> صبحي نايل*:

شهدت مدينة "سيئون" في وادي حضرموت تصعيدًا أمنيًا واسعًا عقب خروج حشود شعبية في فعاليات احتجاجية للمطالبة بتحسين الأوضاع الخدمية والمعيشية والأمنية، وأفادت معلومات متطابقة بأنّ قوات أمنية وعسكرية تدخلت لتفريق المتظاهرين باستخدام الرصاص الحي في محيط أماكن التجمع، وهو ما أدى إلى حالة من الذعر والارتباك بين المشاركين الذين اضطر كثير منهم إلى مغادرة الساحات والشوارع بصورة متسارعة خشية التعرض للإصابة. وتحدثت روايات محلية عن تنفيذ حملات ملاحقة واعتقال استهدفت عددًا من المشاركين في الفعاليات الاحتجاجية.

وأشارت المعلومات المتداولة إلى أنّ القوات المنتشرة في المدينة عززت وجودها الميداني عبر إقامة نقاط أمنية إضافية وتشديد الإجراءات في عدد من المواقع الحيوية، بالتزامن مع تنظيم الاحتجاجات. وأظهرت مقاطع مصورة تم تداولها على نطاق واسع أصوات إطلاق نار كثيف وحالات فرار جماعي بين المحتجين، في مشاهد عكست حجم التوتر الذي شهدته المدينة خلال الساعات التي رافقت الفعاليات. 
  • تحرك الجهات الحقوقية 
خرجت الاحتجاجات في مدينة "سيئون" تنديدًا بالانهيار في الخدمات، وانقطاع التيار الكهربائي المستمر، وخرجت تُطالب بحقها المشروع في وجود مثل هذه الخدمات، ومع تعنت السلطات وصل الأمر إلى عصيان مدني، وشلل جزئي في المدينة. وكان ردّ فعل السلطات أن تطوّر العنف، ووصل إلى استخدام الرصاص الحي، وتوفي أحد الأشخاص وأصيب آخر، ممّا أثار حنق المحتجين وحرك المنظمات الحقوقية.

وأثارت هذه الأحداث ردود فعل حقوقية واسعة، وعبّرت جهات حقوقية عن قلقها إزاء ما شهدته سيئون وعدد من المناطق الأخرى من إجراءات أمنية استهدفت فعاليات مدنية سلمية، معتبرة أنّ استخدام الرصاص الحي ضد المحتجين يمثل انتهاكاً لحق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم ومطالبهم. وأشارت تلك الجهات إلى تلقيها معلومات حول اعتقالات طالت عدداً من المشاركين، إضافة إلى وقوع إصابات خلال عمليات التفريق.

ومن بين المنظمات الحقوقية كانت منظمتا "هيومن رايتس ووتش" و"سام" للحقوق والحريات هما الأبرز، بدورهما في فتح تحقيقات فورية وشفافة في واقعة مقتل الشاب "مناف باسبعين" الذي قُتل إثر إصابته بطلق ناري من دورية عسكرية في سيئون. وإصابة المواطن "نسيم اليافعي" برصاصة في الرأس بمديرية دار سعد في عدن، وحذرتا من التصعيد المقلق وأيّ انتهاكات جسدية أو اعتقالات تعسفية لقوات الأمن لتفريق المتظاهرين السلميين.

وخرجت دعاوى من الجهات الحقوقية تطالب بالإفراج عن المحتجزين وضمان احترام الحقوق والحريات العامة، مؤكدة ضرورة التزام السلطات بالمعايير القانونية المتعلقة بحرية التجمع والتعبير، والامتناع عن استخدام القوة المفرطة في التعامل مع الاحتجاجات السلمية. 
  • تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي 
من جانبه، اعتبر المجلس الانتقالي الجنوبي أنّ ما جرى في وادي حضرموت يمثل تصعيدًا خطيرًا ضد الفعاليات الشعبية السلمية، مؤكدًا أنّ إطلاق النار على المتظاهرين واحتجاز المشاركين بصورة تعسفية يشكلان انتهاكًا للحقوق والحريات الأساسية. وشدد على أنّ حق المواطنين في التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي مكفول ويجب احترامه وعدم التضييق عليه تحت أيّ مبرر.

وحذر من أنّ ملاحقة المحتجين واعتقالهم قد تؤدي إلى زيادة حالة الاحتقان والتوتر في المحافظة، بل يمكن أن تمتد إلى العديد من المدن اليمنية، مطالبًا بإجراء تحقيق في الوقائع التي شهدتها سيئون ومحاسبة المتسببين في أيّ تجاوزات أو انتهاكات قد تكون حدثت أثناء التعامل مع الفعاليات الجماهيرية.

وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي وجهت السلطات المحلية بتشكيل لجان تحقيق مستعجلة، في قضية مقتل الشاب باسبعين، وإصابة صديقه اليافعي. وحمّلت الأحزاب السياسية والحركات الاحتجاجية، والنشطاء السياسيين ما يُسمّى بمجلس القيادة الرئاسي المسؤولية عن هذه الأحداث.

وتأتي هذه التطورات في ظل أوضاع سياسية وأمنية معقدة تشهدها محافظة حضرموت منذ أشهر، في أعقاب تغيرات ميدانية وأمنية متلاحقة شهدتها مناطق الوادي والصحراء، رافقها انتشار قوات جديدة وتعزيزات عسكرية في عدد من المناطق الاستراتيجية. وشهدت المحافظة خلال الفترة الماضية سلسلة من الإجراءات الأمنية الهادفة إلى تأمين المؤسسات الحكومية والمرافق الحيوية والمنشآت السيادية، في ظل استمرار التنافس بين القوى السياسية والعسكرية الفاعلة على الساحة اليمنية. 
  • تفجيرات غامضة في عدن 
وفي عدن التي لا تعرف الهدوء واعتادت أن تنام على صوت الرصاص، والقمع والاحتجاجات الناتجة عن تدهور الحياة وأزمة الكهرباء، وظروف المعيشة غير الإنسانية التي تثقل كاهلهم، دوّت عدة تفجيرات مشبوهة في منطقة الممدارة بمعسكر الصولبان، حيث دوى انفجار كبير هز أرجاء المدينة، وخلف عشرات القتلى والجرحى في صفوف مجندين ضمن ما يُطلق عليه لواء أول عمالقة. وأفادت مصادر طبية في عدن بأنّ المستشفيات سجلت 18 قتيلًا، وعشرات الإصابات في توقيت التفجير ومكانه.

هذه التطورات تعكس حجم التحديات التي تواجه المحافظة، في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية المرتبطة بتحسين الخدمات العامة ومعالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وسط مخاوف من أن تؤدي حالة الاستقطاب السياسي والأمني إلى مزيد من التوترات الميدانية.

وتندرج الأحداث الأخيرة ضمن سياق أوسع من المخاوف الحقوقية المرتبطة بالتعامل مع الاحتجاجات والتجمعات السلمية في اليمن، حيث سبق أن أثيرت انتقادات بشأن استخدام القوة ضد المتظاهرين في عدد من المناطق خلال السنوات الماضية. وتؤكد منظمات حقوقية باستمرار أهمية احترام الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي، وضرورة إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في أيّ حوادث تتعلق باستخدام القوة أو وقوع انتهاكات بحق المدنيين.

* باحث مصري - حفريات