جمال جعبل يتحدى الإعاقة والسرطان.. لماذا أجزع وأقنط من رحمة الله طالما في الحياة بصيص أمل ومتسع للعيش

​كتب/ جهاد عوض

جمال جعبل من محافظة أبين، هو شخص تحدى المرض والإعاقة وصارمن خلال العزيمة والكفاح أسطورة تتحدى الواقع المؤلم، وهو في العقد الرابع من العمر، قد لا يعرفه أو يعلم به إلا أهل منطقته باتيس.
جمال الإنسان يعاني من إعاقة حركية، وكان في صغره يمشي بصعوبة إلى أن وصل إلى العجز الكلي عن الحركة في سن 13 عاما، وحينها ترك مقعد الدراسة بعد أن أكمل الصف الخامس الابتدائي.

يعتمد جمال على كرسي متحرك منذ 30 عاما في حركته وتنقله، ويتمتع بإرادة قوية وعزيمة فولاذية تمثلت في تحدي إعاقته وظروفه المعيشية الصعبة، ولا يملك من الضمان المعيشي غير 2000 ريال وهو مبلغ الرعاية الاجتماعية الذي لا يكفي لصيانة إطارات كرسيه المتحرك.. لم يستسلم رغم هذه الظروف، وحاول أن يعمل مشروع يزيد من دخله، فحاول مرارا جاهدا أن يجد مؤسسة أو جمعية تدعمه وتحقق مشروعه، ولكن محاولاته لم تفلح، وقرر الاعتماد على نفسه وهمته ومواصلة الخطى بإيمان الطامح إلى النصر، متوكلا على الله تعالى محسنا الظن بأنه لن يتخلى عنه.

من خلال هذه الأسطر نسلط الضوء على أسطورة تحدى الإعاقة والمرض..
 جمال المعاق حركيا سعى إلى تغيير حياته و فكر بمشروع يناسب إمكانياته وقدراته الصحية والمالية، واقترض مبلغا ماليا بسيطا لا يتجاوز العشرين ألف ريال، ولأنه ابن الريف ومن بيئتها فقد اختار تجارة الفحم التي لا تكلف أي جهد كبيرا، فبدأ بشراء أكياس قليلة من الفحامين على قدر المبلغ المتاح بين يديه ويبيعها بفائدة بسيطة، وهكذا استمرت تجارته لسنوات ونمت وازدهرت، وأصبح لا يسأل عن الإعانة والدعم الشحيح كونها لا تسمن ولا تغني من جوع والتي كان ينتظرها بفارغ الصبر سابقا، واعتمد على نفسه في توفير احتياجاته ومتطلباته.

بهذا المشروع البسيط أحس جمال جعبل بوجوده وحضوره الإنساني، وامتلك الثقة بنفسه وبقدراته، ولكن مأساته لم تنته حينما بدأت الحياة تتبسم له وقدر له أن يعيش مأساة أخرى حين أصيب بالسرطان الخبيث في عينه اليسرى قبل ثمان سنوات، فبدأ المرض يفتك وينهش العظم واللحم في جسده، وبعد سنوات من الصبر والألم والمعاناة واستخدام كل الأدوية الطبية والشعبية لم يجد أي تحسن بل انتقل المرض إلى وجهه كاملا، وبدأ يعاني صعوبة في الأكل والشرب، حتى أنه في آخر زيارة للطبيب أخبره أنه لا أمل ورجاء في شفائه من المرض، فما كان منه إلا الصبر محتسبا الأجر والمثوبة من الله عز وجل.

لجمال جعبل أخ معاق أكبر منه توفي قبل 4 أعوام، شاركه المعاناة وهم الإعاقة وقوى إيمانه وصبره على مشقة وقسوة الإعاقة والمرض عليه والآلام الموجعة التي تهد وتنهك أقوى وأضخم الأجساد فكيف بجسد معاق ومنهك أساسا.

 ظل جمال مبتسما دائما لا يبالي بما يعانيه ويقاسيه والأمل يحدوه ولا يفارق قلبه وعينيه، مما جعله محط إعجاب واستغراب المحيطين به والأطباء الذين يرتادهم لأيمانه وعزيمته وتحديه ومقاومته للمرض الخبيث، إضافة لإعاقته التي تزداد سوءا مع الأيام، لم يستسلم أو ينهار نفسيا، لم ينعزل أو ينطوي اجتماعيا، كما يحدث للكثيرين من المصابين، ظلت آماله متقدة ومتوهجة، وتكبر يوما بعد يوم في صدره وروحه، وأمنياته لا تمنعها حواجز الإعاقة والمرض، وظل صوته يصدح بين أهل قريته بالضحك والكلام الطريف والتفاؤل والأمل، قائلا: «أمسي في ليل طويل، وكما تعرفون، في الليل يأتي كل ويل، أبكي وأتألم على فراشي وحدي من شدة وجعي وألمي لا أحد يحس بي أو يشاركني همي، إلا أني حين تشرق شمس الصباح ويشع نورها على الأرض تفيض في روحي مشاعر الأمل والفرح، لهذا أنطلق والسعادة تغمرني والدنيا تضحك وتبتسم لي، أحاول أنسى المرض وأعيش وأتمتع، بما بقى من أيام في حياتي وبما فيها حلو ومر، لأن حياتنا ودنيانا ما هي إلا رحلة سفر لابد لها من نهاية ومنها راحلون ومودعون اليوم أو غدا، أو كما جاء في الحديث: «مالي وللدنيا  ما أنا في الدينا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها»، فلماذا أحزن وأكتئب ما دام لن يرجع لي ما راح من صحتي وعمري!! لماذا أجزع وأقنط من رحمة الله؟ طالما في الحياة بصيص أمل ومتسع للعيش والبسمة، ولو ندمت أو حزنت يوما ما ليس على شخصي بل على شبابنا وأولادنا وهم في عمر الزهور، يقتلون وتسفك دماؤهم بغير وجه حق هنا وهناك في السنوات الأخيرة».

وهكذا عاش جمال سني عمره لا يلتفت لمعاناته وسقمه، طالما روحه لا مكان فيها لليأس والإحباط، بل تحفزه وينبعث الأمل والتفاؤل منها، مستمرا في عمله اليومي في الكشك الذي يملكه لا يكل أو يمل يصارع اليأس ويرتجي الأمل والسعادة، في تجربة إنسانية بلغية، فيها إصرار وتحدٍّ لا نظير له للعاهة المستديمة والمرض الخبيث، اللذين فيها درس وعبرة للأسوياء، لصبره وتحمله لدرجة أنه لا يمكنه الاعتماد على نفسه في فراش نومه وفي جلوسه إلا بمساعدة الآخرين له، يغالب خلوته بين أنينه وآهاته وتوجعه، وهو مؤمن إيمانا لا حدود له أن ما أصابة ما هو إلا أبتلاء وامتحان من الله عز وجل، وما الشفاء والدواء إلا من عند الله في اعتقاد وشعور يقيني ينتابه.

وحياة جمال لا تخلو من المواقف واللحظات العجيبة والعصيبة كإنسان معاق، منها حدث حقيقي شهده كثير من الناس قبل 15 عاما وهو جالس على كرسيه المتحرك، وذات يوم وفي صيف حار لم يجد- ومعه بعض أهل القرية- إلا شجرة يستظلون تحتها من حرارة ولهيب الشمس، حينها تسلل ثعبان إلى ملابسه «المعوز» وإلى منطقة أحشائه عند جهازه التناسلي، وهو جالس على كرسي الإعاقة، وكأن الثعبان هو الآخر لم يجد مكانا يستظل فيه، من هجير السماء والأرض إلا في هذا المكان الحساس عند أخونا المعاق، إنه موقف صعب ورهيب لا يمكن أن تصفه بالكلمات، موقف لا تستطيع أن تفعل شيئا تجاهه، لحظة تجعلك تشعر أن الموت آتيك لا محالة وقريب منك أكثر مما تتصور، وأنت تعلم أن أبسط حركة أو هفوة منك ستكون رد الأفعى سريعا ومزلزلا، احتار من حوله والمحيطون به حينها ولسان حالهم وتفكيرهم كيف نعمل بهذه المشكلة؟ أي مصيبة وفاجعة هذهِ؟! ونحن نرى جمال يقتل ويموت أمام أعيننا ولا نستطيع فعل أي شيء لإنقاذه كون أي حركة أو محاولة منهم لانتشاله من على الكرسي لإنقاذه معناها ردة فعل متوقعة وخطيرة بلدغة أو لدغات سامة وقاتلة من الأفعى، ولكن لإيمانه القوي بأن هذا قدره ومكتوبه في الحياة، وأن ما يصيبه إلا ما كتبه الله له، فقد سخر الله عز وجل لأخينا الصبر والتحمل في كيفية التصرف والخروج من المأزق الذي هو فيه وبعد ما كان يسمع من الآراء والأصوات المختلفة والمتضاربة لمن حوله قال لهم بصوت خافت مع إشارة بطيئة بيديه أن يبتعدوا وبدأ بفتح الحزام بتمهل وتروٍ وأرخى المعوز بحذر وبهدوء حتى ينسل وينزلق الثعبان إلى الأرض على غرة وبلمح البصر، وهذا ما تم فسقط الثعبان إلى الأرض وفرح الجميع لابتعاد الخطر عن جمال، أما هو فقد كان في حالة لا توصف ويرثى لها من شدة الخوف والتوتر من هذا المأزق والموقف، وكما يبدو أن تلك الحوادث والمصاعب التي مر بها جعلته متمرسا ومستعدا ومتكيفا معها بكل صعوباتها وتأثيرها عليه، وهو يعيش حياة بسيطة ومتواضعة محباً لأهله وللناس جميعاً.

ونحن بدورنا نسأل أين دور منظمات المجتمع المدني في تقديم الرعاية الصحية للمستحقين ممن يعانون المصاعب؟!.
عندما سألته عن أمنياته وما يريد تحقيقه؟ قال جمال: أتمنى الصحة والسعادة والأمن والسلام لكل إنسان في هذه البلاد، وأن تتوقف الحرب والمآسي التي أكلت الأخضر واليابس وقتلت ودمرت البلاد والعباد.

هذه قصة معاناة جمال لا يحس بها ويدركها إلا من عاشها واكتوى بنارها، وجمال أصر بعزيمة وإرادة أن يكون له حضوره وتأثيره في أسرته ومجتمعه رغم الإعاقة والمرض.