حرب اليمن.. ذروة العبث واستحالة الحسم العسكري

«الأيام» عن «العربي الجديد»

من عمليات سابقة للجيش اليمني في صعدة
من عمليات سابقة للجيش اليمني في صعدة
 ليل 25-26 مارس 2015، أطلق التحالف العربي، بقيادة السعودية، حرباً على الحوثيين، بذريعة «الدفاع عن الحكومة الشرعية ومنع حركة الحوثيين المتطرفة (المدعومة من إيران) من السيطرة على البلاد»، وذلك بعدما وظّفت جماعة «أنصار الله» (الحوثيين) تحالفها مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح (قاموا بتصفيته في ديسمبر 2017) لاجتياح البلاد ومحاولة الاستحواذ عليها عسكرياً وسياسياً. لكن اليوم، وبعد 4 سنوات، تبدو الحرب في ذروة مراحلها العبثية، إذ تبيّن أن الحسم العسكري يكاد يكون مستحيلاً بالنسبة لأي طرف، فضلاً عن أن أجندات أطراف الحرب ظهر أنها لم تعد متّسقة مع الشعارات التي رفعتها في ذلك اليوم من عام 2015، وليتأكد العالم، إلا المعنيين المباشرين بالحرب، أن لا مفر من حل سياسي للأزمة اليمنية، على قاعدة إزالة مفاعيل انقلاب الحوثيين في مقابل تقاسم السلطة، في ظل استحالة الحسم العسكري.

صحيح أن العملية العسكرية تمكنت من تحجيم سيطرة الحوثيين، وإجبارهم على التراجع من مدن عدة، خصوصاً في جنوب اليمن، لكن مسار السنوات الأربع الماضية للحرب يعزز الاعتقاد بأنها كانت كارثية بجميع المقاييس، إلى حد العدمية والعبثية. عسكرياً، أثبتت التطورات في السنوات الأخيرة، وتحديداً في العام الرابع، أن فرص تحقيق أي طرف من أطراف الصراع انتصارا عسكريا حاسما شبه معدومة، فضلاً عن استمرار الفشل في تحقيق أي اختراق سياسي جدّي. كما أن التدخل العسكري، الذي انطلق بحجة الدفاع عن الشرعية، لم يفض إلا إلى تقويض نفوذ الشرعية اليمنية على نحو ممنهج، نتيجة سياسات التحالف في أكثر من محافظة، وتحويل الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى رهينة في الرياض، لا يستطيع العودة إلى العاصمة المؤقتة عدن، فيما انتقال وزرائه إلى داخل اليمن يحتاج إلى إذن من السلطات السعودية والإماراتية التي تسمح بدخول المرضيّ عنهم وتحظر دخول المغضوب عليهم سياسياً. تضاف إلى ذلك المجازر التي لا تنتهي بحق المدنيين، والتي قضت على أسر بكاملها، فضلاً عن الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي يكتوي بنارها الغالبية العظمى من السكان، إذ إن كارثة الجوع والمرض وفقدان مصادر الداخل، واستمرار أزمة عدم صرف مرتبات موظفي القطاع الحكومي، كلها وجه آخر للجريمة التي يتوزع المسؤولية عنها مختلف الأطراف. وقد تفاقمت معاناة الملايين، العام الماضي، إثر أزمة انهيار سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية.

وتظهر الأرقام فداحة الجريمة المرتكبة بحق المدنيين ومدى عبثية هذه الحرب، بعدما أوقعت حوالى 10 آلاف قتيل غالبيتهم من المدنيين فضلاً عن تسببها بإصابة أكثر من 60 ألف شخص، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. كما أنتجت الحرب أسوأ أزمة إنسانية في العالم بحسب الأمم المتحدة، إذ شردت نحو 3.3 ملايين مواطن وأدت إلى اجتياح وباء الكوليرا للبلاد ما تسبب بمقتل أكثر من 2500 شخص منذ إبريل 2017 فيما تم الإبلاغ عن الاشتباه بإصابة نحو 1.2 مليون حالة. حتى أن المدير الإقليمي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خيرت كابالاري، لم يتردد في وصف اليمن بـ «جحيم حي»، إذ «يموت طفل كل عشر دقائق من أمراض كان يمكن منعها وبسهولة». كما أن 1.8 مليون طفل تقل أعمارهم عن خمس سنوات يعانون من «سوء التغذية الحاد». ويضاف كل ذلك إلى جيل ضائع بعدما حرم أكثر من مليوني طفل من أصل سبعة ملايين طفل في سن الدراسة في اليمن من الالتحاق بالعملية التعليمية. والأسوأ أنه بعد 4 سنوات كاملة من الحرب فإن «80 في المائة من السكان، أي نحو 24 مليون شخص، بحاجة إلى مساعدة غذائية أو حماية، بينهم 14.3 مليون شخص بشكل عاجل»، فيما «ثلثا المناطق دخلت مرحلة ما قبل المجاعة». كما يوجد 16 مليون شخص في اليمن يفتقرون إلى المياه والصرف الصحي والرعاية الطبية الأساسية.

ويشكل ما جرى في مدينة الحديدة، طوال العام الرابع من الحرب، المثال الأبرز على عدم جدوى أي رهان على العمل العسكري بعد الآن، إذ تحولت المدينة إلى المحور الأساسي للحرب، وبدرجة ثانية تركزت المعارك باتجاه المناطق الشمالية الغربية على الحدود مع السعودية، من دون أن تحسم في الغالب، لكنها تعكس تحوّل اليمن إلى رهينة في أيدي قوى الصراع المختلفة، وساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية. وتكشف مصادر مطلعة قريبة من الحكومة اليمنية أن البداية الحقيقية لتوجّه الحرب نحو الحديدة بدأت خلال عام 2017، غير أن الفكرة كانت تواجه رفضاً دولياً قوياً استدعى شهوراً من الجهود الدبلوماسية والحملات الإعلامية، وما رافقها من تطورات بحرية، على غرار تهديدات جماعة الحوثي باستهداف سفن التحالف في البحر الأحمر، وغيرها من التطورات، التي حفزت المعارك نحو الحديدة، خلال العام الرابع للحرب.

وشهدت الحديدة حادثة مقتل أرفع قيادي حوثي منذ تصاعد الحرب، وهو الرئيس السابق لما يُسمى بـ «المجلس السياسي الأعلى»، صالح الصماد، الذي قتل بغارة جوية في أحد شوارع الحديدة، في 19 أبريل الماضي. ولم يكد يمر شهر على مقتله، إلا وكانت التعزيزات العسكرية من التحالف والقوات الحكومية المدعومة منه، تُعِد العدة نحو الحديدة، واستطاعت أن تحقق اختراقاً كبيراً بالتقدم من مديريتي الخوخة وحيس، جنوب المحافظة، لتصل إلى أطراف المدينة (مركز المحافظة) ومحيط المطار. كل ذلك، بعد التمدد عبر الشريط الساحلي، وبعد معارك ضارية وغارات جوية بالمئات. وكان واضحاً بالتزامن مع حملة الحديدة، أنها التحول المفصلي الذي تنتظره البلاد لسنوات من الحرب، ذلك أن خسارة الحوثيين للحديدة، بما فيها الميناء الأول في اليمن، كان من الممكن أن تترك واقعاً يمنياً مختلفاً على الصعيدين العسكري والسياسي، من خلال إطباق الحصار على مناطق سيطرة الحوثيين، بما فيها العاصمة صنعاء. والأهم من ذلك، عزل الجماعة عن البحر، وسط اتهامات من الحكومة والتحالف باستقبال الدعم الإيراني بواسطته، بما في ذلك الأسلحة التي تهدد السعودية، فضلاً عن الآثار الاقتصادية المتمثلة في فقدان السيطرة على الميناء وموارده ونتائج أخرى كان من الممكن أن تخلق تحولاً نوعياً في مسار الأزمة في البلاد عموماً. وفي ظل الكارثة الإنسانية، التي انطلقت التحذيرات من أن تخلقها الحرب في الحديدة بقطع خطوط الإمدادات بالمواد الغذائية والوقود عن ملايين اليمنيين، جاء التدخل الدولي، ليفرض وقف المعركة بعد أن اقتربت من وسط المدينة، في نوفمبر العام الماضي. ويبقى ما حققته القوات الحكومية المدعومة من التحالف، أبرز التحولات الميدانية، خلال العام الرابع من الحرب، وإن كان تقدماً لا يرتقي إلى الحسم.

عسكرياً، على صعيد الجبهات الأخرى، احتلت المناطق الحدودية مع السعودية من حجة الساحلية وحتى صعدة، ثاني أبرز مناطق المواجهات بعد جبهة الحديدة، إذ كثفت القوات الحكومية، المدعومة من التحالف، عملياتها في حجة، وأعلنت السيطرة على أجزاء من مديرية حيران، وبالمثل فعلت في مديريات صعدة الحدودية، وأبرزها باقم وكتاف والظاهر، وهي الجبهات التي شاركت فيها قوات سودانية ضمن التحالف، إلى جانب أن الرياض تمنحها الأولوية بالضربات الجوية والدعم العسكري متعدد الأوجه، في محاولة منها لتخفيف هجمات الحوثيين على الحدود ومنعهم، قدر الإمكان، من السيطرة على مناطق على درجة عالية من الأهمية العسكرية بالنسبة للشريط الحدودي السعودي.

وإذا كان إبعاد خطر الحوثيين أو تهديدهم للحدود السعودية مع اليمن، شاهدا آخر على تعثّر التحالف في تحقيق الحد الأدنى من خلال الحد من هجمات الحوثيين ضد المناطق السعودية الحدودية، فإن ما حصل هو العكس؛ إذ واصل الحوثيون استهداف مناطق وبلدات على الحدود، بوتيرة شبه يومية، من خلال القصف المدفعي والصاروخي. وفيما يتعلق بالصواريخ البالستية، كان أبرز تطور دشن به الحوثيون العام الرابع من الحرب، أواخر مارس 2018، هو تكثيف إطلاق الصواريخ البالستية بصورة شبه يومية، خصوصاً «بدر 1» قصير المدى، الذي أعلنت عنه الجماعة للمرة الأولى منذ عام، وأطلقوا العشرات منه باتجاه السعودية خلال شهرين. ومع ذلك، فقد توقفت الصواريخ البالستية للحوثيين باتجاه السعودية (أو تراجع عددها إلى حد كبير) منذ النصف الأخير للعام الماضي، وهو الأمر الذي لاحظه تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي، والمقدم في فبراير الماضي، والذي أشار إلى أنه من غير الواضح ما إذا كان التراجع ناتجا عن تدمير مواقع للجماعة تستخدمها للتصنيع والتجهيز، أو أنه قرار سياسي يهدف إلى خفض وتيرة التصعيد لدعم جهود الحل السياسي.

وفي السياق، تعد الطائرات المسيّرة للحوثيين، من أبرز العناوين التي حضرت في تطورات الحرب اليمنية، خلال العام الرابع، إذ أعلنت الجماعة استخدام طائرات مسيّرة لقصف مناطق سعودية مختلفة، كما تبنت قصف أهداف في أبوظبي ودبي (وهو ما لم يتم تأكيده من قبل التحالف). غير أن تطور قدرات الحوثيين باستخدام هذا النوع من الطائرات، كان ملموساً، حتى على صعيد جبهات الحرب الداخلية. ولعل من أبرز الأحداث استخدام الحوثيين طائرة مسيرة لاستهداف منصة عرض عسكري في قاعدة «العند» العسكرية (أكبر قاعدة في اليمن وتوجد فيها وحدات من القوات السعودية والإماراتية وغيرهما)، حيث كان يجلس عدد من كبار قادة الجيش اليمني، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان العامة اللواء عبد الله سالم النخعي. وقد نتج عن الهجوم سقوط العديد من القتلى، بينهم رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية اللواء محمد صالح طماح، ونائب رئيس هيئة الأركان اللواء صالح الزنداني.

الجدير بالذكر، أن العام الرابع من الحرب شهد تواصلاً للمعارك المتقطعة على أغلب جبهات القتال الممتدة من محافظة تعز إلى الضالع (الحدود مع إب)، مروراً بمحافظة البيضاء وأطراف مأرب الغربية وحتى شرق صنعاء، ومناطق متفرقة من الجوف. ومع بداية العام 2019، كانت منطقة حجور في محافظة حجة، ساحة مشتعلة بمعركة غير مسبوقة، تمكن الحوثيون من حسمها لصالحهم، بعد ما يقرب من شهرين من المواجهات مع رجال القبائل المناوئين للجماعة. وعلى الرغم من ذلك، فإن بقاء المعارك في حدودها الاستنزافية لمختلف الأطراف من دون حسم أو حل، يمثل السمة الأبرز في معظم الجبهات، حيث تسيل الدماء اليمنية، ويدفع الملايين أثماناً باهظة بطرق مباشرة وغير مباشرة، فيما البلد ومستقبله بات رهناً في أيدي الأطراف الإقليمية والدولية، سواء المشاركة في الحرب أو الفاعلة سياسياً، فيما تتعزز قناعة اليمنيين يوماً بعد يوم بأن لكلٍ مصالحه وأجندته التي آخر ما يكون فيها، العمل على إخراج البلاد مما آلت إليه.​