الخميس, 04 يونيو 2026
151
الرواتب ليست مجرد أرقام تُدرج في كشوفات الصرف، بل هي في جوهرها كرامة الإنسان، واستقرار الأسرة، وحيوية الاقتصاد، وقدرة المجتمع على التقدم من خلال العمل والإنتاج.
لقد تراجعت القيمة الحقيقية للأجور خلال سنوات طويلة بفعل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، لا لأن العمل فقد قيمته، بل لأن الدخل لم يعد قادرًا على مواكبة متطلبات الحياة الأساسية. ومن هنا، فإن المقارنة بين رواتب موظفي الدولة وأجور بعض العاملين في القطاع الخاص لا ينبغي أن تُستخدم مبررًا لتدني الأجور، بل دافعًا لتحسينها والارتقاء ببيئة العمل في مختلف القطاعات.
ومن القضايا التي تستحق المعالجة الجادة لجوء بعض أرباب العمل في القطاع الخاص إلى تبرير ضعف الرواتب بمقارنات غير دقيقة مع رواتب القطاع العام، رغم اختلاف طبيعة الأعمال ومتطلبات السوق ومستويات الإنتاجية. فالأجر العادل ليس عبئًا على التنمية، بل أحد شروطها الأساسية، لما له من أثر مباشر في رفع الإنتاجية، وتحفيز الأداء، وتعزيز القدرة الشرائية، وتنشيط الحركة الاقتصادية.
وتُعد الخطوة الحكومية الأخيرة المتمثلة في فتح مسار العلاوات وتحسين الرواتب بنسبة 20 % خطوة إيجابية ومؤشرًا مهمًا على إدراك الحاجة إلى مراجعة مستويات الدخل وتعزيز القدرة الشرائية للمواطن، باعتبار ذلك أحد المرتكزات الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، يطرح دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني هذا الملف بروح من المسؤولية والشفافية، ضمن رؤية تستهدف تحسين أوضاع الموظفين، وتعزيز استقرار العملة الوطنية، ورفع مستويات الدخل، بما يسهم في تحقيق توازن أفضل بين الأجور والأسعار.
وقد تحققت بالفعل نجاحات ملموسة في ضبط الأسواق وتخفيف أعباء المعيشة، إلا أن الإصلاح الاقتصادي يظل عملية متكاملة ينعكس أثرها تدريجيًا على دخل المواطن ومستوى معيشته. فاستقرار الأسواق لا يتحقق بالرقابة وحدها، بل يحتاج إلى دخل عادل، وعملة مستقرة، واقتصاد منتج تتكامل فيه حلقات الإنتاج والاستهلاك والاستثمار، وهي أهداف نشهد اليوم خطوات جادة ومتدرجة نحو تحقيقها.
وهذه ليست قراءة نقدية بقدر ما هي توصيف لواقع اقتصادي واجتماعي يتطلب المعالجة والتطوير. فالاقتصاد الذي يصون قيمة العمل ويحفظ كرامة العامل هو الأقدر على تعزيز الاستقرار، وحماية المجتمع، وترسيخ أسس التنمية المستدامة.
* نائب وزير الصناعة والتجارة