الألغام في اليمن.. ضحايا بالآلاف وتهديد لحياة الملايين

> "الأيام" عن "دويتشه فيله عربية"

> جرحى من عدن يشكون إهمال الحكومة الشرعية والمنظمات المعنية 

“مات والدنا، ويوجعني رأسي ويدي وعيني”، هكذا يصف الطفل اليمني عبد العزيز محمد مصيبته، وعبدالعزيز واحد من آلاف اليمنيين الذين فتكت ألغام الحرب بحياتهم، وهذه تشكل خطراً رهيباً يهدد حياة الملايين وفي مقدمتهم الأطفال.
خلال عام 2016 كان عبدالعزيز (11 عاماً) مع أبويه وأخيه الأصغر وهم أفراد أسرة تنحدر من محافظة تعز جنوبي البلاد، في طريق رحلة علاجية إلى أحد مستشفيات مدينة إب (المحاذية لتعز)، لإجراء عملية جراحية لإعاقة يعاني منها، وفي منطقة “الُربيعي” بتعز انفجر لغم أرضي على السيارة التي تستقلها العائلة، لتتضاعف إعاقته ويفقد والده إلى جانب إصابة والدته وشقيقه، فيما قتل آخرون بالحادث نفسه.


غياب الرعاية الحكومية
في مركز الأطراف الصناعية بعدن، تحدثت اليمنية رحمة عبدالرحمن “أم عبدالعزيز” إلى “دويتشه فيله عربية”، وهي تعاني من إصابات في اليد والظهر والرأس وحضرت لعلاج طفليها المصابين، وقد توفي زوجها بعد عامين من الحادثة، نتيجة لمضاعفات إصابته في اللغم الذي نقل أسرته إلى الإعاقة.
وعلى الرغم من انتشار العديد من منظمات المجتمع المدني، التي تعلن عن تقديم مساعدات من حين لآخر، لضحايا الألغام، إلا أن أم عبدالعزيز تؤكد لـ “دويتشه فيله عربية” أنهم لا يحظون بأية رعاية حكومية أو من جهات أخرى باستثناء الدعم الذي يتحصلون عليه من “فاعلي الخير”.


رحلات علاجية
في عدنٍ، أيضاً، يجلس الشاب عبدالرحمن الحدي، بجوار منزله، في منطقة “صلاح الدين”، فقد عبدالرحمن إحدى ساقيه وثلاثة من أطراف أصابع يده اليمنى، وما يزال يحمل آثار ستة كسور في ساقه الأخرى، رغم إصابته منذ سنوات.  
وتحدث الحدي لـ “وتشيه فيلا عربية”، عن رحلة معاناته، من انفجار اللغم الأرضي المضاد للأفراد به خلال العام 2015، وبقائه لساعات مصاباً ثم نقله إلى المستشفى وبتر إحدى ساقيه، وبعد عملية البتر تم نقله إلى الأردن لاستكمال العلاج، حيث عانى لأشهر وحصل على قدم “صناعية” بديلة، لكنه بات غير قادرٍ على الاستفادة منها، ويقول إن الطرف الذي حصل عليه “بهذلة في بهذلة”، حيث لا يستطيع حمله لأكثر من أربع إلى خمس ساعات، إلى جانب ذلك “أنا طولت (ازددت طولاً) وهو قَصر”.

ألغام اليمن وجهود ألمانيا
حتى عام 2015 وتصاعد وتيرة الحرب في البلاد، كان المدنيون لا يزالون يدفعون ضريبة آثار الألغام المزروعة بمناطق الصراعات الأهلية التي سبقت إعادة توحيد اليمن في العام 1990، وخلال الحرب الأهلية 1994، حيث بقيت الألغام تهديداً مستمراً لحياة المدنيين على مدى السنوات الماضية.
وفي إطار جملة الجهود التي سعت إلى تطهير اليمن من الألغام، قبل تصاعد الحرب في السنوات الأخيرة، كان لألمانيا بصمات جوهرية، إذ اعتباراً من العام 2001م أرسلت مجموعة أولى من الكلاب المتخصصة بالكشف عن الألغام جرى إحضارها من أفغانستان لتقوم بمهمة تجريبية في اليمن، وقد حققت هذه الخطوة نجاحاً باهراً بتطهير مئات آلاف الكيلومترات، لاسيما بفضل الدعم الألماني بالأجهزة والمعدات للمركز الوطني اليمني لمكافحة الألغام، وكان من المخطط أن تقود الخطوة إلى تطهير اليمن من الألغام بشكل كليٍ في العام 2014، وما تزال الحكومة الألمانية حتى اليوم من أبرز ممولي أنشطة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يتولى بدوره جهود المنظمة الدولية في مجال نزع الألغام في اليمن.

كارثة تفتك بالملايين
بينما كان اليمن يرتجي الشفاء من ألغام صراعات النصف الأخير من القرن المنصرم، جاءت الحرب التي تصاعدت بعد سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على صنعاء في 2014 وتدخل التحالف بقيادة السعودية، ليبدأ فصلٌ هو الأخطر من تاريخ البلاد مع تهديد الألغام، حيث انتشرت مئات الآلاف من الألغام المضادة للأفراد والآليات بنسب متفاوتة في جميع المناطق التي شهدت مواجهات مباشرة، ابتداءً من عدن ومحيطها جنوباً وحتى صعدة والحدود مع السعودية أقصى الشمال، مروراً بمحافظات لحج وتعز والحديدة ومأرب والبيضاء والضالع وأبين والجوف وحجة.. وغيرها من المحافظات المتضررة.

وتشير الإحصائيات الحكومية إلى وجود ما يقرب من ألفي قتيل من المدنيين وآلاف آخرين من الجرحى جراء الألغام في السنوات الثلاث الأخيرة، فضلاً عن الضحايا من العسكريين والمسلحين الذين لا تتوفر إحصائيات مستقلة بشأنهم.


تعز.. حقل ألغام
تعد تعز من بين أهم المدن اليمنية المزدحمة بالسكان والمتأثرة بصورة مباشرة بالحرب بين القوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً والحوثيين حتى اليوم، الأمر الذي انعكس بتحولها إلى حقل ألغام.
ويكشف المدير التنفيذي للمركز اليمني للتعامل مع الألغام في تعز، عارف  القحطاني، لـ “دويتشه فيله عربية”، أن عدد القتلى من المدنيين في المدينة بسبب الألغام يتجاوز 465 قتيلاً، بينهم ما يزيد على 120 طفلاً و85 امرأة، وهناك 905 مصابين، بينهم 275 من الأطفال و183 من النساء.

ويقول القحطاني: “إن محافظة تعز تتصدر قائمة المحافظات الأكثر تلوثاً بالألغام الفردية، وتوجد الألغام في 18 مديرية من أصل 22 مديرية في المحافظة، وقد تم فيها زراعة الألغام على نطاق واسع وبطريقة عشوائية في الأحياء السكنية والمناطق المأهولة بالسكان، واستخدمت فيها أنواع مختلفة من الألغام، من الانفجارية إلى الانشطارية وذات الشظايا القطرية، وكذلك ألغام مرتبطة بأشراك خداعية وبأحجام وأشكال مختلفة ومتعددة من حيث مبدأ العمل بالانفجار بالضغط أو الشد أو الأمر الكهربائي والتحكم عن بُعد أو تنفجر بالمتحسسات الحركية والكاميرا الحرارية.

مكافحة الألغام
في ظل الخطر الذي تشكله الألغام والحرب المستمرة على امتداد مئات الكيلومترات في البلاد، تحولت حوادث القتل إلى خبرٍ متكررٍ في وسائل الإعلام، ومعها الجهود المبذولة من الحكومة اليمنية والمنظمات والدول المعنية، سواء في نزع الألغام أو بإقامة الحملات التوعوية للتقليل من مخاطرها.

> أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى