> عدن «الأيام» خاص

  • نايف البكري: إفلات الجناة من العقاب شجع على تكرار مثل هذه الجرائم
  • اليافعي: استغلال الدماء للمزايدات السياسية والتحريض ضد الخصوم أمر مدان
عادت المخاوف الأمنية لتخيم على العاصمة عدن، عقب حادثة اغتيال جديدة استهدفت اليوم أحد أبرز الكوادر التربوية والسياسية، في واقعة أعادت إلى الأذهان سنوات دامية شهدت فيها المدينة موجة اغتيالات طالت عسكريين وأمنيين وأكاديميين، قبل أن تتراجع على وقع تشديد أمني للقوات الجنوبية.

صباح اليوم اُغتيل التربوي والقيادي في حزب الإصلاح د. عبدالرحمن الشاعر، إثر هجوم مسلح نفذه مجهولون في مديرية المنصورة، أثناء توجهه إلى مقر عمله في مدارس النورس بمنطقة كابوتا، حيث كان بصدد الإشراف على فعالية علمية لطلبة المدرسة في مجالات الروبوت والذكاء الاصطناعي.

وبحسب مصادر محلية أفادت لـ"الأيام" فإن مسلحين كانوا يستقلون سيارة ترصدوا تحركات الشاعر، قبل أن يترجلوا ويطلقوا عليه وابلًا من الرصاص أثناء نزوله من سيارته، ما أدى إلى إصابته بعدة طلقات في الرأس والصدر، ليفارق الحياة قبل وصوله إلى المستشفى، فيما فر الجناة إلى جهة مجهولة.

ويُعد الشاعر من الشخصيات التربوية المعروفة في عدن، حيث لعب دورًا بارزًا في تطوير العملية التعليمية عبر إدارته لمدارس النورس، إلى جانب نشاطه السياسي ضمن حزب الإصلاح، ما جعل حادثة اغتياله تثير ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية والمجتمعية.

وفي أول تعليق حكومي، أدان وزير الشباب والرياضة نايف صالح البكري العملية، واصفًا إياها بـ ”الجريمة الغادرة" التي استهدفت شخصية كرست حياتها لخدمة التعليم وبناء الأجيال، مطالبًا الأجهزة الأمنية بالتحرك العاجل لكشف الجناة وتقديمهم للعدالة.

وأكد البكري أن اغتيال الشاعر أثناء توجهه لرعاية نشاط علمي لطلابه يمثل "ذروة الاعتداء على قيم الحياة والتعليم"، محذرًا من أن إفلات الجناة من العقاب قد يشجع على تكرار مثل هذه الجرائم التي تستهدف الكوادر الوطنية.

في المقابل حذر الصحفي ياسر اليافعي من أن الحادثة تمثل مؤشرًا خطيرًا على عودة نشاط خلايا الاغتيالات إلى عدن، مشددًا على أن ذلك يكشف خللًا أمنيًّا يتطلب استجابة عاجلة قبل أن تنزلق المدينة مجددًا إلى مربع الفوضى.

وأشار اليافعي إلى أن عدن عانت لسنوات من موجة اغتيالات ممنهجة استهدفت كوادر عسكرية وأمنية وإعلامية، في سياق اعتبره محاولة لإفراغ الجنوب من خبراته وضرب مؤسساته الناشئة، لافتًا إلى أن تلك العمليات تراجعت بشكل ملحوظ في الفترات التي شهدت فيها المدينة حضورًا أمنيًّا فاعلًا.

وقال اليافعي "ما ندينه أيضًا هو استغلال الدماء في المزايدات السياسية، وتحويل الجريمة إلى أداة اتهام وتحريض ضد الخصوم، بينما يتم تجاهل مئات الكوادر الجنوبية الأمنية والعسكرية والإعلامية التي سقطت منذ 2011 في عدن ولحج وزنجبار والمكلا والحوطة، ضمن مسار واضح هدفه إفراغ الجنوب من خبراته وإعاقة بناء قواته ومؤسساته الأمنية".

وأضاف "قبل 2015 وبعدها، سالت دماء كثيرة، ووقعت اغتيالات وتفجيرات طالت المعسكرات والمقار الأمنية، ومع ذلك لم نسمع صوتًا حقيقيًا يدين كل تلك الجرائم إلا عندما تمس الحادثة طرفًا بعينه، فتُستغل الدماء لتوجيه الاتهامات لمن يخالفهم سياسيًا".

ويرى مهتمون أن عودة حوادث الاغتيال، حتى وإن كانت محدودة حتى الآن، تطرح تساؤلات جدية حول أسباب هذا التراجع الأمني، خاصة في مع التحولات التي شهدتها بنية الأجهزة الأمنية والعسكرية في عدن خلال الفترة الأخيرة.

وتشير تحليلات إلى أن تحجيم دور بعض الوحدات الأمنية الجنوبية، التي كانت تتولى مهام مكافحة الإرهاب وتعقب الخلايا المسلحة، قد أسهم في إضعاف القبضة الأمنية التي نجحت سابقًا في الحد من هذه الظاهرة، ما خلق فراغًا استغلته بعض الجماعات لإعادة تنشيط عملياتها.

كما يربط آخرون بين تصاعد التوترات السياسية والانقسامات الداخلية وبين هشاشة الوضع الأمني، معتبرين أن تسييس القضايا الجنائية واستغلالها في الصراع السياسي يعيق بناء استراتيجية أمنية موحدة، ويمنح الجماعات المسلحة مساحة أكبر للتحرك.

وتتزايد الدعوات إلى إعادة ترتيب المنظومة الأمنية في عدن، وتوحيد جهود مختلف الأجهزة، مع تحييد الملف الأمني عن التجاذبات السياسية، لضمان عدم عودة المدينة إلى دوامة الاغتيالات التي أنهكتها في سنوات سابقة.

ويبقى اغتيال عبدالرحمن الشاعر جرس إنذار جديد، يسلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني، ويضع السلطات أمام اختبار حقيقي في قدرتها على احتواء التهديدات المتصاعدة، ومنع انزلاق عدن مجددًا إلى مرحلة من العنف المنظم الذي يستهدف العقول قبل الأجساد.