​الإيرانيون ليسوا شعباً واحداً، بل شعوب وأعراق متعددة، ولغات وألسن مختلفة، وأديان ومذاهب متنوعة. ومع ذلك يجمعهم وطن واحد.. أمة واحدة ارتبطت برابطة الوطن. الوطن لدى الإيرانيين مقدس، ومن أجله توحدوا - وهم المختلفون والمتنازعون سياسيًا - خلف دولتهم ونظامهم السياسي الذي كان الكثير منهم يعارضه بالأمس.
  • هنا تتجلى الوطنية وهنا تحترم الأمم نفسها
أما نحن العرب، فكلما اختلفنا شرعنا في تقسيم أوطاننا. تقاتلنا في ليبيا حتى كدنا نقسمها شرقاً وغربا. تقاتلنا في سوريا حتى صار الحديث عن القامشلي ودمشق والسويداء والساحل وكأنها أوطان مستقلة. تقاتلنا في العراق حتى انبعثت مشاريع الجنوب الشيعي والوسط السني والشمال الكردي. 

تقاتلنا في اليمن حتى لم يعد التقسيم يقتصر على شمال وجنوب، بل امتد إلى شرق وتهامة ومشاريع لا تنتهي. تقاتلنا في السودان حتى أصبح شبح التقسيم حاضراً في كل زاوية.

أما لبنان الصغير، فحكايته حكاية أخرى. بلد يتهدده الخطر الكاسح من الصهاينة، ومع ذلك لا تكاد طائفة فيه إلا وتحلم بكانتونها الخاص. جزء منه يقاتل إسرائيل، وأجزاء أخرى تعيش حياتها بصورة طبيعية وكأن الحرب تجري في بلد آخر.

إيران أصرت أن يتضمن أي اتفاق يخصها وقف إطلاق النار في لبنان، بينما ظل العرب قرابة عامين يتفرجون على غزة وهي تُسحق، وعلى أطفالها وهم يُقتلون، وعلى أهلها وهم يُجوَّعون ويُبادون أمام شاشات العالم. لم نستطع إدخال القمح، ولا حليب الأطفال، ولا وقف آلة القتل، رغم أن ما نملكه من أوراق القوة والتأثير يفوق ما تملكه إيران بأضعاف مضاعفة، ثم تفرجنا على لبنان أيضاً وهو العربي الصميم وليس الفارسي!
ليست المشكلة في الإمكانات.
  • المشكلة في الإرادة
أمة تملك المال والسوق والموقع والثروة والتاريخ، لكنها تفتقد القرار. أمة بلا قيادة جامعة، وبلا مشروع جامع، وبلا إرادة قادرة على تحويل القوة إلى فعل. حتى أحزابها ونقاباتها ومنظماتها الشعبية التي كانت تملأ الدنيا ضجيجاً، لم نعد نسمع لها صوتاً، ولا حتى طنين نحلة.
  • ماذا جرى للعرب؟
كيف تحولت أمة كانت تهز العالم بكلمة، إلى أمة تهزها الأحداث فلا تحرك ساكناً؟ كيف أصبح الانتماء للطائفة والقبيلة والمنطقة أقوى من الانتماء للوطن؟ وكيف صار مشروع التقسيم أكثر حضوراً من مشروع الدولة والوطن؟

إن أخطر ما يواجه العرب اليوم ليس عدواً خارجياً، بل هذا التآكل البطيء في معنى الوطن، وهذا الانتصار المتواصل للهويات الصغيرة على الهوية الكبرى.

ولهذا يبقى السؤال معلقاً فوق رؤوسنا جميعاً، مؤلماً وقاسياً ومخجلاً في الوقت نفسه: ماذا جرى للعرب؟

وزير النقل اليمني السابق