> أيلين جونغا*
في الوقت الذي توصلت فيه إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق لوقف إطلاق النار على طريق التوصل إلى اتفاق سلام نهائي، تتصاعد الآمال بإمكانية منع مزيد من التصعيد الإقليمي. ويأتي ذلك بعد أيام قليلة فقط من مخاوف سادت بشأن احتمال تجدد الهجمات في البحر الأحمر من قبل جماعة الحوثي اليمنية، التي تُعدّ، على الأرجح، أبرز حلفاء إيران وأكثرهم تهديدًا.
ورغم أن جماعة الحوثي شنت ضربات ضد إسرائيل في 28 مارس، ومؤخرًا في 8 يونيو، فإن ما استقطب الاهتمام الدولي بصورة أكبر كان تهديدها للسفن المرتبطة بإسرائيل أثناء عبورها مضيق باب المندب.
وفي الوقت الذي استخدمت فيه إيران إغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط فعّالة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، أثبت الحوثيون أن الهجمات في البحر الأحمر فعّالة بالقدر ذاته في ممارسة الضغط على الاقتصاد العالمي. ويمكن للطرفين معًا أن يخلقا أسوأ سيناريو ممكن للتجارة الدولية وأسواق الطاقة وحتى للاقتصاد اليمني نفسه، مع تأثيرات غير متوقعة على مكانة ونفوذ صنعاء وطهران.
وقبل بدء الهجمات البحرية الحوثية في أكتوبر 2023، كان متوسط ما يمر عبر المضيق يوميًا يصل إلى 3.5 ملايين طن متري من البضائع. لكن بعد أن بدأت الجماعة اليمنية بمهاجمة السفن التي تعتبرها مرتبطة بإسرائيل أو حلفائها ردًا على حرب غزة، انخفض المتوسط اليومي إلى أقل من مليوني طن متري بحلول يناير 2024. وعلى الرغم من توقف الهجمات بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار بين حركة حماس الفلسطينية وإسرائيل العام الماضي، فإن أحجام التجارة لم تتعافَ أبداً، ونادراً ما تجاوزت 1.3 مليون طن متري، وفقًا لبيانات «بورت ووتش» التابعة لصندوق النقد الدولي.
ورغم أن حجم التجارة الإجمالي لم يعد إلى مستويات ما قبل أكتوبر 2023، فإن تدفقات حيوية لا تزال تمر عبر باب المندب، ولا سيما بعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز في مارس. وفي الواقع، تمكنت المملكة العربية السعودية، وهي من كبار منتجي النفط، من إعادة توجيه صادراتها إلى ساحلها المطل على البحر الأحمر، مما وفر شريان حياة للاقتصاد العالمي.
وقال جيمي إنغرام، رئيس تحرير نشرة "ميس" المتخصصة في شؤون الطاقة، لموقع "أمواج ميديا": "إن خط الأنابيب السعودي الذي يتجاوز هرمز وصولاً إلى ينبع أتاح للمملكة تصدير أكثر من أربعة ملايين برميل يومياً من النفط الخام منذ بداية الصراع، إلا أن معظم هذه الكميات تُشحن إلى آسيا عبر باب المندب".
وتظهر بيانات شركة "كلبر"، المتخصصة في معلومات التجارة العالمية، أن الصادرات العابرة للمياه الخاضعة لسيطرة الحوثيين والقادمة من السعودية ارتفعت بصورة هائلة منذ نهاية فبراير، لتبلغ ذروتها عند 3.5 ملايين برميل يومياً في مايو.
وقبل الإغلاق الإيراني، كان مضيق هرمز يمثل طريقًا تجاريًا حيويًا، إذ كان يمر عبره نحو ربع شحنات النفط المنقولة بحراً في العالم، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز المسال والأسمدة. وقد تأثرت إمدادات الطاقة وأسعارها بشكل خاص، إذ باتت معظم الدول العربية الخليجية المنتجة للنفط والغاز غير قادرة على التصدير عبر المضيق.
وقال إنغرام: "إن إغلاق باب المندب في وقت يبقى فيه مضيق هرمز مغلقًا يعني أن أي صادرات نفط خام سعودية متجهة إلى آسيا ستضطر إلى التوجه شمالاً نحو البحر المتوسط ثم الإبحار حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أكثر من أسبوعين إلى زمن الرحلة. كما أن خط أنابيب سوميد المصري وقناة السويس سيشكلان عنق زجاجة، وقد تضطر السعودية إلى خفض صادراتها نتيجة لذلك".
فالبلد الذي مزقته الحرب يستورد نحو 90 في المئة من احتياجاته من الحبوب الأساسية ومعظم احتياجاته من الوقود وغيرها من الضروريات عبر موانئه.
وقال السفير مروان علي نعمان، الزميل البارز في مركز واشنطن للدراسات اليمنية ونائب الممثل الدائم السابق لليمن لدى الأمم المتحدة: "إن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الطرق البحرية سيؤدي إلى ارتفاع حاد في تكاليف النقل والتأمين، ما سيدفع أسعار الغذاء إلى مستويات أعلى ويزيد من حدة النقص القائم".
وقبل الحملة البحرية الحوثية في البحر الأحمر، كانت الأزمة الإنسانية في اليمن تُعد بالفعل من بين الأسوأ عالميًا بسبب الصراع الطويل والأزمة الاقتصادية والتأثيرات البيئية. كما أدى القصف الإسرائيلي والأميركي الانتقامي للبنية التحتية في مارس 2025 إلى تقليص توافر الغذاء بصورة أكبر. وأدى الضرر المستمر الذي لحق بموانئ البحر الأحمر إلى انخفاض واردات الغذاء بنسبة 13 في المئة وواردات الوقود بنسبة 28 في المئة بين يناير ونوفمبر 2025 مقارنة بالعام السابق.
كما تأثر اليمن بشدة بارتفاع أسعار الوقود نتيجة اضطرابات الملاحة عبر هرمز. فقد رفعت شركة النفط اليمنية المرتبطة بالحكومة المعترف بها دوليًا في عدن أسعار الديزل والبنزين المستوردين مرتين خلال شهر واحد، كان آخرها بنسبة 24.5 في المئة.
ووفقًا لـ أحمد الشرجبي، الباحث في المركز اليمني للسياسات، فإن هذه "نسبة كبيرة لم يشهدها اليمن خلال السنوات الأخيرة".
وأضاف الشرجبي: "لقد أثر ذلك بشكل حاد على أسعار السلع، خصوصًا المواد الغذائية، وترك الحكومة غير قادرة على استيراد أي كميات طارئة من النفط المخصصة لمحطات الكهرباء خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري".
ومنذ بدء التدخل العسكري الذي تقوده السعودية عام 2015، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في اليمن بنحو 60 في المئة. ولا تزال أفقر دولة في شبه الجزيرة العربية شديدة التأثر بتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية. وفي ظل انقسام البلاد إلى منطقتي سيطرة منفصلتين بين الحكومة المعترف بها دوليًا والحوثيين، لا يملك اليمن تقريبًا أي احتياطات أو بدائل لمواجهة انهيار اقتصادي محتمل.
ومن شأن أي هجمات إضافية في البحر الأحمر أن تدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع. كما أن الموانئ الخاضعة لسيطرة السلطات المتمركزة في عدن، رغم أنها لا تقع مباشرة على البحر الأحمر، ستشهد على الأرجح انخفاضاً حاداً في الإيرادات الجمركية، التي تعد المصدر الرئيسي المتبقي لدخل الحكومة.
أما بالنسبة للحوثيين، الذين يقال إنهم يعتمدون منذ فترة طويلة على النفط والغاز الإيرانيين بأسعار مخفضة، فإن "أي إغلاق لباب المندب يعد سلاحاً ذا حدين؛ فقد يحقق مكاسب سياسية، لكنه يخنق اقتصاد المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين ويفتح الباب أمام ضربات مضادة تستهدف الموانئ التي يعتمد عليها السكان في معيشتهم"، بحسب الشرجبي.
ويُعد فرض حصار متزامن على ممرات تجارية حيوية مثل باب المندب وهرمز من أسوأ السيناريوهات الممكنة. غير أن قوة هذا السلاح تكمن في أن مجرد التهديد باستخدامه قد يشكل ورقة تفاوضية مؤثرة، تتيح لكل من الحوثيين والإيرانيين ممارسة نفوذ إقليمي، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات يصعب التنبؤ بها على استقرار المنطقة.
* باحثة مستقلة في شؤون الشرق الأوسط تركز على اليمن. سبق أن عملت في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، ومعهد التنمية الخارجية، وإدارة عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة.
"أمواج ميديا"
ورغم أن جماعة الحوثي شنت ضربات ضد إسرائيل في 28 مارس، ومؤخرًا في 8 يونيو، فإن ما استقطب الاهتمام الدولي بصورة أكبر كان تهديدها للسفن المرتبطة بإسرائيل أثناء عبورها مضيق باب المندب.
وفي الوقت الذي استخدمت فيه إيران إغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط فعّالة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، أثبت الحوثيون أن الهجمات في البحر الأحمر فعّالة بالقدر ذاته في ممارسة الضغط على الاقتصاد العالمي. ويمكن للطرفين معًا أن يخلقا أسوأ سيناريو ممكن للتجارة الدولية وأسواق الطاقة وحتى للاقتصاد اليمني نفسه، مع تأثيرات غير متوقعة على مكانة ونفوذ صنعاء وطهران.
- صدمة لأسواق النفط ومسارات التجارة
وقبل بدء الهجمات البحرية الحوثية في أكتوبر 2023، كان متوسط ما يمر عبر المضيق يوميًا يصل إلى 3.5 ملايين طن متري من البضائع. لكن بعد أن بدأت الجماعة اليمنية بمهاجمة السفن التي تعتبرها مرتبطة بإسرائيل أو حلفائها ردًا على حرب غزة، انخفض المتوسط اليومي إلى أقل من مليوني طن متري بحلول يناير 2024. وعلى الرغم من توقف الهجمات بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار بين حركة حماس الفلسطينية وإسرائيل العام الماضي، فإن أحجام التجارة لم تتعافَ أبداً، ونادراً ما تجاوزت 1.3 مليون طن متري، وفقًا لبيانات «بورت ووتش» التابعة لصندوق النقد الدولي.
ورغم أن حجم التجارة الإجمالي لم يعد إلى مستويات ما قبل أكتوبر 2023، فإن تدفقات حيوية لا تزال تمر عبر باب المندب، ولا سيما بعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز في مارس. وفي الواقع، تمكنت المملكة العربية السعودية، وهي من كبار منتجي النفط، من إعادة توجيه صادراتها إلى ساحلها المطل على البحر الأحمر، مما وفر شريان حياة للاقتصاد العالمي.
وقال جيمي إنغرام، رئيس تحرير نشرة "ميس" المتخصصة في شؤون الطاقة، لموقع "أمواج ميديا": "إن خط الأنابيب السعودي الذي يتجاوز هرمز وصولاً إلى ينبع أتاح للمملكة تصدير أكثر من أربعة ملايين برميل يومياً من النفط الخام منذ بداية الصراع، إلا أن معظم هذه الكميات تُشحن إلى آسيا عبر باب المندب".
وتظهر بيانات شركة "كلبر"، المتخصصة في معلومات التجارة العالمية، أن الصادرات العابرة للمياه الخاضعة لسيطرة الحوثيين والقادمة من السعودية ارتفعت بصورة هائلة منذ نهاية فبراير، لتبلغ ذروتها عند 3.5 ملايين برميل يومياً في مايو.
وقبل الإغلاق الإيراني، كان مضيق هرمز يمثل طريقًا تجاريًا حيويًا، إذ كان يمر عبره نحو ربع شحنات النفط المنقولة بحراً في العالم، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز المسال والأسمدة. وقد تأثرت إمدادات الطاقة وأسعارها بشكل خاص، إذ باتت معظم الدول العربية الخليجية المنتجة للنفط والغاز غير قادرة على التصدير عبر المضيق.
وقال إنغرام: "إن إغلاق باب المندب في وقت يبقى فيه مضيق هرمز مغلقًا يعني أن أي صادرات نفط خام سعودية متجهة إلى آسيا ستضطر إلى التوجه شمالاً نحو البحر المتوسط ثم الإبحار حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أكثر من أسبوعين إلى زمن الرحلة. كما أن خط أنابيب سوميد المصري وقناة السويس سيشكلان عنق زجاجة، وقد تضطر السعودية إلى خفض صادراتها نتيجة لذلك".
- ضربة أخرى للاقتصاد اليمني الهش
فالبلد الذي مزقته الحرب يستورد نحو 90 في المئة من احتياجاته من الحبوب الأساسية ومعظم احتياجاته من الوقود وغيرها من الضروريات عبر موانئه.
وقال السفير مروان علي نعمان، الزميل البارز في مركز واشنطن للدراسات اليمنية ونائب الممثل الدائم السابق لليمن لدى الأمم المتحدة: "إن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الطرق البحرية سيؤدي إلى ارتفاع حاد في تكاليف النقل والتأمين، ما سيدفع أسعار الغذاء إلى مستويات أعلى ويزيد من حدة النقص القائم".
وقبل الحملة البحرية الحوثية في البحر الأحمر، كانت الأزمة الإنسانية في اليمن تُعد بالفعل من بين الأسوأ عالميًا بسبب الصراع الطويل والأزمة الاقتصادية والتأثيرات البيئية. كما أدى القصف الإسرائيلي والأميركي الانتقامي للبنية التحتية في مارس 2025 إلى تقليص توافر الغذاء بصورة أكبر. وأدى الضرر المستمر الذي لحق بموانئ البحر الأحمر إلى انخفاض واردات الغذاء بنسبة 13 في المئة وواردات الوقود بنسبة 28 في المئة بين يناير ونوفمبر 2025 مقارنة بالعام السابق.
كما تأثر اليمن بشدة بارتفاع أسعار الوقود نتيجة اضطرابات الملاحة عبر هرمز. فقد رفعت شركة النفط اليمنية المرتبطة بالحكومة المعترف بها دوليًا في عدن أسعار الديزل والبنزين المستوردين مرتين خلال شهر واحد، كان آخرها بنسبة 24.5 في المئة.
ووفقًا لـ أحمد الشرجبي، الباحث في المركز اليمني للسياسات، فإن هذه "نسبة كبيرة لم يشهدها اليمن خلال السنوات الأخيرة".
وأضاف الشرجبي: "لقد أثر ذلك بشكل حاد على أسعار السلع، خصوصًا المواد الغذائية، وترك الحكومة غير قادرة على استيراد أي كميات طارئة من النفط المخصصة لمحطات الكهرباء خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري".
ومنذ بدء التدخل العسكري الذي تقوده السعودية عام 2015، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في اليمن بنحو 60 في المئة. ولا تزال أفقر دولة في شبه الجزيرة العربية شديدة التأثر بتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية. وفي ظل انقسام البلاد إلى منطقتي سيطرة منفصلتين بين الحكومة المعترف بها دوليًا والحوثيين، لا يملك اليمن تقريبًا أي احتياطات أو بدائل لمواجهة انهيار اقتصادي محتمل.
ومن شأن أي هجمات إضافية في البحر الأحمر أن تدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع. كما أن الموانئ الخاضعة لسيطرة السلطات المتمركزة في عدن، رغم أنها لا تقع مباشرة على البحر الأحمر، ستشهد على الأرجح انخفاضاً حاداً في الإيرادات الجمركية، التي تعد المصدر الرئيسي المتبقي لدخل الحكومة.
أما بالنسبة للحوثيين، الذين يقال إنهم يعتمدون منذ فترة طويلة على النفط والغاز الإيرانيين بأسعار مخفضة، فإن "أي إغلاق لباب المندب يعد سلاحاً ذا حدين؛ فقد يحقق مكاسب سياسية، لكنه يخنق اقتصاد المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين ويفتح الباب أمام ضربات مضادة تستهدف الموانئ التي يعتمد عليها السكان في معيشتهم"، بحسب الشرجبي.
- أسوأ السيناريوهات
ويُعد فرض حصار متزامن على ممرات تجارية حيوية مثل باب المندب وهرمز من أسوأ السيناريوهات الممكنة. غير أن قوة هذا السلاح تكمن في أن مجرد التهديد باستخدامه قد يشكل ورقة تفاوضية مؤثرة، تتيح لكل من الحوثيين والإيرانيين ممارسة نفوذ إقليمي، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات يصعب التنبؤ بها على استقرار المنطقة.
* باحثة مستقلة في شؤون الشرق الأوسط تركز على اليمن. سبق أن عملت في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، ومعهد التنمية الخارجية، وإدارة عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة.
"أمواج ميديا"




















