ثمة أوطان لا تحتاج إلى أن تقول اسمها كي تُعرَف. يكفي أن تفوح رائحتها.
واليمن، لقرون طويلة، كان يُعرَف برائحة البن.
كانت حبات البن اليمني تحمل اسم البلاد إلى آخر الدنيا، وكان ميناء المخا يفتح أرصفته للبحر، فتخرج منه القهوة كما تخرج الحكايات الجميلة من وطن يعرف كيف يمنح الآخرين شيئًا من روحه. حتى صار اسم «موكا» في لغات العالم علامة على القهوة، مأخوذًا من اسم الميناء الذي حمل البن اليمني إلى الجهات البعيدة.
لكن المخا تغيّرت. هجرها «البن»، وبقيت «البنادق».
غابت عن أرصفتها رائحة القهوة، وبقيت رائحة البارود.
وكأن الزمن، في لحظة قاسية، قرر أن يستبدل فنجانًا بفوهة بندقية.
ولهذا أصبحنا في اليمن نقول، بشيء من المرارة التي لا تحتاج إلى شرح: ليس لنا من البن وصناعة القهوة غير التاريخ!
وفي الأول من أكتوبر، يعود العالم كل عام إلى قهوته، يحتفل بها، ويتحدث عن أصنافها ومذاقاتها وطرق إعدادها، وعن التجارة العادلة وحقوق مزارعي البن. وقد أُقرّ هذا اليوم رسميًا منذ عام 2015، وأُطلق الاحتفال به في ميلانو. أتابع كل ذلك بشيء من الدهشة في المدينة المشتعلة بالغضب الآن.
العالم الذي أخذ من اليمن حبة البن، لم يكتفِ بها. صنع منها ثقافة كاملة، وأدخلها في تفاصيل الحياة، وفي طقوس الصباح، وفي المقاهي، وفي الكتب، وفي اللقاءات، وفي وحدات القياس الصغيرة للوقت والمزاج.
تحوّل مذاق البن في أوروبا، ومنها بلجيكا، إلى ثقافة عالمية، مثل الكاكاو والشوكولا.
وأظل، وأنا القادم من بلاد البن، أتساءل: كيف استطاعت حبة صغيرة من أرضنا أن تعيش كل هذه الحياة في العالم، بينما عجز الوطن نفسه عن أن يعيش حياة هادئة؟
ربما لهذا السبب تبدو لي القهوة أحيانًا أكثر من مشروب. إنها شيء من الذاكرة. شيء من البلاد التي غادرها أهلها وبقيت هي تنتظرهم.
في شارع لويز، قلب بروكسل، محلات فاخرة تعرض القهوة كما لو أنها تعرض جواهر.
نكهات كثيرة، وأسماء أكثر، وألوان وروائح تمتد إلى الزهور والفاكهة وكل ما يمكن أن يخطر على بال. أكثر من عشرين نكهة جديدة للإسبريسو، مثلًا.
صديقي المولع بالقهوة يعرف إحدى عشرة منها، ويسألني عن رأيي، بصفتي القادم من بلاد البن.
أقول له: أنا من بلاد النوع الواحد!
ثم أضيف، كأنني أتحدث عن القهوة ولا أتحدث عن قهري: لذلك نخوض حربًا فقط لعدم الاعتراف بالآخر.
يضحك.
وأترك السياسة جانبًا، وأتأمل أناقة المكان؛ عرض القهوة، وأناقة البائعات والبائعين، وطريقة تقديم الفنجان، حتى يخيل إليك أنك في ضيافة دار ملكية، لا في محل لبيع البن.
هناك، وسط كل هذا الترف، شعرت للحظة أن اليمن يقف بعيدًا عني. بعيدًا جدًا. كأنني أبحث عنه بين أكواب القهوة، ولا أجده.
كانت فتاة عشرينية تبيع القهوة تتطلع إليّ، وتشرح لي بثقة، وهي ترى حيرتي بين النكهات التي ذهبت إلى كل أنواع الزهور والفاكهة، حتى غاب البن نفسه.
قالت: ماذا تفضل؟
قلت: أفضل الأمور كما هي. أنا يقتلني نصف الموقف أكثر!
لم تفهم إن كان كلامي عن البن أم عن السياسة.
لكنها ابتسمت، وقالت بثقة: خذ قهوتك كما هي، من دون محسنات ولا رتوش. هذا أفضل.
ثم أضافت: البن مثل البشر، كلما كان طبيعيًا كان أجمل!
توقفت عند عبارتها.
في بلادنا نظرية قديمة تقول إن البن مثل المرأة؛ يجب أن يحتفظ برائحة الأرض كي يبقى ملهمًا، من دون إضافات ولا محسنات.
أما الذكور، فقد بقوا من دون رائحة ولا إلهام.
لا أريد أن أدخل في هذا الجدل الآن.
أقول لها: أنا من بلد البن. وكل ما تبقى منه هو لون عيوننا، يا سيدتي، التي جاءت بلون البن المحروق.
أنظر إلى الفنجان، وأفكر في كل هذا العمر.
نصفه ذهب في الخوف. ونصفه الآخر بين مدن مرعوبة، وأرصفة ملغومة، وحقائب سفر، ووجوه تودع وجوهًا، وأبواب تُغلق خلف أصحابها من دون أن يعرف أحد متى ستفتح من جديد.
وما تبقى من رائحة الوطن، ربما، خبأناه في فنجان القهوة الصباحي. فنجان صغير، نحاول أن نُقنع أنفسنا بأنه يكفي.
تهز الفتاة رأسها، كأنها فهمت شيئًا لم أقله، وتقول بعينيها من دون أن تنطق:
إذن خذ قهوتك كما هي... لا سكر، ولا حليب، ولا محسنات.
أبتسم.
هي لا تعرف أنني لا أبحث في فنجان القهوة عن مذاق فقط. أبحث عن وطن. عن شجرة في جبل بعيد. عن يد فلاح يقطف حبات البن في الصباح.
عن رائحة تراب ابتلّ بالمطر. عن مدن كانت تعرف طريق الفرح قبل أن تتعلم طريق الخوف. أبحث عن المخا القديمة، حين كانت السفن تأتيها محملة بالأمل، وتغادرها محملة برائحة اليمن.
أبحث عن وطن علّم العالم كيف يشرب القهوة، ثم خسر، في الطريق، حقه في أن يجلس بهدوء إلى فنجانه.
العالم كله يعرف «موكا»، لكن كم واحدًا يعرف أن وراء الاسم ميناءً يمنيًا، وأن وراء الميناء وطنًا أثقلته البنادق والميليشيات حتى كادت أن تنسيه رائحة البن؟
أضع الفنجان أمامي.
لا سكر. لا حليب. لا محسنات.
فربما يكون الوطن، مثل القهوة، أجمل حين يعود إلى أصله. وربما لهذا السبب لا أريد أن أضيف شيئًا إلى فنجاني.
أريد فقط أن أشرب اليمن كما كان. مرًّا قليلًا. دافئًا. وحقيقيًا.
هي رائحة أرض هناك... رائحة وطنٍ لا يزال، رغم كل شيء، عصيًّا على النسيان.
«النهار» اللبنانية