الاثنين, 08 يونيو 2026
205
هناك أشياء لا يستطيع الزمن أن يمحوها، لأنها لا تعيش في الكتب أو على جدران التاريخ، بل تبقى راسخة في ذاكرة الناس. هكذا هو الموروث في يافع؛ ليس مجرد احتفال يقام بعد عيد الأضحى، بل قصة مجتمع حافظ على عاداته وتقاليده جيلًا بعد جيل. فمن القارة إلى الهجر، مرورًا بالموسطة ووصولًا إلى المفلحي، تتجدد كل عام حكاية بدأت منذ زمن بعيد، حين كان الأهالي يلتقون بعد العيد لتبادل التهاني وتعزيز روابطهم الاجتماعية، قبل أن تتحول تلك اللقاءات إلى واحدة من أهم صور التراث الشعبي في المنطقة.
ولم يكن الموروث يومًا مجرد رقصة شعبية أو استعراض للأزياء التقليدية، بل كان منصة تنبض بالحياة وتعكس نبض المجتمع. فالشعراء يتنافسون في الكلمة، وتتعالى الزوامل التي تحمل الحكمة والفخر وتوثق أحداث الزمن، بينما تصدح الأهازيج في مشهد يجمع الجميع. وتروي الذاكرة الشعبية أن المرأة كانت جزءًا أصيلًا من هذه اللوحة، تشارك بالأهازيج والشعر ومظاهر الفرح، ليصبح الموروث احتفالًا يجسد عادات وتقاليد يافع بكل تفاصيلها ويحفظها من الاندثار.
وخلال مسيرته الطويلة، لم يكن هذا الموروث بمنأى عن التحولات التي شهدها جنوب اليمن. فمنذ مرحلة الاستقلال، مرورًا بقيام الوحدة اليمنية وما تبعها من متغيرات سياسية واجتماعية، ظل الموروث يتأثر بما يدور حوله كما يتأثر المجتمع نفسه. وكانت هذه المناسبة في كثير من الأحيان مساحة يعبر فيها الشعراء عن الواقع السياسي والاجتماعي من خلال القصائد والزوامل والكلمات الهادفة، لتبقى الكلمة الشعبية مرآة لنبض الشارع، بينما حافظ البرع والزوامل والزي الشعبي على روح المناسبة وهويتها الأصيلة.
وجاءت احتفالات هذا العام لتؤكد أن الموروث ما زال انعكاسًا لحالة المجتمع. فكما تأثر في الماضي بالأحداث الكبرى، انعكست عليه أيضًا التطورات التي شهدها الجنوب منذ يناير 2026، حيث طغت القضايا السياسية على المشهد العام وألقت بظلالها على أجواء الاحتفال. وما حدث من جدل أو زوبعة رافقت المناسبة لا يمكن فصله عن الظروف التي يعيشها الجنوب واليمن عمومًا، إذ إن الموروث كان دائمًا مرآة للمجتمع، يتفاعل مع أفراحه وتحدياته في آن واحد.
ومع ذلك، فإن ما حدث يبقى سحابة صيف عابرة ستزول بزوال أسبابها، لأن ما يجمع أبناء يافع أكبر من أي خلاف آني. فقد أثبتت هذه المناسبة عبر تاريخها أنها قادرة على تجاوز المتغيرات، وأن الخلافات قد تفرق المواقف لكنها لا تستطيع أن تمحو تاريخًا صنعته الأجيال ولا أن تضعف ارتباط الناس بتراثهم. وستظل يافع، بما تمثله من عمق تاريخي واجتماعي، قلبًا نابضًا في وجدان الجنوب، وسيبقى الموروث شاهدًا على أن الهوية الحقيقية أقوى من تقلبات السياسة، وأن الأمم التي تحفظ موروثها تحفظ مستقبلها أيضًا.