية الاعتداءات الحوثية التي تستهدف المملكة العربيّة السعوديّة، اطمئنان إيران إلى إسرائيل من جهة وإلى رد الفعل الأميركي من جهة أخرى. كان أول ما فعله الحوثيون بعد تقدمهم في اتجاه ميناء المخا، الواقع في الضفة اليمنيّة من المدخل إلى البحر الأحمر،  تأكيدأن لا هدف آخر لهم سوى السفن والناقلات السعودية. زال من قاموس الحوثي شعار “الموت لأميركا والموت لإسرائيل واللعنة على اليهود…”.

يستحيل أن نضع جانبا الأسلوب الذي تعتمده إيران في التعاطي مع السعوديّة ومع غيرها من دول الخليج العربي، أي الدول الخمس الأخرى ذات العضوية في مجلس التعاون لدول الخليج العربي. ينمّ مثل هذا الأسلوب عن رغبة في الابتزاز، وهي رغبة لم تتغيّر يوما منذ بدأ الاستثمار الإيراني في الحوثيين، خصوصا منذ استيلائهم على صنعاء في 21 أيلول – سبتمبر 2014. 

يومذاك، استطاع الحوثيون، بتوجيهات إيرانيّة، التظاهر بأنّهم طرف مسالم لا اعتراض لديه على “الشرعيّة” اليمنية التي كانت ممثلة بالرئيس الانتقالي الرحل عبد ربّة منصور هادي. لم تمض أيام إلا ووضع الحوثيون عبد ربه في الإقامة الجبرية بعدما أمّن لهم التوصل إلى “اتفاق السلم والشراكة”، وهو اتفاق باركته الأمم المتحدة ممثلة بجمال بن عمر مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة. 

مرت أيام أخرى، ما لبث الحوثيون بعدها أن وقعوا اتفاقا مع إيران في شأن تنظيم ما يزيد على أربعين رحلة جوّية، أسبوعيا، بين مطاري صنعاء وطهران. فوق ذلك كلّه، أجرى الحوثيون مناورات عسكريّة في منطقة يمنية قريبة من الحدود السعودية بهدف الاستفزاز ليس إلّا!

لم يتغيّر شيء في العمق بين المملكة العربيّة السعودية و”الجمهوريّة الإسلاميّة” يوما. الأمر الوحيد الذي تغيّر مع مرور السنوات يتمثّل في الأسلوب الإيراني في التعاطي مع السعوديّة، وهو أسلوب يقوم على المراوغة والتكيف مع ظروف المرحلة. يظلّ الوجود الإيراني في اليمن موجها في كل وقت ضدّ السعودية. 

الهدف ابتزاز المملكة التي لديها حدود طويلة مع اليمن والتي يعيش فيها مئات آلاف اليمنيين استقبلتهم، بشكل عام منذ ما يزيد على ستة عقود، بمقدار كبير من الترحاب…

يبقى السؤال كيف ستتطور الأمور في اليمن في الأسابيع المقبلة؟ الأكيد أن الكثير سيعتمد على كيفية تطور الأمور في إيران نفسها وبين أميركا وإيران. 

يأتي ذلك في وقت سيتوجب على "الشرعية" اليمنية إظهار أن في استطاعتها بالفعل التصدي للمدّ الحوثي المدعوم إيرانيا والذي جعل الضغط يزداد على تعز… بدل أن تكون المعركة على أبواب صنعاء وفي محيطها. إنّها مسألة أسابيع قليلة سيتبين بعدها حقيقة النكتة الإيرانية في اليمن، وهي نكتة لم تنطل ولن تنطلي على أحد.

عن "العرب اللندنية"