يتكرر كثيرًا عنوانٌ يقول: "التعليم في اليمن تحت رحمة الفقر والعنف والتمييز." ، لكن الحقيقة الأعمق أن التعليم لا ينبغي أن يكون تحت رحمة شيء، لأن جوهر التعليم لم يولد بين أربعة جدران، بل وُلد أولًا في حضن أم، وعلى لسان أب، وفي مجلس أسرة، ثم جاءت المدرسة لتكمل ما بدأه البيت.
بل: كيف نحمي روح التعليم؟
لقد مرت على شعوب كثيرة حروب وكوارث، وسقطت مدارس، وأغلقت جامعات، لكن التعليم لم يمت؛ لأنه بقي حيًا في البيوت، وفي المكتبات الصغيرة، وفي حلقات القراءة، وفي الجار الذي علّم أبناء الحي، وفي الأم التي كانت تقرأ لأطفالها على ضوء شمعة.
والتمييز قد يغلق بابًا، لكن المجتمع الواعي يفتح عشرات الأبواب لمن حُرم من فرصة.
إن المدرسة ليست مصنعًا ينتج المتعلمين، بل شريكًا للأسرة في صناعة الإنسان. وإذا انسحبت الأسرة من هذه الشراكة، فلن تستطيع أفضل المدارس أن تملأ هذا الفراغ.
ولعل أجمل استثمار يمكن أن تقوم به أي أسرة هو أن تجعل من منزلها مدرسة صغيرة؛ ليس بالمقاعد والسبورات، بل بالأسئلة، والقراءة، والحوار، والاحترام، والتشجيع على التفكير. فطفل يعتاد أن يسأل، ويقرأ، ويشارك في اتخاذ قرار داخل أسرته، سيكون أكثر قدرة على التعلم من طفل يحفظ الكتب دون أن يتعلم كيف يفكر.
أما المجتمع، فدوره لا يقل أهمية. فالحي الذي يتقاسم أفراده الكتب، ويخصصون ساعة أسبوعية لقراءة قصة للأطفال، أو يتطوع فيه طالب جامعي لمساندة التلاميذ المتعثرين، أو يتبرع فيه متقاعد بخبرته لتعليم الصغار ، أو أم تذاكر لأبنائها وتنادي على أطفال الجيران لينضموا مع أطفالها حين المراجعة وحل الواجبات ... هو مجتمع يحمي التعليم أكثر مما تفعل آلاف الشعارات.
إن إنقاذ التعليم لا يبدأ دائمًا من وزارة، ولا ينتظر مشروعًا دوليًا ضخمًا، بل يبدأ حين يقرر كل بيت أن يجعل من المعرفة عادة يومية، وكل حي أن يعتبر نجاح أطفاله مسؤولية مشتركة.
فالأمم لا تُقاس بعدد مدارسها فقط، بل بعدد البيوت التي تؤمن بأن التعليم رسالة قبل أن يكون شهادة، وبأن الكتاب الذي يُفتح في المنزل قد يكون أقوى من ألف باب أغلقته الظروف.
ودمتم سالمين.



















