> واشنطن «الأيام» العرب اللندنية:
أثار الإعلان عن التوصل إلى إطار عمل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران حالة من الارتياح الدولي بعد أشهر من المواجهة العسكرية التي هددت استقرار الشرق الأوسط وأربكت أسواق الطاقة العالمية. فقد بدا أن الطرفين توصلا أخيراً إلى نقطة تتيح وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف مسار التفاوض، وهو ما انعكس فوراً على أسعار النفط التي تراجعت مع انحسار المخاوف من استمرار تعطل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن خلف هذا المشهد الإيجابي، تبرز حقيقة أكثر تعقيداً تتمثل في أن الاتفاق، رغم أهميته في احتواء التصعيد، لا يشكل بالضرورة نهاية للأزمة بين واشنطن وطهران، بل قد يكون مجرد محطة انتقالية تنقل الصراع من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض من دون أن تحسم القضايا التي كانت سبباً مباشراً في اندلاع الحرب.
ومنذ البداية، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية مرتبطة بأحداث ميدانية طارئة، بل كانت انعكاسا لتراكم طويل من الخلافات الإستراتيجية بين الجانبين.
وقد جاءت العمليات العسكرية الأخيرة لتفجر هذه التناقضات دفعة واحدة، لكنها لم تنشئها من العدم.
ولذلك فإن وقف إطلاق النار، مهما بلغت أهميته، لا يغير حقيقة أن جذور الأزمة لا تزال قائمة، وأن الملفات الأساسية التي دفعت الطرفين إلى المواجهة لم تجد طريقها إلى الحل النهائي.
ويأتي في مقدمة هذه الملفات البرنامج النووي الإيراني، الذي ظل على مدى سنوات القضية الأكثر حساسية في العلاقات بين البلدين. فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي ترفع شعار منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، فيما اعتبرت طهران أن الضغوط الأميركية تستهدف حرمانها من حقها في تطوير برنامج نووي سلمي.
وعلى الرغم من أن الاتفاق الجديد فتح الباب أمام جولة تفاوضية جديدة بشأن هذا الملف، فإنه لم يقدم حلا واضحا أو نهائيا له. فمصير مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال غير محسوم، كما أن الخلافات بشأن مستويات التخصيب وآليات الرقابة الدولية والضمانات المطلوبة من الجانبين لا تزال مطروحة للنقاش.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الرئيسية في الاتفاق. فالقضية التي شكلت المبرر الأساسي للحرب لم تُحل، بل جرى تأجيلها إلى مرحلة لاحقة.
ومن الواضح أن واشنطن وطهران فضّلتا تجنب الخوض في أكثر الملفات تعقيداً خلال المفاوضات الأولية، واختارتا التركيز على وقف العمليات العسكرية واحتواء التداعيات الاقتصادية والأمنية المباشرة.
لكن هذا التأجيل لا يلغي المشكلة، بل ينقلها إلى مرحلة جديدة قد تكون أكثر صعوبة، خاصة إذا دخل الطرفان في خلافات حول تفاصيل أي اتفاق نووي مستقبلي.
ولا يقتصر الأمر على الملف النووي وحده، إذ إن النفوذ الإقليمي الإيراني يظل أحد أبرز مصادر التوتر المستمرة. فالولايات المتحدة تنظر منذ سنوات إلى شبكة العلاقات التي بنتها طهران مع قوى وجماعات حليفة في المنطقة باعتبارها تهديداً لمصالحها ولمصالح شركائها الإقليميين.
وفي المقابل، ترى إيران أن هذه الشبكة تمثل جزءاً أساسياً من منظومتها الدفاعية ومن قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية.
وخلال الحرب الأخيرة، ظهر هذا البعد بوضوح مع اتساع نطاق المواجهات لتشمل أكثر من ساحة إقليمية، الأمر الذي أكد أن الصراع بين الطرفين لا يتعلق فقط بالملف النووي، بل يمتد إلى طبيعة التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.
ورغم ذلك، فإن الاتفاق لم يتضمن حلولاً حاسمة لهذه المسألة. فلا توجد مؤشرات على أن إيران قبلت بتقليص نفوذها الإقليمي بصورة جوهرية، كما لا توجد دلائل على أن الولايات المتحدة تخلت عن مطالبها التقليدية في هذا المجال.
وبمعنى آخر، فإن أحد أهم أسباب الصراع بقي خارج إطار التسوية الحالية، ما يجعل احتمالات التوتر قائمة حتى في ظل وقف العمليات العسكرية.
كما كشفت الأزمة الأخيرة عن بعد آخر لا يقل أهمية، وهو المتعلق بأمن الطاقة العالمي. فقد أظهرت الحرب أن إيران تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد الدولي من خلال موقعها الجغرافي وسيطرتها على الضفة الشمالية لمضيق هرمز.
وخلال أشهر المواجهة، أدى تعطيل حركة الملاحة في المضيق إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز وإثارة مخاوف واسعة من اضطرابات اقتصادية عالمية.
ومع أن الاتفاق ينص على إعادة فتح المضيق واستئناف الملاحة بشكل طبيعي، فإن الأزمة أثبتت أن هذه الورقة ستبقى في يد طهران في أي مواجهة مستقبلية.
وهذا يعني أن الاتفاق عالج النتائج المباشرة للأزمة من خلال إعادة تدفق الطاقة وخفض التوتر في الأسواق، لكنه لم يغير المعادلة الإستراتيجية التي تجعل أمن الاقتصاد العالمي مرتبطاً إلى حد بعيد بمستوى التوتر بين إيران والغرب. فالعالم عاد إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، لكنه لم يحصل على ضمانات تمنع تكرار الأزمة مستقبلاً إذا انهارت التفاهمات الحالية أو اندلع نزاع جديد.
ومن جهة أخرى، فإن الاتفاق يواجه تحديات سياسية داخلية لدى الطرفين. ففي الولايات المتحدة، قد يواجه الرئيس دونالد ترامب انتقادات من التيار الجمهوري المتشدد الذي دعم الحرب على أساس أنها فرصة لتغيير سلوك إيران بصورة جذرية.
فالكثير من الأهداف التي طُرحت في بداية الصراع لم تتحقق بشكل كامل. النظام الإيراني ما زال قائماً، والبرنامج النووي لم يُفكك، والقدرات الصاروخية الإيرانية لم تُلغَ، كما أن نفوذ طهران الإقليمي لا يزال قائما.
ولذلك قد يجد ترامب نفسه مضطرا إلى الدفاع عن اتفاق يراه مؤيدوه خطوة ضرورية لإنهاء حرب مكلفة، بينما يراه منتقدوه تنازلا لا ينسجم مع الأهداف التي أُعلنت عند بدء العمليات العسكرية.
وأما في إيران، فالوضع لا يبدو أقل تعقيدا. فالحرب خلفت أضرارا كبيرة وأثقلت الاقتصاد الإيراني، لكنها لم تؤد إلى انهيار النظام أو فقدانه القدرة على التفاوض.
وعلى العكس، يمكن للقيادة الإيرانية أن تقدم الاتفاق للرأي العام الداخلي باعتباره دليلاً على قدرة البلاد على الصمود وانتزاع تنازلات من الولايات المتحدة رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة. لكن في الوقت نفسه، ستواجه طهران تحدياً يتمثل في مدى استعدادها لتقديم تنازلات حقيقية خلال المفاوضات المقبلة، خاصة في ما يتعلق بالبرنامج النووي والعلاقات الإقليمية.
لكن خلف هذا المشهد الإيجابي، تبرز حقيقة أكثر تعقيداً تتمثل في أن الاتفاق، رغم أهميته في احتواء التصعيد، لا يشكل بالضرورة نهاية للأزمة بين واشنطن وطهران، بل قد يكون مجرد محطة انتقالية تنقل الصراع من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض من دون أن تحسم القضايا التي كانت سبباً مباشراً في اندلاع الحرب.
ومنذ البداية، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية مرتبطة بأحداث ميدانية طارئة، بل كانت انعكاسا لتراكم طويل من الخلافات الإستراتيجية بين الجانبين.
وقد جاءت العمليات العسكرية الأخيرة لتفجر هذه التناقضات دفعة واحدة، لكنها لم تنشئها من العدم.
ولذلك فإن وقف إطلاق النار، مهما بلغت أهميته، لا يغير حقيقة أن جذور الأزمة لا تزال قائمة، وأن الملفات الأساسية التي دفعت الطرفين إلى المواجهة لم تجد طريقها إلى الحل النهائي.
ويأتي في مقدمة هذه الملفات البرنامج النووي الإيراني، الذي ظل على مدى سنوات القضية الأكثر حساسية في العلاقات بين البلدين. فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي ترفع شعار منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، فيما اعتبرت طهران أن الضغوط الأميركية تستهدف حرمانها من حقها في تطوير برنامج نووي سلمي.
وعلى الرغم من أن الاتفاق الجديد فتح الباب أمام جولة تفاوضية جديدة بشأن هذا الملف، فإنه لم يقدم حلا واضحا أو نهائيا له. فمصير مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال غير محسوم، كما أن الخلافات بشأن مستويات التخصيب وآليات الرقابة الدولية والضمانات المطلوبة من الجانبين لا تزال مطروحة للنقاش.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الرئيسية في الاتفاق. فالقضية التي شكلت المبرر الأساسي للحرب لم تُحل، بل جرى تأجيلها إلى مرحلة لاحقة.
ومن الواضح أن واشنطن وطهران فضّلتا تجنب الخوض في أكثر الملفات تعقيداً خلال المفاوضات الأولية، واختارتا التركيز على وقف العمليات العسكرية واحتواء التداعيات الاقتصادية والأمنية المباشرة.
لكن هذا التأجيل لا يلغي المشكلة، بل ينقلها إلى مرحلة جديدة قد تكون أكثر صعوبة، خاصة إذا دخل الطرفان في خلافات حول تفاصيل أي اتفاق نووي مستقبلي.
ولا يقتصر الأمر على الملف النووي وحده، إذ إن النفوذ الإقليمي الإيراني يظل أحد أبرز مصادر التوتر المستمرة. فالولايات المتحدة تنظر منذ سنوات إلى شبكة العلاقات التي بنتها طهران مع قوى وجماعات حليفة في المنطقة باعتبارها تهديداً لمصالحها ولمصالح شركائها الإقليميين.
وفي المقابل، ترى إيران أن هذه الشبكة تمثل جزءاً أساسياً من منظومتها الدفاعية ومن قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية.
وخلال الحرب الأخيرة، ظهر هذا البعد بوضوح مع اتساع نطاق المواجهات لتشمل أكثر من ساحة إقليمية، الأمر الذي أكد أن الصراع بين الطرفين لا يتعلق فقط بالملف النووي، بل يمتد إلى طبيعة التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.
ورغم ذلك، فإن الاتفاق لم يتضمن حلولاً حاسمة لهذه المسألة. فلا توجد مؤشرات على أن إيران قبلت بتقليص نفوذها الإقليمي بصورة جوهرية، كما لا توجد دلائل على أن الولايات المتحدة تخلت عن مطالبها التقليدية في هذا المجال.
وبمعنى آخر، فإن أحد أهم أسباب الصراع بقي خارج إطار التسوية الحالية، ما يجعل احتمالات التوتر قائمة حتى في ظل وقف العمليات العسكرية.
كما كشفت الأزمة الأخيرة عن بعد آخر لا يقل أهمية، وهو المتعلق بأمن الطاقة العالمي. فقد أظهرت الحرب أن إيران تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد الدولي من خلال موقعها الجغرافي وسيطرتها على الضفة الشمالية لمضيق هرمز.
وخلال أشهر المواجهة، أدى تعطيل حركة الملاحة في المضيق إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز وإثارة مخاوف واسعة من اضطرابات اقتصادية عالمية.
ومع أن الاتفاق ينص على إعادة فتح المضيق واستئناف الملاحة بشكل طبيعي، فإن الأزمة أثبتت أن هذه الورقة ستبقى في يد طهران في أي مواجهة مستقبلية.
وهذا يعني أن الاتفاق عالج النتائج المباشرة للأزمة من خلال إعادة تدفق الطاقة وخفض التوتر في الأسواق، لكنه لم يغير المعادلة الإستراتيجية التي تجعل أمن الاقتصاد العالمي مرتبطاً إلى حد بعيد بمستوى التوتر بين إيران والغرب. فالعالم عاد إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، لكنه لم يحصل على ضمانات تمنع تكرار الأزمة مستقبلاً إذا انهارت التفاهمات الحالية أو اندلع نزاع جديد.
ومن جهة أخرى، فإن الاتفاق يواجه تحديات سياسية داخلية لدى الطرفين. ففي الولايات المتحدة، قد يواجه الرئيس دونالد ترامب انتقادات من التيار الجمهوري المتشدد الذي دعم الحرب على أساس أنها فرصة لتغيير سلوك إيران بصورة جذرية.
فالكثير من الأهداف التي طُرحت في بداية الصراع لم تتحقق بشكل كامل. النظام الإيراني ما زال قائماً، والبرنامج النووي لم يُفكك، والقدرات الصاروخية الإيرانية لم تُلغَ، كما أن نفوذ طهران الإقليمي لا يزال قائما.
ولذلك قد يجد ترامب نفسه مضطرا إلى الدفاع عن اتفاق يراه مؤيدوه خطوة ضرورية لإنهاء حرب مكلفة، بينما يراه منتقدوه تنازلا لا ينسجم مع الأهداف التي أُعلنت عند بدء العمليات العسكرية.
وأما في إيران، فالوضع لا يبدو أقل تعقيدا. فالحرب خلفت أضرارا كبيرة وأثقلت الاقتصاد الإيراني، لكنها لم تؤد إلى انهيار النظام أو فقدانه القدرة على التفاوض.
وعلى العكس، يمكن للقيادة الإيرانية أن تقدم الاتفاق للرأي العام الداخلي باعتباره دليلاً على قدرة البلاد على الصمود وانتزاع تنازلات من الولايات المتحدة رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة. لكن في الوقت نفسه، ستواجه طهران تحدياً يتمثل في مدى استعدادها لتقديم تنازلات حقيقية خلال المفاوضات المقبلة، خاصة في ما يتعلق بالبرنامج النووي والعلاقات الإقليمية.














