السبت, 26 سبتمبر 2026
100
تعرض الجنوب لصدمة قاسية في صحراء حضرموت، حين تعرضت القوات الجنوبية لضربة جوية أربكت المشهد وأصابت الوعي الجمعي الجنوبي في لحظة لم تكن في الحسبان. لم تكن الصدمة مجرد حدث عسكري عابر، بل كانت لحظة سياسية ونفسية ثقيلة أعادت إلى الذاكرة الجنوبية صورًا مؤلمة من تاريخ طويل من الصراعات والتقلبات. فقد جاءت الضربة خارج الحسابات التي بنت عليها القوى الجنوبية تقديراتها، ولذلك تركت في القلب ألمًا وحسرة، وأحدثت اختلالًا في التوازن لم يكن متوقعًا. لكن السياسة، كما التاريخ، لا تتوقف عند الصدمات، وما حدث أصبح صفحة في سجل الأيام، والجنوب مطالب اليوم بأن يقرأها بعقل بارد، لا بعاطفة مجروحة.
إذا كانت الصدمة الأولى قد هزّت التوازن الجنوبي، فإن الصدمة المعاكسة التي يحتاجها الجنوب ليست ضربة عسكرية مقابلة، ولا اندفاعًا نحو مواجهة مفتوحة، وإنما موقف سياسي واضح يعيد تعريف موقع الجنوب في هذا المشهد. موقف يقول بوضوح إن القوات الجنوبية ليست قوة احتياط لمعارك الآخرين، وإن قرارها يجب أن يرتبط أولًا بأمن الجنوب وأرضه ومصالح شعبه، وإن أي تحالف أو تفاهم لا يمكن أن يكون على حساب المشروع الجنوبي أو أن يحول الجنوب إلى ساحة لتصفية صراعات لا تخصه.
وهنا تحديدًا ينبغي أن تتحول الصدمة من فعل عسكري إلى فعل سياسي: إعادة ترتيب الأولويات، وضبط العلاقة مع جميع الأطراف على قاعدة المصالح المتبادلة، ورفض سياسة الاحتشاد والنفير حين تكون المعركة خارج حدود القضية الجنوبية. فالجنوب ليس مطالبًا بأن يكون طرفًا في كل صراع يندلع في اليمن، كما أنه ليس ملزمًا بأن يدفع ثمن صراعات الآخرين من دم أبنائه ومستقبل أرضه. ومن حقه، سياسيًا وأخلاقيًا، أن يقول بوضوح: نحن مع أمن أرضنا، ومع حماية شعبنا، ومع أي تفاهم يحفظ مصالحنا، ولسنا طرفًا في حرب لا تخدم قضيتنا.
إن المشهد اليمني اليوم أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في معسكر واحد أو مواجهة واحدة. لكل طرف حساباته، ولكل قوة مشروعها، ولذلك فإن المصلحة الجنوبية تقتضي ألا يفقد الجنوب بوصلته وسط هذا التشابك. لا يمكن أن يكون الجنوب واحدًا حين يتعلق الأمر بالمصالح، ثم يصبح أجزاءً حين تبدأ الأزمات. القرار الجنوبي بحاجة إلى وضوح، والقوات الجنوبية بحاجة إلى مهمة محددة، والعلاقات السياسية بحاجة إلى قواعد معلنة لا تتغير مع كل موجة في المشهد.
ومن هنا يصبح الموقف السياسي المطلوب أكثر وضوحًا: الجنوب يحمي أرضه، ويصون قراره، ويحافظ على قواته، ويدير علاقاته مع الآخرين من موقع الشراكة لا التبعية، ومن موقع المصالح لا ردود الأفعال. لا خصومة مجانية مع أحد، ولا ارتهان لأحد، ولا دخول في معركة لمجرد أن الآخرين دخلوا فيها. هذه ليست عزلة عن المحيط، بل محاولة لتثبيت مركز القرار الجنوبي داخل هذا المحيط.
الصدمة الأولى أوجعت الجنوب لأنها جاءت في لحظة غاب فيها الاستعداد السياسي والنفسي لها. أما الصدمة المعاكسة، فينبغي أن تكون مختلفة في طبيعتها: أن يكتشف الجميع أن الجنوب تعلّم من الضربة، وأنه لم يعد مستعدًا لترك موقعه ومشروعه رهينة لتقلبات الآخرين. أن تكون الرسالة هادئة في لغتها، حازمة في مضمونها: علاقتنا بأرضنا أولًا، وقرارنا ملك لشعبنا، وقواتنا مهمتها حماية الجنوب، وأي علاقة مع الأشقاء والأصدقاء تقوم على الاحترام والمصالح المشتركة.
ذلك هو التوازن الذي يحتاجه الجنوب اليوم؛ ليس توازن القوة وحدها، وإنما توازن الموقف والقرار. فحين يعرف الجنوب ماذا يريد، وما الذي يقبله وما الذي يرفضه، تصبح الصدمات أقل قدرة على كسر إرادته، ويصبح حضوره السياسي أكثر وضوحًا في زمن تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه خرائط المصالح.
رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي – عدن