أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:57 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​الطبل في الحوطة والرشح في عدن

    د. فضل العزب




    ​يقول المثل الشعبي اللحجي: «الطبل في الحوطة والشرح في سفيان»، في تصوير بليغ لحالةٍ يكون فيها مصدر الحدث في مكان، بينما تمتد آثاره ونتائجه إلى مكان آخر. فالطبل يُقرع هنا، والشرح - أي الرقص والاحتفال - يكون هناك، وكأن الذين لم يقرعوا الطبل هم الذين وجدوا أنفسهم أمام تبعاته.

    لكن واقع عدن والمناطق المحررة اليوم يبدو وكأنه أعاد إنتاج المثل الشعبي، بصورة أكثر قسوة ومرارة: الحرب في مناطق أخرى، والرشح في عدن.

    فبينما تدور رحى الحرب في مناطق لا تزال خارج نطاق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، تجد عدن نفسها، ومعها كثير من المناطق المحررة، في مواجهة حرب أخرى لا تقل قسوة في تفاصيل الحياة اليومية؛ حرب بلا طائرات تحلق في السماء، ولا مدافع تقصف الأحياء، لكنها تستنزف الناس بصمت، وتدخل كل بيت، وتلاحق المواطن من الصباح إلى الليل.
    إنها حرب الخدمات.

    حرب الكهرباء التي تجعل حرارة الصيف امتحاناً يومياً لا يطاق، حتى يتحول البيت إلى ما يشبه فرنًا مغلقاً، ويتحول المواطن إلى إنسان يترقب عودة التيار كما يترقب المسافر بشائر الوصول. ومع انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، لا يعود الرشح مجرد أثر لحرارة الجو، بل يصبح عنواناً لحياة كاملة من الإرهاق والضيق والانتظار.

    ومن هنا يمكن أن نقول، دون مبالغة: الطبل في مكان، والرشح في عدن.
    فالمواطن في عدن لم يعد معنياً فقط بأخبار الجبهات العسكرية، ولا بتقدم هذا الطرف أو تراجع ذاك الطرف، لأنه يخوض جبهته الخاصة كل يوم. جبهة البحث عن الكهرباء، وجبهة المياه، وجبهة الغاز، وجبهة الوقود، وجبهة الراتب الذي يتأخر حتى يصبح وصوله حدثاً ينتظره الموظف كما ينتظر الناس بشائر المطر.

    أي مفارقة أقسى من أن تنتهي ساعات العمل، بينما يظل الموظف عاجزاً عن معرفة متى يحصل على راتبه؟ وأي حرب أشد وطأة من حربٍ لا يستطيع المواطن فيها أن يخطط لأبسط احتياجات أسرته، لأن دخله نفسه أصبح رهينة الانتظار؟.

    في المناطق المحررة، لم يعد السؤال: متى تنتهي الحرب العسكرية فقط؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: متى تبدأ الحياة؟.

    فالمواطن لا يأكل الشعارات، ولا يبرد جسده بالبيانات، ولا يطبخ وعود المسؤولين، ولا يستطيع أن يسدد احتياجات أسرته بالتصريحات. ما يحتاجه بسيط وواضح: كهرباء مستقرة، ومياه متوفرة، وغاز في الأسواق، ورواتب تصل في موعدها، وخدمات تحفظ للإنسان كرامته.

    والمؤلم أن المواطن في عدن والمناطق المحررة يشعر أحياناً بأنه يدفع ثمن حرب لم يختر توقيتها، ولا يملك قرار استمرارها أو إيقافها، لكنه يجد نفسه في الصف الأول لتحمل نتائجها الاقتصادية والخدمية والمعيشية.

    هناك حيث تدور المعارك، تُسمع أصوات المدافع، وهنا حيث يفترض أن تكون الحياة أكثر استقراراً، تُسمع أصوات المولدات، وأنين الناس، وشكاوى الأسر، وتنهدات الموظفين، وصرخات الأطفال في ليالي الحر الطويلة.
    لقد أصبح المواطن محاصراً بين حربين: حربٍ عسكرية في مكان آخر، وحربٍ معيشية داخل مدينته.

    وإذا كان المثل الشعبي يقول إن الطبل في الحوطة والشرح في سفيان، فإن واقع اليوم يفرض مثلاً جديداً أكثر حزناً: الطبل في جبهات الحرب، والرشح في عدن.

    والرشح هنا ليس فقط ما يتصبب من جبين المواطن بسبب حرارة الصيف وانقطاع الكهرباء المستمر، بل هو رمز لعرق المعاناة كلها؛ عرق الأب وهو يبحث عن احتياجات أسرته، وعرق الأم وهي تحاول تدبير شؤون البيت في ظل انقطاع الخدمات، وعرق الموظف وهو ينتظر راتباً تأخر، وعرق المواطن وهو يطوف بين الأسواق بحثاً عن الغاز والوقود والاحتياجات الأساسية.

    إن تحرير الأرض لا يكتمل ما لم تتحرر حياة الناس من هذا القلق اليومي. ولا معنى للاستقرار السياسي إذا كان المواطن يعيش في اضطراب دائم بسبب أبسط الخدمات. ولا يمكن الحديث عن انتصار حقيقي فيما المواطن يخسر يومياً معركة العيش الكريم.

    عدن لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن رفاهية استثنائية. إنها تريد فقط أن تعيش بما يليق بمدينة كانت ذات يوم بوابةً للحياة والتجارة والثقافة، وبما يليق بمواطن صبر طويلاً وتحمل كثيراً.
    فإلى متى يبقى الطبل يُقرع في مكان، بينما يتصبب العرق في مكان آخر؟.

    وإلى متى تتحمل عدن والمناطق المحررة ارتدادات حرب لا تتوقف نتائجها عند خطوط المواجهة، بل تمتد لتصل إلى المطبخ، والراتب، والمستشفى، والسوق، وغرفة الطفل في ليلة صيفية خانقة؟.
    لقد تعب الناس من الانتظار.وتعبوا من الوعود.

    وتعبوا من تحويل معاناتهم إلى أرقام في التقارير وتصريحات في المؤتمرات.
    وما لم تتحول السلطة إلى فعل، والوعود إلى خدمات، والخطط إلى حلول ملموسة، فإن المواطن سيظل يردد، بمرارة الواقع وببلاغة المثل الشعبي:
    الطبل في مكان والشرح في عدن.

المزيد من مقالات (د. فضل العزب)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال