غذاء مسؤول فاسد

سالم فرتوت

ليس كمثل غذائه غذاء، فإنه منذ فترة قد سئم تلك الأغذية التقليدية بمختلف أنواعها وصورها. بما فيها أطعمة دسمة وخفيفة، فكل شيء كان في متناوله منذ أن من عليه الحاكم بذلك المنصب الرفيع نظير إدمانه الولاء له على حساب بلده وأهله.
تولى الدأرور ذلك المنصب وراح يختلس آلاف الملايين، بينما ثمة شعب يكاد يعيش على الكفاف.

طز في الشعب.. طز في الأوطان.. طز في الأخلاق، كل هذه مصطلحات يتغنون بها زوراً وبهتاناً! وقد آن للدأرور أن يعوض سنين حرمانه.. فانهال على الأطعمة الغالية والأشربة والفاكهة بنهم جراد جائع.. وحتى لا يمل اللحوم وجدته يغيرها. فمن لحوم الأغنام إلى لحوم الأبقار، فالجمال حتى أنه لم يتورع عن التهام لحوم الخنازير في الفنادق الأجنبية باهظة الثمن. وأدمن تناول الوجبات الأمريكية والأوروبية. عرف مذاقه الهامبرجر والبيتزا وغيرها من وجبات لا يقدر عليها إلا أصحاب الملايين.

ومر بوجبات الآسيويين فالتهم في مطاعمهم الثعابين والأفاعي، وحتى الخفافيش والضفادع.
ويوماً نظر إلى مائدة طعامه العامرة بأصناف شتى من الأطعمة والفاكهة المستوردة.. فلم تنفتح نفسه لشيء. مد يده إلى لحمة محنوذة.. تشمم لعل الرائحة الحبيبة إلى أنفه تغريه، لكن نكهة أخرى أهم كانت تستدعيه. هل يمكن؟
إيه! إنها هي تناديه قائلة: "تعال يا حبيبي، كلني أنا سيدتك حبيبتك. أو لست قد جربت كل الأطعمة وسئمتها بفضلي. فلتأكلني أنا شخصياً"!.

غادر غرفة الطعام الفاخرة.. دخل على حبوبته.. وكانت في انتظاره كامرأة لعوب تنضح أنوثة.. انفتحت له. كانت في خزائنه في رزم من عملات محلية وأجنبية.. بنكهات تبعث في النفس شهية أغرته بابتلاعها وقف حائراً. وكأنما أدركت منه حيرته، إذ خيل إليه أنها تناجيه:"كلني يا حبيبي ولن أصير فضلات نتنة بل سأمكث في مكان غال علي هو كرشك".
تردد. وصوتها يحثه أن: (جرب طعمي، يا حبوبي!).
ولم لا؟ ليجرب مذاقك يا سيدة هذا العالم؟ يا حلوة يا واهبة السكينة والأمان تعالي تغلغلي في أحشائي.

وطلب من خدامه أن يأتوه بأفخر الأواني، على سريره. وزعها على عدة صحون.. هذه دولارات خضراء تطالعه فيها صورة جورج واشنطن، وبصحن آخر وضع أوراق اليورو، وعلى ثالث الجنيه الإسترليني، فالين الياباني، وعملات أخرى وقليل من العملة المحلية وامتلأ السرير بمائدة عامرة من وجبته الاستثنائية، حتى انتابه الإحساس بأنه استثنائي لا مثيل له، فما من أحد قبله تغذى على الفلوس ذاتها. أي والله أوراق النقد صارت غذاءه الأثير، كالنعجة الجائعة تلتهم كل ما تصادفه من أوراق!.
وصارت معدته خزينة تتجمع فيها مختلف العملات النقدية التي ينهبها من خزينة بلد يتضور أهله جوعاً ويترنحون مرضاً واعتبر ذلك توفيراً لماله. فهو في خزانة أمينة.

لذ له طعامه الجديد.. وطريقته الجديدة في إيصاله إلى معدته التي أشبهت طريقة الزواحف في ابتلاع فرائسها، فمثلها انبطح على سريره ووجه فماً كفك التمساح إلى هذا الصحن وذاك.
تغاضى عن أعراض سببتها له وجبته الغريبة.. وراقت له طريقة الزواحف في التهام فرائسها.. وجعل يحاكيها، إذ راح يطارد مثلها الحشرات، مستحسناً العملية. بدأ كما لو أنه يمارس لعبة مسلية استحوذت على وجدانه. حتى أنه أخذ يراقب السحالي في آلية مطاردتها الحشرات.. وما أن أفاق ذات صباح من منامه، حتى وجد نفسه وقد تحول في فراشة إلى سحلية ضخمة.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى