> "الأيام" غرفة الأخبار:

بدأ الصومال يفرض نفسه على أجندة التفكير الاستراتيجي الأميركي ليس فقط باعتباره ساحة لمواجهة التنظيمات المتشددة، وإنما بوصفه دولة تمتلك مقومات جيوسياسية واقتصادية قد تجعلها إحدى أهم ركائز النفوذ الأميركي في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

فعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً، ارتبط اسم الصومال في دوائر صنع القرار الأميركية بمفاهيم الفوضى الأمنية والحرب الأهلية ومكافحة الإرهاب. ومنذ انهيار الدولة المركزية مطلع تسعينيات القرن الماضي، انحصر الجزء الأكبر من الاهتمام الأميركي في منع تحوّل البلاد إلى ملاذ آمن للجماعات المتطرفة، وفي مقدمتها حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب مواجهة نشاط تنظيم الدولة الإسلامية الذي نجح في إيجاد موطئ قدم له داخل بعض المناطق الصومالية.

إلا أن المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في هذه المقاربة التقليدية. فالتوترات التي شهدتها الممرات البحرية الدولية خلال السنوات الأخيرة، وتصاعد المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، إضافة إلى الحاجة المتزايدة لتأمين سلاسل الإمداد العالمية، جميعها عوامل أعادت تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للصومال.

ويحتل الصومال موقعًا جغرافيًا استثنائيًا يجعله في قلب التفاعلات الإقليمية والدولية. فهو يمتد على واحد من أطول السواحل في أفريقيا، ويطل على خليج عدن والمحيط الهندي، كما يشرف بصورة غير مباشرة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وقد ازدادت أهمية هذا الموقع مع تصاعد المخاطر التي تعرضت لها الملاحة الدولية في البحر الأحمر خلال الأعوام الأخيرة، الأمر الذي دفع القوى الكبرى إلى البحث عن شركاء ومواقع استراتيجية قادرة على دعم جهود حماية خطوط التجارة وتأمين حركة السفن.

وفي هذا الإطار، بدأت بعض مراكز الدراسات الأميركية تتحدث عن الصومال باعتباره "الحصان الأسود" في الاستراتيجية الأميركية الجديدة، في إشارة إلى دولة لم تحظَ سابقًا بالأولوية الكافية رغم امتلاكها عناصر تأثير قد تجعلها ذات قيمة استراتيجية متزايدة في المستقبل.

ولا يعني هذا التحول أن واشنطن بصدد التخلي عن أولوياتها الأمنية التقليدية. فما تزال مكافحة الإرهاب تشكل محورًا أساسيًا في سياستها تجاه الصومال، خصوصًا في ظل استمرار نشاط حركة الشباب وقدرتها على تنفيذ هجمات داخل البلاد وخارجها. كما تواصل الولايات المتحدة تقديم الدعم العسكري والاستخباراتي للقوات الصومالية وتنفيذ عمليات تستهدف التنظيمات المتشددة.

ويُعد لواء "دنب" التابع للجيش الوطني الصومالي أحد أبرز نماذج التعاون العسكري بين البلدين، حيث تلقى تدريبات متقدمة ودعمًا أميركيًا مكثفًا أسهم في تعزيز قدراته القتالية. كما واصلت واشنطن دعم برامج مكافحة القرصنة وتأمين السواحل، إلى جانب تقديم مساعدات إنسانية وتنموية لمؤسسات الدولة الصومالية.

غير أن الرؤية الجديدة تتجاوز مفهوم "إدارة التهديدات الأمنية" إلى محاولة بناء مقاربة أكثر شمولاً تربط بين الأمن والتنمية والاستثمار. فصناع القرار الأميركيون باتوا يدركون أن تحقيق الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتم عبر العمليات العسكرية وحدها، بل يتطلب إيجاد فرص اقتصادية وتحسين مؤسسات الدولة وخلق بيئة قادرة على الحد من عوامل التطرف وعدم الاستقرار.

وفي هذا السياق، تبرز التجربة التركية في الصومال كنموذج يحظى باهتمام متزايد داخل الأوساط الأميركية. فقد تمكنت أنقرة خلال العقد الماضي من بناء حضور مؤثر عبر الجمع بين المساعدات الإنسانية والاستثمارات الاقتصادية والتعاون العسكري وتطوير البنية التحتية. كما توسعت أخيرًا في مشاريع الطاقة واستكشاف الموارد البحرية، ما عزز نفوذها السياسي والاقتصادي داخل البلاد.

ورغم أن واشنطن لا تسعى إلى استنساخ التجربة التركية، فإنها تنظر إليها باعتبارها دليلًا على أن الاستثمار في التنمية والشراكات المحلية يمكن أن يحقق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد تفوق ما تحققه الأدوات العسكرية وحدها.

وتزداد أهمية هذه المقاربة بالنظر إلى الثروات الاقتصادية غير المستغلة التي يمتلكها الصومال. فالدراسات الجيولوجية تشير إلى وجود احتياطيات واعدة من النفط والغاز في المناطق البحرية، إضافة إلى إمكانات معدنية كبيرة لم تخضع بعد لعمليات استكشاف واسعة. كما يوفر الساحل الطويل فرصاً مهمة في مجالات الصيد البحري والخدمات اللوجستية والنقل والتجارة البحرية.

وفي الوقت ذاته، بدأت مناطق مثل بونتلاند وصوماليلاند تجذب اهتماماً متزايداً من الشركات الدولية العاملة في قطاعي الطاقة والمعادن، ما يعكس تنامي القناعة بأن الصومال قد يتحول إلى سوق ناشئة واعدة إذا ما تمكن من تجاوز العقبات الأمنية والسياسية.

لكن الطريق نحو هذا التحول لا يزال محفوفاً بالتحديات. فالدولة الصومالية تواجه هشاشة مؤسساتية مزمنة، كما أن الانقسامات السياسية والخلافات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم المختلفة لا تزال تشكل عقبة أمام بناء نموذج حكم مستقر. ويضاف إلى ذلك استمرار التهديدات الأمنية وضعف البنية التحتية وارتفاع المخاطر المرتبطة بالاستثمار.

كما يرتبط الاهتمام الأميركي المتزايد بالصومال بسياق إقليمي أوسع يتمثل في تصاعد التنافس على النفوذ داخل القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح قوى عديدة تشمل تركيا والإمارات والسعودية وقطر ومصر وإثيوبيا وإيران وإسرائيل. وتخشى واشنطن أن تتحول بعض الساحات الصومالية إلى ميادين صراع بالوكالة إذا لم يتم احتواء التنافس الإقليمي ضمن أطر دبلوماسية واقتصادية أكثر استقرارًا.

وفي قلب هذه المعادلة تبرز قضية صوماليلاند باعتبارها أحد الملفات الأكثر حساسية. فالإقليم الذي يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار مقارنة ببقية المناطق الصومالية يواصل مساعيه للحصول على اعتراف دولي باستقلاله، بينما تتمسك واشنطن رسمياً بوحدة الأراضي الصومالية، مع إبداء اهتمام متزايد بتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع الإقليم دون المساس بالموقف السياسي المعلن.

في المحصلة، يبدو أن الولايات المتحدة تعيد رسم خريطة أولوياتها في القرن الأفريقي انطلاقاً من رؤية تعتبر الصومال أكثر من مجرد ساحة لمكافحة الإرهاب. فالموقع الجغرافي الحيوي، والثروات الاقتصادية المحتملة، والأهمية المتزايدة للممرات البحرية العالمية، جميعها عوامل تدفع نحو التعامل مع الصومال باعتباره فرصة استراتيجية يمكن أن تخدم المصالح الأميركية في الأمن والطاقة والتجارة والنفوذ الإقليمي. وبينما لا تزال العقبات كبيرة، فإن السؤال المطروح داخل دوائر القرار في واشنطن لم يعد يتعلق بكيفية احتواء الصومال، بل بكيفية تحويله إلى شريك استراتيجي قادر على لعب دور مؤثر في معادلات القرن الأفريقي والبحر الأحمر خلال العقود المقبلة.