اليمن.. الواقع والمآلات المعقدة

> أحمد القاضي

> تشعر بالصدمة عندما يتحدث إليك متابع عربي للشأن اليمني بنوع من الاستبشار، كلما أحرز الحوثيون تقدما هنا أو هناك. عندها تدرك أن الصورة ليست واضحة كما ينبغي للمتابع الخارجي للأحداث في اليمن، كون الأغلب ينظر إليها صراعا بين الحوثيين والسعودية، وأن أي تقدم لأولئك سيجبر الأخيرة على الاستسلام والانسحاب، وتنتهي بذلك خمس سنوات من الحرب الطاحنة، وتبدأ الحياة تعود إلى طبيعتها، فيما الواقع أبعد وأمرّ من ذلك بكثير.

ليست جماعة الحوثي وليدة العقدين الأخيرين من تاريخ اليمن، كما يتخيل بعضهم. وبالتأكيد هي ليست حركة سياسية ظهرت نتاج الهامش الديمقراطي الذي أوجدته ظروف ما بعد تحقيق الوحدة بين شطري اليمن الجنوبي والشمالي في العام 1990، وإنما هي واجهة مشروع دموي يعصف باليمن منذ أكثر من 1100 عام، ويرتكز في عقيدته على الدم وضرورة إشهار السيف للوصول إلى كرسي الحكم. ولذلك شهد اليمن مجازر دموية على يد رموز هذا المشروع، منذ وضع بذرته الدموية ما سمي الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين الرسي في العام 893، تحت مسمى المذهب الهادوي.

الجماعة، وإن بدت متّحدة، إلا أن مكوناتها ليست متماثلة، وتعيش صراعات داخلية قابلة للانفجار في أي لحظة. ولذلك تسعى عائلة الحوثي التي تصدرت المشهد منذ اندلاع حروب (محافظة) صعدة (شمالي اليمن المعقل الرئيس للحوثيين) من 2004 إلى 2009 مع نظام الرئيس السابق، علي عبدالله صالح، إلى إحكام سيطرتها على مراكز النفوذ والقوة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، إذ يتولى عبد الخالق الحوثي، شقيق عبد الملك الحوثي، قيادة ما تسمى المنطقة العسكرية المركزية، وهي الأهم بالذات في ظروف الحرب الحالية، فيما يتولى عبد الكريم الحوثي (عم زعيم الجماعة) وزارة الداخلية، ويسانده علي حسين الحوثي (نجل مؤسس الجماعة) الذي تم تعيينه وكيلاً لقطاع الأمن والنجدة. وأخيرا، تم إنشاء ما يسمّى الأمن الوقائي بسلطات واسعة، ويتبع عبد الملك الحوثي مباشرة.

وبذلك ضمنت عائلة الحوثي سيطرتها على القوات العسكرية والأمنية، فيما يتحكّم محمد علي الحوثي، عضو المجلس السياسي الأعلى (مجلس رئاسي) بالجانب السياسي، متجاوزا، في حضوره ونشاطه، رئيس المجلس، مهدي المشاط، الذي تم اختياره لهذا المنصب، كونه ضعيفا يسهل تحريكه.

والحرب ومواجهة العدوان الخارجي فرصة للحوثيين كعائلة توفر لهم الغطاء لقمع خصومهم داخل تحالفهم الفضفاض، والبطش بالمجتمع الذي تدرك جيدا أنه ينتظر فرصة الخلاص منهم، مستندة في ذلك على تجارب دموية مرعبة، لأبرز رموزها السابقين. وللسلام، بالنسبة لهم، تبعات داخلية كبيرة ستؤدي، بكل تأكيد، إلى تصاعد الخلافات الداخلية والتصادم الدموي المؤجل بفعل الحرب ومواجهة العدوان الخارجي.

وفي جنوب اليمن، برزت عدة مكونات، منضوية تحت مسمى الحراك الجنوبي الذي ظهر في العام 2007، عقب ثاني وآخر انتخابات رئاسية، وفاز فيها صالح كأمر واقع. وتطورت مطالبه (الحراك) من مطالب حقوقية إلى المطالبة بحق تحقيق المصير، واستعادة الدولة، ووفرت أحداث 2011 مناخا مناسبا لرفع سقف تلك المطالب، وشاركت بعض رموزه في الحوار الوطني الشامل في العام 2014، والذي كانت القضية الجنوبية أبرز قضاياه، وتوصل فيه المتحاورون إلى تقسيم اليمن إلى أقاليم في إطار نظام اتحادي.

ومع أن القضية الجنوبية عادلة، إلا أنها لم تحظَ بحامل سياسي قوي وموحد، فالحراك الجنوبي يتكون من قوى متصارعة، سرعان ما تجتر صراعات الماضي الدموية، بالإضافة إلى أنها كانت مخترقة، وتنفذ أجندة لا علاقة لها بالقضية الجنوبية، وتماهت خلال حكم صالح، وما زالت، مع مشاريع خارجية مشبوهة، جديدها إعلان قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي رغبتها في فتح قنوات تواصل مع إسرائيل، تحت مبرّر مواجهة ما تسميه الاحتلال الشمالي للجنوب.

وبعد طرد مليشيات الحوثي وقوات صالح من عدن والمحافظات المجاورة. وفي اللحظة التي كان على القوى الجنوبية أن تتحد، لإعادة الاعتبار للجنوب الذي تعرّض لظلم وتهميش في عهد علي صالح، حسب ادعائهم. علاوة على أن الحرب التي شنها، بالتحالف مع الحوثيين، حولت هذه القوى المحافظات الجنوبية، وبالذات عدن، إلى ساحة للصراع وتصفية الخصوم، متجاهلة معاناة السكان والتردّي المستمر للخدمات الأساسية.

تبدو الشرعية اليمنية والقوى السياسية الداعمة لها أكبر الخاسرين في هذه الحرب، ومكاسبها تتلاشى يوما بعد آخر، وخطر التفكك يهددها أكثر من أي وقت مضى، فطول المكوث في الفنادق الفارهة ولّد لديها التخمة، وأغراها رغد العيش وكرم الأشقاء في البقاء خارج اليمن، بعيداً عن وجع الرأس وشظف العيش ومعاناة الشعب. وقد اتضح أن هذا كله استدراج لها من الأشقاء، لتبدو، في نهاية المطاف، مسلوبة الإرادة، بعيدة عن الواقع، لا قرار لها ولا قوة. وعندها يطرح الأشقاء حلولهم المجزأة والمفخخة، من دون أن يجرؤ أحد على معارضتها. وقد فشلت كل محاولات لملمة القوى والأحزاب المؤيدة للشرعية في إطار كيان وطني واحد، بفعل استقطاب الأشقاء كلٍ على حدة، ورغبة تلك الكيانات بلعب أدوار منفردة، لتحقيق مكاسب خاصة من جهة، وكسب رضا الأشقاء من جهةٍ أخرى، لاعتقادهم أن رضا الأشقاء هو الضامن الوحيد للبقاء في صدارة المشهد اليمني في الحاضر والمستقبل المنظور. والصراع بين هذه القوى متصاعد، ويحتدم من فترة إلى أخرى، ويتجلّى في أنصع صوره على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصل إلى كيل السباب والشتائم بشكل فج، والواضح أنه يتجه نحو اللاعودة.

أعلنت السعودية انتهاء عملياتها العسكرية في اليمن، وتوصلت إلى اتفاقٍ ما مع الحوثيين، يحفظ ماء وجهها، ويضمن عدم قصف مدنها والتوغل في أراضيها، فالمآلات تبدو معقدة للغاية، كون الكيانات الكبيرة قابلة للتشظّي، والسلاح المنفلت في طريقه إلى التسرّب والانتشار، والدخول في جولاتٍ من الصراع الداخلي وتصفية الحسابات والثارات المعلقة أمر لا مفرّ منه، في غياب الدولة والسلطات الأمنية الموحدة والرادعة، مع رغبة الرياض الملحّة في أن تكون مرجعيةً لجميع الأطراف، بما فيها الانتقالي، بل حتى الحوثيين، وميلها إلى اختيار (وإبراز) الشخصيات اليمنية المائعة التي لا مواقف لها صريحة وواضحة، لتتصدّر المشهد، وتتولى المناصب القيادية، مدنية وعسكرية، والحيلولة دون أن تفرض قوات الحكومة الشرعية سيطرتها على المحافظات المحسوبة عليها، وفرضها على كل من يتعامل معها أياً كان منصبه ومكانته رفع التقارير والوشايات عن زملائه ورفاقه ورؤسائه ومرؤوسيه.

"الأنباء أونلاين"

> أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى