يبدو أن ما يُحاك في الكواليس تحت عنوان “التفاهمات” بين الأطراف الإقليمية لا يعبّر بالضرورة عن حقائق الأرض ولا عن تطلعات الشعوب، بل يعكس في كثير من الأحيان توازنات مصالح تتقدم فيها الحسابات السياسية على حساب الحقوق المشروعة. وفي هذا السياق، تأتي تفاهمات مسقط بين جماعة الحوثي والمملكة العربية السعودية لتفتح بابًا واسعًا من القلق المشروع لدى أبناء الجنوب، ليس فقط بسبب مضمونها غير المعلن بالكامل، بل بسبب الغياب التام للجنوب كطرف رئيسي في معادلة تمس مستقبله بشكل مباشر.
إن استبعاد الجنوب من طاولة التفاوض لا يمكن تفسيره إلا باعتباره تجاوزًا واضحًا لإرادة شعب يمتلك قضية سياسية قائمة بذاتها، وله تمثيلاته وقواه الفاعلة على الأرض. بل إن هذا الغياب لا يقتصر على الجنوب وحده، وإنما ينسحب – بدرجات متفاوتة – على ما يُسمى بالشرعية، التي تبدو في هذا المشهد وكأنها خارج إطار التأثير الحقيقي، الأمر الذي يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه التفاهمات ومن يملك حق تقرير مصير الجغرافيا والإنسان في هذه المنطقة الحساسة.
الجنوب، الذي يمتلك تاريخًا سياسيًا وهوية واضحة قبل عام 1990، لا يمكن التعامل معه كملف ثانوي أو كجزء تابع يمكن إدراجه ضمن صفقات إقليمية. ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق يتم دون إشراك حقيقي وفاعل للقوى الجنوبية، يُعد من منظور قانوني وسياسي اتفاقًا منقوص الشرعية، بل وقد يُنظر إليه كإجراء أحادي يفتقر إلى الأساس التمثيلي الذي يمنحه القبول والاستمرارية.
إن المخاوف التي يعبّر عنها الجنوبيون اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتراكمات من التجارب التي أثبتت أن تغييب الأطراف المعنية يؤدي في نهاية المطاف إلى انفجار الأوضاع بدل معالجتها. فالشعوب لا يمكن أن تكون مجرد متلقٍ لقرارات تُفرض عليها من الخارج، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسيادة والهوية والمصير.
وفي هذا الإطار، يبرز التساؤل الجوهري: هل تملك أي دولة، مهما كان ثقلها، الحق في التصرف في أرض لا تخضع لسيادتها؟ وهل يمكن لاتفاق سياسي أن يصمد إذا كان مرفوضًا من قبل شريحة واسعة من السكان الذين يعنيهم بشكل مباشر؟ التجارب التاريخية تؤكد أن الإجابة تميل إلى النفي، فالاتفاقات التي لا تستند إلى قبول شعبي غالبًا ما تكون قصيرة العمر، وتتحول إلى مصدر جديد للصراع بدل أن تكون مدخلًا للحل.
لقد حاولت بعض القوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، استشراف مألات هذه التفاهمات منذ وقت مبكر، وسعت – بحسب ما يُطرح في الخطاب السياسي – إلى الحد من تداعياتها، إلا أن تسارع الأحداث وتداخل الملفات الإقليمية والدولية جعل من الصعب احتواء المسار قبل أن يصل إلى مراحله المتقدمة.
اليوم، يقف الجنوب أمام مفترق طرق حقيقي، حيث لم يعد الاكتفاء برفض الاتفاقات كافيًا، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى مرحلة الفعل المنظم، من خلال خوض معركة قانونية وسياسية تستند إلى مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها. هذه المعركة لا تعني بالضرورة التصعيد، بقدر ما تعني إعادة فرض الجنوب كطرف لا يمكن تجاوزه، وإعادة التوازن إلى أي عملية تفاوضية مستقبلية.
وفي الوقت ذاته، فإن استمرار تجاهل هذه الحقائق قد يقود إلى نتائج عكسية، ليس فقط على مستوى الجنوب، بل على مستوى اليمن ككل. ففرض حلول غير توافقية قد يؤدي إلى مزيد من التمزق في النسيج الاجتماعي، ويفتح الباب أمام صراعات جديدة تزيد من تعقيد المشهد، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى مقاربات واقعية تُعلي من صوت الشعوب بدل الالتفاف عليه.
إن الرسالة التي يبعث بها الجنوبيون اليوم واضحة: لا شرعية لأي اتفاق لا يمر عبر إرادتهم الجماعية، ولا مستقبل مستقر يمكن بناؤه على أساس التجاوز والإقصاء. وبينما تستمر التحركات السياسية في العواصم، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة أبناء الجنوب على توحيد موقفهم، وصياغة مشروع سياسي جامع يُمكّنهم من الدفاع عن قضيتهم في مواجهة التحديات المتصاعدة.
في نهاية المطاف، قد تنجح التفاهمات في تحقيق تهدئة مرحلية، لكنها لن تكون قادرة على إنتاج سلام دائم ما لم تُبنَ على أسس عادلة وشاملة. والجنوب، بكل ما يحمله من تاريخ وقضية، سيظل حاضرًا في قلب أي معادلة، سواء تم الاعتراف بذلك الآن أو فُرض لاحقًا بحكم الواقع
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي
إن استبعاد الجنوب من طاولة التفاوض لا يمكن تفسيره إلا باعتباره تجاوزًا واضحًا لإرادة شعب يمتلك قضية سياسية قائمة بذاتها، وله تمثيلاته وقواه الفاعلة على الأرض. بل إن هذا الغياب لا يقتصر على الجنوب وحده، وإنما ينسحب – بدرجات متفاوتة – على ما يُسمى بالشرعية، التي تبدو في هذا المشهد وكأنها خارج إطار التأثير الحقيقي، الأمر الذي يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه التفاهمات ومن يملك حق تقرير مصير الجغرافيا والإنسان في هذه المنطقة الحساسة.
الجنوب، الذي يمتلك تاريخًا سياسيًا وهوية واضحة قبل عام 1990، لا يمكن التعامل معه كملف ثانوي أو كجزء تابع يمكن إدراجه ضمن صفقات إقليمية. ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق يتم دون إشراك حقيقي وفاعل للقوى الجنوبية، يُعد من منظور قانوني وسياسي اتفاقًا منقوص الشرعية، بل وقد يُنظر إليه كإجراء أحادي يفتقر إلى الأساس التمثيلي الذي يمنحه القبول والاستمرارية.
إن المخاوف التي يعبّر عنها الجنوبيون اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتراكمات من التجارب التي أثبتت أن تغييب الأطراف المعنية يؤدي في نهاية المطاف إلى انفجار الأوضاع بدل معالجتها. فالشعوب لا يمكن أن تكون مجرد متلقٍ لقرارات تُفرض عليها من الخارج، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسيادة والهوية والمصير.
وفي هذا الإطار، يبرز التساؤل الجوهري: هل تملك أي دولة، مهما كان ثقلها، الحق في التصرف في أرض لا تخضع لسيادتها؟ وهل يمكن لاتفاق سياسي أن يصمد إذا كان مرفوضًا من قبل شريحة واسعة من السكان الذين يعنيهم بشكل مباشر؟ التجارب التاريخية تؤكد أن الإجابة تميل إلى النفي، فالاتفاقات التي لا تستند إلى قبول شعبي غالبًا ما تكون قصيرة العمر، وتتحول إلى مصدر جديد للصراع بدل أن تكون مدخلًا للحل.
لقد حاولت بعض القوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، استشراف مألات هذه التفاهمات منذ وقت مبكر، وسعت – بحسب ما يُطرح في الخطاب السياسي – إلى الحد من تداعياتها، إلا أن تسارع الأحداث وتداخل الملفات الإقليمية والدولية جعل من الصعب احتواء المسار قبل أن يصل إلى مراحله المتقدمة.
اليوم، يقف الجنوب أمام مفترق طرق حقيقي، حيث لم يعد الاكتفاء برفض الاتفاقات كافيًا، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى مرحلة الفعل المنظم، من خلال خوض معركة قانونية وسياسية تستند إلى مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها. هذه المعركة لا تعني بالضرورة التصعيد، بقدر ما تعني إعادة فرض الجنوب كطرف لا يمكن تجاوزه، وإعادة التوازن إلى أي عملية تفاوضية مستقبلية.
وفي الوقت ذاته، فإن استمرار تجاهل هذه الحقائق قد يقود إلى نتائج عكسية، ليس فقط على مستوى الجنوب، بل على مستوى اليمن ككل. ففرض حلول غير توافقية قد يؤدي إلى مزيد من التمزق في النسيج الاجتماعي، ويفتح الباب أمام صراعات جديدة تزيد من تعقيد المشهد، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى مقاربات واقعية تُعلي من صوت الشعوب بدل الالتفاف عليه.
إن الرسالة التي يبعث بها الجنوبيون اليوم واضحة: لا شرعية لأي اتفاق لا يمر عبر إرادتهم الجماعية، ولا مستقبل مستقر يمكن بناؤه على أساس التجاوز والإقصاء. وبينما تستمر التحركات السياسية في العواصم، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة أبناء الجنوب على توحيد موقفهم، وصياغة مشروع سياسي جامع يُمكّنهم من الدفاع عن قضيتهم في مواجهة التحديات المتصاعدة.
في نهاية المطاف، قد تنجح التفاهمات في تحقيق تهدئة مرحلية، لكنها لن تكون قادرة على إنتاج سلام دائم ما لم تُبنَ على أسس عادلة وشاملة. والجنوب، بكل ما يحمله من تاريخ وقضية، سيظل حاضرًا في قلب أي معادلة، سواء تم الاعتراف بذلك الآن أو فُرض لاحقًا بحكم الواقع
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي













