الأحد, 07 يونيو 2026
122
أثار اغتيال القيادي في المقاومة الوطنية وقائد فرقتها الأولى يحيى وحيش جملة من التساؤلات السياسية والأمنية حول طبيعة المرحلة التي تمر بها اليمن، وحول مستقبل القوى العسكرية والأمنية التي خاضت خلال السنوات الماضية معارك شرسة ضد جماعة الحوثي والتنظيمات الإرهابية وقدمت آلاف الشهداء دفاعًا عن الأرض والهوية الوطنية.
فالحادثة لا تبدو بالنسبة لكثير من المتابعين، مجرد جريمة جنائية معزولة أو حادثًا أمنيًا عابرًا، بقدر ما تعكس حالة أكثر تعقيدًا ترتبط بمستقبل القوى التي واجهت الحوثيين والإرهاب على حد سواء، كما أنها تفتح الباب أمام نقاش واسع حول ما إذا كانت هذه القوى تواجه اليوم مرحلة جديدة من الاستنزاف السياسي والأمني بعد سنوات من المواجهة العسكرية المباشرة.
لقد مثلت المقاومة الوطنية في الساحل الغربي، كما مثلت القوات الجنوبية في محافظات الجنوب، أحد أبرز التشكيلات التي خاضت معارك فعلية ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، ولذلك فإن استهداف أي من قياداتها لا يقرأ فقط في إطار الخسارة الشخصية أو العسكرية، بل باعتباره حدثًا تتجاوز تداعياته حدود الشخص المستهدف إلى مجمل التشكيلات التي ينتمي إليها.
وما يزيد من أهمية هذا النقاش أن اغتيال يحيى وحيش جاء في ظل ظروف سياسية وأمنية تشهد فيها المناطق المحررة حالة من التراجع الواضح على مستوى الأمن والاستقرار، بالتوازي مع تصاعد الخلافات بين القوى المناهضة للحوثيين، وتزايد الضغوط التي تتعرض لها بعض القوى العسكرية الفاعلة على الأرض.
كما أن ما تتعرض له المقاومة الوطنية في الساحل الغربي من ضغوط سياسية وعسكرية لا يختلف كثيرًا عما تعرضت له القوات الجنوبية التي خاضت المواجهة ضد تنظيمي القاعدة وداعش في محافظات الجنوب، وهو ما يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن هناك توجهًا لإعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي على حساب القوى التي تمتلك حضورًا ميدانيًا مستقلًا وفاعلًا.
إن الحديث المتزايد عن وجود تقاطعات سياسية ومصلحية بين أطراف يفترض أنها متناقضة في مواقفها وأهدافها، إلا أنها تلتقي في بعض الملفات المتعلقة بالقوى التي واجهت الحوثيين على الأرض، وقد انعكس ذلك في حملات سياسية وإعلامية متواصلة استهدفت بعض هذه القوى خلال الفترة الماضية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول المستفيد من إضعافها أو الحد من دورها.
كما يزداد الجدل مع التحولات التي شهدها الملف اليمني خلال المرحلة الأخيرة، وما رافقها من تفاهمات واتصالات سياسية هدفت إلى خفض التصعيد بين أطراف الصراع، ففي الوقت الذي كانت فيه القوى العسكرية المناهضة للحوثيين تتوقع دعمًا أكبر لتعزيز مواقعها وحماية مكتسباتها، برزت مؤشرات على تراجع الاهتمام ببعض هذه القوى مقابل صعود أدوار سياسية وعسكرية أخرى داخل المشهد اليمني.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن حالة التدهور الأمني التي تشهدها المناطق المحررة والتي رافقتها سلسلة من عمليات الاغتيال ومحاولات الاستهداف التي طالت شخصيات عسكرية وأمنية ووطنية، كان من أبرزها محاولة اغتيال القيادي الجنوبي حمدي شكري في مدينة عدن، إلى جانب حوادث أخرى عكست حجم الاختلالات الأمنية التي تعاني منها تلك المناطق.
إن تكرار هذه الحوادث في مناطق يفترض أنها تقع تحت سيطرة مؤسسات الدولة يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب العجز عن وقفها أو كشف الجهات التي تقف خلفها، كما يسلط الضوء على حجم التحديات الأمنية التي تواجهها المناطق المحررة في ظل استمرار حالة الانقسام والتنافس بين القوى المختلفة.
ولا شك أن الأطراف المؤثرة في الملف اليمني، إلى جانب الحكومة اليمنية، تتحمل مسؤولية سياسية وأمنية عن مخرجات المشهد الراهن، خصوصًا في ظل استمرار التراجع الأمني واتساع رقعة الاغتيالات والانفلات وغياب المعالجات الجادة التي يمكن أن تعيد الثقة بمؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية.
فبعد سنوات طويلة من التدخلات السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية، لم تنجح اليمن بعد في الوصول إلى حالة الاستقرار المأمولة، بل ما تزال تعاني من أزمات متراكمة انعكست على الواقع الأمني والعسكري والاقتصادي، الأمر الذي أوجد بيئة مناسبة لعودة بعض الجماعات والعناصر المتطرفة إلى النشاط والتحرك مستفيدة من حالة الاضطراب والانقسام.
إن اغتيال يحيى وحيش لا يمثل مجرد حادثة أمنية منفصلة، بل يشكل مؤشرًا مقلقًا على حجم الأزمة التي تعيشها المناطق المحررة، وعلى الحاجة إلى مراجعة شاملة للسياسات والإجراءات التي أدارت الملف الأمني خلال المرحلة الماضية، بما يضمن حماية القيادات الوطنية والحفاظ على القوى التي لعبت أدوارًا رئيسية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية.
ويبقى السؤال الأبرز، هل كان اغتيال يحيى وحيش حادثة معزولة، أم أنه جزء من مسار أوسع يعكس حالة الاستنزاف والاستهداف التي تواجهها القوى المناهضة للحوثيين والإرهاب؟.
سؤال سيظل مطروحًا بقوة ما دامت الاغتيالات مستمرة، وما دام التراجع الأمني يتسع من الجنوب إلى الساحل الغربي دون معالجات حقيقية تعيد الاستقرار والثقة إلى المناطق المحررة.