> عدن «الأيام» وكالات:

أعاد التوجه الأخير نحو تعزيز صلاحيات السلطات المحلية فتح نقاش حساس حول اللامركزية والفيدرالية والشكل المستقبلي للدولة بعد سنوات من الحرب.

واكتسب هذا النقاش زخماً عقب انعقاد المؤتمر الوطني للشراكة والتكامل بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في عدن خلال الفترة من 14 إلى 16 يونيو، تحت شعار «نحو حوكمة لامركزية وتمكين مؤسسي مستدام». وجمع المؤتمر مسؤولين حكوميين وممثلين عن السلطات المحلية وشركاء التنمية لمناقشة سبل تحسين تقديم الخدمات، وتوضيح الصلاحيات، وتعزيز التنسيق بين الوزارات والمحافظات.

ودعمت مخرجات المؤتمر منح السلطات المحلية صلاحيات أوسع، وتحسين التنسيق المالي، وتحديد المسؤوليات بشكل أوضح بين المركز والمحافظات، وتعزيز الشراكة المؤسسية. ورغم أن هذه التوصيات تبدو إدارية في ظاهرها، فإنها تحمل أبعاداً سياسية وأمنية أعمق في بلد كان ضعف الحوكمة أحد العوامل الرئيسية التي غذّت الصراع فيه.

ويقف في صدارة هذا النقاش وزير الإدارة المحلية بدر باسلمة، الذي يتبنى نهجاً يدعو إلى تطبيق لامركزية عملية ضمن الإطار القانوني القائم. وبدلاً من الدفع نحو انتقال فوري إلى النظام الفيدرالي، يسعى باسلمة إلى منح المحافظات والمديريات صلاحيات تنفيذية ومالية أوسع، مع إبقائها تحت سلطة الدولة المركزية.

ويعكس هذا التوجه واقعاً فرضته الحرب. ففي العديد من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، اضطرت السلطات المحلية بالفعل إلى تولي مهام كانت تديرها المؤسسات المركزية سابقاً، بما في ذلك تقديم الخدمات الأساسية، وإدارة الإيرادات المحلية، والتعامل مع حالات الطوارئ، والتنسيق الأمني، والتخطيط التنموي. ويبدو أن الهدف الآن هو تحويل هذه الضرورة التي فرضتها ظروف الحرب إلى نموذج حكم أكثر تنظيماً واستدامة.

ويرى مؤيدو اللامركزية أن تعزيز السلطات المحلية يمكن أن يسهم في تحسين الخدمات، وتقليص المظالم المحلية، والمساعدة في إعادة بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. ففي اليمن، لا يقيس المواطنون أداء الدولة من خلال الاتفاقات السياسية الوطنية فقط، بل من خلال قدرتها على توفير الكهرباء والمياه والرواتب والأمن والطرق والخدمات الصحية. وعندما تعجز المؤسسات المحلية عن تلبية هذه الاحتياجات، تتزايد حالة الإحباط، وتجد السلطات أو الجماعات المسلحة المنافسة مساحة أوسع لملء الفراغ.

ومن هذا المنطلق، تصبح الحوكمة المحلية جزءاً من أجندة الاستقرار في اليمن، وليست مجرد ملف إداري. فوقف إطلاق النار مستقبلاً أو التوصل إلى تسوية سياسية بين النخب قد لا يكون كافياً لإنهاء الصراع إذا بقيت الخلافات المتعلقة بالسلطة والموارد والتمثيل دون حل على المستوى المحلي. ويمكن أن تشكل اللامركزية العملية جسراً انتقالياً يسهم في تحسين الخدمات وخفض التوترات، مع تأجيل الحسم في مسألة الشكل النهائي للدولة إلى تسوية سياسية مستقبلية.

غير أن المؤتمر كشف أيضاً عن وجود خلافات سياسية واضحة.

فأنصار المركزية يخشون أن يؤدي نقل مزيد من الصلاحيات والموارد إلى المحافظات إلى إضعاف الدولة المركزية وتعميق حالة التشظي، خاصة في بلد يعاني أصلاً من الانقسام بفعل الحرب وتعدد الجماعات المسلحة ومراكز النفوذ المتنافسة. ومن هذا المنظور، قد تتحول اللامركزية إلى خيار محفوف بالمخاطر إذا لم تُقرن بآليات رقابة ومساءلة وتنسيق وطني فعّالة.

في المقابل، لا يشعر أنصار الفيدرالية بالرضا عن هذا التوجه، لكن لأسباب معاكسة. فهم يرون أن اللامركزية الإدارية لا تلبّي الالتزامات السياسية التي خرج بها مؤتمر الحوار الوطني، الذي اختتم أعماله في يناير 2014 وأوصى بالانتقال نحو دولة اتحادية. وقد أيدت لاحقاً لجنة مختصة نموذجاً يقوم على تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم اتحادية، إلا أن هذا النموذج واجه اعتراضات سياسية واسعة ولم يُنفذ.

وبالنسبة للفيدراليين، لا تكمن القضية في مجرد منح المحافظات صلاحيات أوسع في إدارة الخدمات، بل في إعادة توزيع السلطة والثروة دستورياً بين المركز والأقاليم الاتحادية. ومن هذا المنظور، قد يُنظر إلى مقاربة باسلمة باعتبارها بديلاً إدارياً محدوداً لتسوية سياسية أشمل.

ومع ذلك، يبقى تطبيق الفيدرالية أمراً بالغ الصعوبة في الظروف الراهنة. فاليمن يفتقر إلى مؤسسات موحدة، وترتيبات أمنية مستقرة، وتوافق سياسي حول الأقاليم والموارد ومفهوم السيادة. كما أن الانقسام الجغرافي، وتعدد الفاعلين المسلحين، والانهيار الاقتصادي، واستمرار القضية الجنوبية دون حل، تجعل أي انتقال فوري إلى النظام الفيدرالي عملية شديدة التعقيد.

وهذا ما يضع مقاربة باسلمة في منطقة وسطى هشة. فهي لا ترضي بالكامل أنصار الفيدرالية الذين يطالبون بإعادة هيكلة دستورية شاملة، كما تثير قلق أنصار المركزية الذين يخشون مزيداً من التفكك. لكنها قد توفر نموذجاً انتقالياً عملياً يقوم على تمكين المحافظات بما يكفي لتحسين الخدمات وتقليل المظالم، دون الدخول في معركة سياسية فورية حول الشكل النهائي للدولة.

ولا تقتصر أهمية هذه القضية على الشأن الداخلي اليمني، بل تمتد إلى أبعاد أمنية إقليمية. فضعف الحوكمة المحلية في اليمن لا يبقى مشكلة داخلية فحسب؛ إذ إن الفراغ المؤسسي في المحافظات الساحلية والحدودية قد يتيح مجالاً أوسع للجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتدخلات الخارجية. وينعكس ذلك مباشرة على أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، حيث يمكن أن تتحول الاضطرابات المحلية سريعاً إلى تهديدات للأمن الإقليمي والملاحة البحرية.

وبالنسبة لدول الجوار والشركاء الدوليين، فإن مسألة اللامركزية ترتبط بأكثر من مجرد إصلاح إداري. فإقامة علاقة أكثر فاعلية بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية قد تسهم في خفض الضغوط المسببة للصراع، وتعزيز حضور الدولة في المحافظات الاستراتيجية، والحد من توسع الجهات غير الحكومية التي تنشط عبر المسارات البرية والبحرية.

وعليه، لا ينبغي النظر إلى مؤتمر عدن باعتباره مجرد فعالية تتعلق بالإدارة المحلية، بل باعتباره اختباراً أوسع لقدرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً على تقديم صيغة للحكم تساعد البلاد على الانتقال من إدارة الحرب إلى بناء الاستقرار في مرحلة ما بعد الصراع.

وسيتوقف نجاح هذا النهج على كيفية تنفيذه عملياً. فمن دون صلاحيات حقيقية، وتوزيع عادل للموارد، وآليات فعالة للمساءلة، قد تبقى اللامركزية مجرد شعار سياسي. أما إذا جرى تطبيقها بحذر وفعالية، فقد تسهم في إعادة بناء الثقة بين المواطنين والسلطات المحلية والدولة المركزية، مع إبقاء مسألة الفيدرالية مطروحة للنقاش ضمن أي عملية سلام مستقبلية.

وفي الوقت الراهن، يكشف الجدل الدائر حول اللامركزية في اليمن عن معضلة أساسية: كيف يمكن تعزيز الحوكمة المحلية من دون تسريع وتيرة التفكك، وكيف يمكن الحفاظ على وحدة الدولة مع الاستجابة للمطالب المحلية المتعلقة بالسلطة والموارد والتمثيل؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الاستقرار الداخلي في اليمن، بل ستؤثر أيضاً في أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب والمنطقة بأسرها.