توزيع الإغاثة الإنسانية.. فوضى وفساد وارتجالية وغياب دور الحكومة الرقابي

تقرير / صديق الطيار

توزيع الإغاثة الإنسانية.. فوضى وفساد وارتجالية وغياب دور الحكومة الرقابي
توزيع الإغاثة الإنسانية.. فوضى وفساد وارتجالية وغياب دور الحكومة الرقابي
التوزيع لا يستند إلى قاعدة بيانات صحيحة أو إحصاءات دقيقة
الحزبية والمناطقية من أهم المعايير في التسجيل والتوزيع
فاقمت الحرب المشتعلة في اليمن منذ أربع سنوات من الوضع الإنساني في البلد الفقير، وخلقت مأساة إنسانية هي الأسوأ في العالم، حسب تقارير دولية.. فقد أدت الحرب إلى توقف كثير من الأعمال وإلى النزوح والتشرد وتوقف رواتب معظم الموظفين وغيرها من المآسي المترتبة على تلك الحرب المستمرة والتي طحنت رحاها الأخضر واليابس..
وتوزيع الإغاثة الإنسانية التي التزم العالم بتنفيذها بشكل عاجل لليمن يعتبر من أهم المشاريع المطلوبة في الوقت الراهن لإنقاذ حياة معظم اليمنيين من شبح المجاعة الذي يهددهم..

لكن على الرغم من تعطش اليمن للإغاثة الإنسانية في ظل الوضع المعيشي الكارثي الحالي، إلا أنه مازال هناك قصور كبير في آلية توزيع تلك الإغاثة لضمان وصولها إلى مستحقيها بعدالة ونزاهة وشفافية خالية من الفساد.. حيث مازالت آلية توزيع الإغاثة الإنسانية في اليمن عشوائية ودون أي إحصاء أو رصد أو دراسات أو بحث ميداني يحدد مدى وأماكن الاحتياج للإغاثة، فغياب قاعدة بيانات واضحة وشفافة أدى إلى تشتيت الجهود الإنسانية وعدم تحقيقها لهدفها المرجو، حيث إن عملية توزيع الإغاثة الإنسانية في اليمن يشوبها الفساد والفوضى والعبث والارتجالية.

عملية توزيع الإغاثة الإنسانية في اليمن تتم بارتجالية وعشوائية وانتقائية نظرا لعدم استناد المنظمات الإغاثية إلى قاعدة بيانات صحيحة أو إحصاءات دقيقة تحدد المستهدفين الحقيقيين ومدى الاحتياج الفعلي ودرجات الأهمية لكل منطقة، فأدت تلك الارتجالية إلى تشبيع الإغاثة الإنسانية باحتياجات محددة ومكررة وعدم إشباع الاحتياجات الأخرى.. والمفترض أن يتم دراسة الاحتياج والمواد المطلوبة ليتم تنفيذ الإغاثة بشكل شامل ومقبول، نظرا لعدم الاعتماد على قاعدة بيانات صحيحة، أو إحصاءات دقيقة..

كما أن توزيع الإغاثة في عموم محافظات البلاد يفتقر إلى الآلية التنسيقية بين جميع المنظمات والجهات الإغاثية، مما يؤدي إلى الوقوع في عدد من الأخطاء الجسيمة في مقدمتها فقدان الإغاثة الانسانية لطريقها الحقيقي، حيث تقوم كل منظمة بتنفيذ الإغاثة بشكل منفرد ودون أي تنسيق فيما بينها، وهذا يؤدي إلى تشتيت الجهود.. فالمفترض أن يتم التوافق على آلية تنسيق مشتركة بين جميع المنظمات الإنسانية المعنية بالإغاثة ليعرف الجميع أين تم تنفيذ الإغاثة وأين الاحتياج الحقيقي لها.

فعدم وجود آلية تنسيق للإغاثة الإنسانية أدى إلى تكرار توزيع الإغاثة لبعض الحارات والقرى والمناطق لنفس الحالات لأكثر من خمس مرات في وقت وجيز، وفي نفس الوقت يتم حرمان مستحقين آخرين للإغاثة في مناطق أخرى دونما معايير أو مبررات.

غياب الشفافية
من أهم معوقات تنفيذ الإغاثة الإنسانية الإيجابية في اليمن هي عدم وجود شفافية تحقق المصداقية في عمل فرق الإغاثة، وهذا ما يستوجب تحقيق الشفافية الكاملة عن طريق النشر اليومي للكميات التي دخلت اليمن من الإغاثة الإنسانية ونوعها وآلية وحصص المناطق المستهدفة بالإغاثة وكم حصة كل حالة بالتحديد بالكمية والنوع، حيث ما يتم في الواقع هو تعتيم كبير على ذلك فيتم توزيع كميات لبعض الحالات في بعض المناطق ويستلم آخرون كميات مضاعفة وأصنافا جديدة كما ويتم حرمان مناطق أخرى دون أي معايير واضحة وشفافة دونما مبرر.

فساد كبير
للأسف الشديد نلاحظ فسادا كبيرا حاصلا في توزيع الإغاثة الإنسانية في اليمن، ويستوجب إزاء ذلك أن تقوم أجهزة الدولة وبالأخص الأجهزة الرقابية بفحص وتدقيق وكشف ذلك الفساد ومكافحته، كما أن هناك مسؤولية مجتمعية يستوجب على المكونات المجتمعية من منظمات مجتمع مدني ونقابات ومكونات مدنية أن تعزز من دور الرقابة على آليات توزيع الإغاثة الإنسانية، كم كنت أتمنى أن تقوم منظمات المجتمع المدني والنقابات بتشكيل فرق عمل ميداني للرقابة على فرق عمل الإغاثة الإنسانية والتحقق من سلامة وصحة عملها الإنساني وعدم وجود شبهات فساد، لأن هذا هو من أهم واجباتها، إذ إن أي فساد في الإغاثة الإنسانية سيؤدي إلى حرمان شريحة واسعة من المجتمع من الأغاثة الإنسانية وستذهب تلك الإغاثة إلى جيوب بعض الفاسدين.

نازحون وفقراء يتألمون
يقول أكرم قائد، نازح من تعز: «ما يحدث عبث ومتاجرة بالمواد الإغاثية الإنسانية، حيث يقومون بتسجيل أسماء وهمية ولم يتم عمل قاعدة بيانات بأسماء النازحين، ولكن يقومون بتغيير الأسماء وبيعها وهناك سماسرة حيث يقوم البعض ببيع المئات من الحالات للتجار، والنازحون يموتون جوعا.. الإغاثة عشوائية وفيها محاباة وتخبط وسوء خلق لدى العاملين عليها، تصرف بالقطارة لبعض المحتاجين مع امتهان لكرامتهم وتذهب لغير مستحقيها.. القائمون عليها بلا ذمة والمواطنون يتهافتون عليها، الأغنياء قبل الفقراء، مزاحمة انتقائية أجزم أن الحزبية والمناطقية لها دور في ذلك».

وتابع أكرم: «بدلا من صرفها للفقراء نجد أنهم يذهبون بها إلى السوق السوداء.. إنهم بلا ضمير ولا إنسانية ويزرعون اليأس في نفوس الناس.. إننا نطالب برفع يد القائمين حاليا عن المعونات واستبدالهم بالكفاءات ممن يتمتعون بالشفافية والمصداقية والإنسانية».
بدوره يقول زيد سعيد، نازح من محافظة الحديدة: «القائمون على الإغاثة الإنسانية في اليمن جعلوها ساحة للابتزاز والاستغلال للفرص، فما أعلمه أنني كنازح والمئات من النازحين غيري لم تصلنا تلك الإغاثة.. القائمون على المنظمات الإغاثية ومراكز التوزيع معظمهم في نظرنا (لصوص) لأنهم يرون أن الحق في الإغاثة للأقربين».

وأردف: «الإخفاق يأتي بسبب غياب الذمة والضمير وعدم وجود دراسة حقيقية لواقع النازحين والتعامل معنا بأسلوب غير راقٍ، بل إن هناك بعض الموظفين في تلك المنظمات والمراكز ينظرون للنازح نظرة دونية وبأنه (شحات) وليس صاحب حق من أجله وجد هو في وظيفته ومن أجل النازح شكلت المنظمات واللجان، لكن للأسف هناك عقول صغيرة موجودة في إدارة مثل هذه اللجان أو المنظمات التي تصلها حقوق النازحين».

 وقال زيد سعيد في ختام حديثه لـ «الأيام»: «النجاح يمكن أن يتحقق حينما يتعلم المدير المسؤول وجميع الموظفين في هذه اللجان والمنظمات بأنهم خدم للنازحين وليسوا ملاكا لما يتم توزيعه».
من جانبها تحدثت النازحة فاطمة سالم، وهي أم لسبعة أولاد، قائلة: «هناك أشياء كثيرة نحتاجها نحن النازحين، خاصة وأننا لا نمتلك أي دخل ونعيش أوضاعا صعبة للغاية».. وأضافت: «توزيع الإغاثة الإنسانية بحاجة إلى آلية قوية بحيث تحقق سلامة التوزيع وعدالته، وهناك حكر على بعض المنظمات المحلية وهي تتبع أطرافا معينة، فلا يتم التوزيع إلا وفق مصلحة، إلى جانب أن هناك منظمات محلية تفتقر إلى آلية إدارية سليمة».

وقالت أيضا: «هناك معوقات أخرى أثناء توزيع الإغاثة تتمثل في عدم وجود الشفافية والمصداقية، بالإضافة إلى الارتجالية والعشوائية والتطويل في الاجراءات، وكل هذا يفاقم من معاناة النازحين، ولابد من اتخاذ إجراءات سليمة وشفافة وسريعة ليحصل النازح على الدعم». مطالبة في ختام حديثها بضرورة إيجاد آلية حقيقية لكي يضمن النازحون الحصول على المساعدات الإنسانية بشكل سلس».

ويقول النازح محمود معبق إن «الحقيقة أن عملية توزيع الإغاثة لا ترتقي إلى المستوى المطلوب، لا كما ولا كيفا، إذ إنها تتجاهل السواد الأعظم من الناس، وتركز على مجموعة معينة فقط.. ناهيك عن أن محتواها ليس بالمطلوب». وأضاف: «كما أن عملية التوزيع عملية ارتجالية نظرا لعدم الاعتماد على قاعدة بيانات صحيحة، أو إحصاءات دقيقة، إضافة إلى ذلك الكفاءات الإشرافية على هذه العملية قد لا تمتلك خبرة كافية في هذا المجال».

وأكد معبق أن «الإغاثة لا تشمل جميع الأحياء السكنية، فهناك أحياء متخمة بالإغاثات وأحياء لم تصل إليها إلا القليل منها.. الإغاثات وخاصة التي تكون بشكل دوري كل شهر أو شهرين، فإنها تشمل بعض الأحياء السكنية وتغيب عن العديد من الأحياء الأخرى.. وعلى الرغم من تواصلنا مع القائمين على تلك الإغاثات لعدة مرات إلا أننا لم نلق منهم سوى الوعود فقط».
«لا توجد عدالة في التوزيع»، بهذه الجملة افتتح عبدالعزيز القاضي حديثه لـ «الأيام»، وهو رب أسرة كبيرة نزحت من منطقة الدريهمي بمحافظة الحديدة.

وأضاف: «الإغاثة عشوائية وفيها فساد كبير جدا، وهناك محاباة وتخبط، ويذهبون بها للسوق السوداء دون إعارة الأسر الفقيرة والنازحة أدنى اعتبار، ليس لديهم أي إنسانية.. لا توجد أي عدالة في التوزيع، لقد تسببوا لنا بالقلق والمهانة والمذلة».
وتحدثت حليمة سالم، نازحة من تعز، قائلة: «في البداية يجب معرفة أن حاجة النازحين ليست الإغاثة الغذائية فقط، فهناك احتياجات مثل الإيجارات ومعالجة المصابين والمرضى»، وأكدت أن من بين المشاكل في توزيع الإغاثة «التسجيل العشوائي وإدخال البيانات من أكثر من طرف، وهذه من أهم الإخفاقات التي يجب معالجتها بصورة عاجلة من خلال عمل مسح ميداني حقيقي للنازحين». مشيرا إلى «وجود عبث متعمد بسبب القائمين على موضوع الإغاثة التي يحرم منها معظم المحتاجين فتذهب بطرق أقرب للتجار والمحاباة لبعض الناس على حساب آخرين محتاجين».

وختمت بالقول: «منذ فترة طويلة لم يعد الناس يسمعون عن الإغاثة ولا يدرون عنها شيئاً وأغلب الظن أنها تسير في الريف بشكل مرضٍ على عكس المدن».