منذ زمن، وعبر اجتماعات عديدة، تطرح «جماعة نداء السلام» على نفسها سؤال: «ما العمل؟». ويشعر الدكتور أحمد قائد الصايدي بضعف الاستجابة، أو غيابها. فالمشروع الثقافي الذي عمل عليه، وقدّمه بناءً على اقتراح جماعة النداء، والنقاشات المستفيضة حوله، وتقديم الآراء والمقترحات، لم يحظَ بالاهتمام.
تَقدَّمَ الدكتور الصايدي- رئيس الجماعة، بمشروع ثقافي متكامل، يتشارك فيه شباب الحزبين الكبيرين: «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»، و«الحزب الاشتراكي اليمني»، وَجَرَت لقاءات في مقر الحزب الاشتراكي لشباب الحزبين، وَاتُفِقَ على دراسة المشروع، وتقديم الآراء والمقترحات، والبدء في التنفيذ. وللأسف؛ فقد غاب الشَّبَاب، ولم تُبدِ القيادات الاهتمام الكافي لإنجاح مشروع هم مشاركون فيه.
وَأدرَكَت الجماعة أنَّ طول أمد حالة «اللاحرب»، و«اللا سلم» خَطيرة، وقد تُكرِّس واقع التَّفكُّك والتمزيق، وَتُبقِي جذوة الحرب مشتعلة تحت الرَّمَاد؛ فَبادرَ رئيس الجماعة -كدأبهِ- بتقديم رؤية في رسالة «ما العمل؟»؛ المُوجَّهَة لجماعة النِّدَاء.
يشير الدكتور في رسالته إلى شهر فبراير عام 2017، وأجواء الحرب التي غَطَّت سماء اليمن، ودهمت البلاد والعباد، وكانت أصوات الحرب هي المسموعة فقط، وَأصِيبَ الجميع بهوس الحَسْم العسكري وسرعته، وَكَانَ الواجب الوطني الدَّعوة إلى وقف الحرب، وتبنى دعوة السَّلام، والعودة للحوار؛ فَبَدا صوت السَّلام نَاشِزًا وَمُجَرَّمًا وَمُدَانًا مِن كُلِّ أطراف الحرب المُراهِنين على الحَسْم العَسكَري.
ورسالة الدكتور تعيد إحياء الذَّاكرة، وترسم المشهد كَاملاً للحالة التي سبقت ورافقت تأسيس «جماعة نداء السَّلام»، وتطرح المبرر الحقيقي لِلدَّعوة لتوسيع نطاقها، وإعادة الإحياء والتَّجديد.
فلنقرأ نَصَّ رِسَالة الدُّكتور:
«ما العمل؟
الزملاء الأعزاء، أعضاء وشركاء وأصدقاء جماعة نداء السلام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
لقد أنشأنا (جماعة نداء السلام) في شهر فبراير من عام 2017م، في لحظة حرجة للغاية. كانت المواجهة العسكرية فيها على أشدها، بين المتحاربين، الذين كانوا طرفين، وغدوا أطرافاً متعددة فيما بعد. وكان صوت الحرب هو الصوت الوحيد المسموع. ولم يكن للسلام صوتاً، في ظل مراهنة المتحاربين والمؤيدين لهم على الحسم العسكري، الذي أدركنا منذ البداية أن تحقيقه مستحيلاً، نظراً لحقائق الميدان، ولاعتبارات سياسية، تحددها القوى الخارجية، بعيداً عن إرادة اليمنيين.
ولذا اقتضى الواجب الوطني أن نتبنى دعوة السلام، ونرفع صوتنا، وسط دوي القذائف وأزيز الرصاص وتهدم المباني والطرقات والجسور وتناثر الأشلاء وعويل الثكالى وبؤس المشردين. وبدا صوتنا في ذلك الحين نشازاً، لم يتقبله المتحاربون ومؤيدوهم. وتعرضنا بسبب تمسكنا بدعوتنا لإيقاف الحرب وإحلال السلام والتوجه نحو الحوار، للتوافق على بناء دولة اليمنيين الجامعة، تعرضنا لأذىً تجاوز في بعض الأحيان تسفيه الدعوة، إلى التجريح المتعمد واستخدام لغة تتجاوز لغة الحوار، كان هدفها، كما يبدو، ممارسة نوع من الإرهاب المعنوي، لإجبارنا على الصمت، أمام ما نراه وندركه من مخاطر تهدد الوطن كله.
وقد نجحنا في التمسك بموقفنا المبدئي، وتراجع الآخرون عن موقفهم. وأبانت الحرب وما سببته من كوارث مست كل أسرة وكل فرد في مجتمعنا، عن أن السلام هو السبيل الوحيد لتطبيع الأوضاع وتصالح اليمنيين فيما بينهم، وتوافقهم على بناء دولتهم، وإعادة ترميم ما سببته الحرب من شروخ في علاقاتهم بعضهم ببعض، وما خلفته من دمار عام في مؤسساتهم ومنشآتهم وطرقاتهم ومساكنهم ومقومات حياتهم.
لقد قمنا بواجبنا الوطني، وبذلنا جهدنا، وتحملنا نزق الآخرين، وحققنا ما استطعنا تحقيقه، وقصرنا عن بلوغ بعض ما أردنا تحقيقه. فمما حققناه: الانتصار لدعوة السلام، التي كنا أول مكون صدع بها. فساهمنا بذلك مع غيرنا، في جعلها من المسلمات، التي لم يعد أحد يشكك في صحتها، ولم تعد جريمة نؤاخذ عليها، بل أصبحت دعوة عامة، ومطلباً لكل الشعب اليمني. ولكننا تعثرنا في تحقيق بعض ما أردنا تحقيقه. فقد وضعنا برنامجاً سياسياً وثقافياً في عام 2018م، لم ننجح في تنفيذه، رغم ما بذلنا من جهد في سبيل ذلك.
وكان آخر ما حاولناه على المستوى السياسي، وضع مشروع (رؤية أولية لبرنامج الحد الأدنى الممكن للتوافق الوطني المنشود)، وجهناه في شهر مارس 2025م إلى الأحزاب السياسية جميعها، وفي مقدمتها الأحزاب الكبيرة. ثم أعدنا توجيهه في شهر أكتوبر من العام نفسه. ومع ذلك لم نتلق أي إشارة، تدل على اهتمام أي من الأحزاب الكبيرة أو الصغيرة بتلك الرؤية. وكأن أحزابنا قد دخلت في حالة غيبوبة، أخرجتها عن دائرة الوعي بما يحيط بها وبالوطن من مخاطر، وجعلتها مشلولة، عاجزة عن اتخاذ موقف إيجابي تجاه أي دعوة للحوار، أو أي نداء للتوجه الجاد نحو توافق وطني لبناء الدولة اليمنية الجامعة.
أما على المستوى الثقافي، فقد بذلنا جهوداً لتنفيذ برنامج ثقافي، يبدأ في المرحلة الأولى مع شباب الحزبين اليمنيين الكبيرين، الحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، ثم يتسع لغيرهم من الشباب اليمني. وتعثرت جهودنا، ولم تبلغ غايتها، رغم تكرار المحاولة.
إننا نعيش واقعاً محزناً، يتسم بتمزق جغرافية الوطن السياسية، وتفتت النسيج الاجتماعي للمجتمع اليمني الواحد، وتردي الأوضاع العامة واشتداد معاناة الناس، إلى حد لم يعد يُحتمل، وغياب الدولة اليمنية الجامعة، وانسداد الأفق، والمراوحة في هدنة طويلة مملة، لم تنه ظروف الحرب ولم تؤد إلى إحلال السلام. ويتسم إلى جانب ذلك، بغياب الأحزاب السياسية الطويل، عن العمل الوطني الميداني المباشر، واكتفائها بمراقبة المشهد من بعيد، أو ببعض البيانات، في أوقات متباعدة، ومناسبات أقل أهمية من إيقاف الحرب وإحلال السلام وبناء الدولة اليمنية القوية المستقلة. وهو غياب لا يمكن تبريره، في ظل الظروف التي يمر بها الوطن، والتي تشكل عادة حافزاً لتفعيل دور الأحزاب السياسية، لا إلى تراخيها وانصرافها عن واجباتها الوطنية.
وفي ظل هذا الواقع المتردي، حاولنا نحن في جماعة نداء السلام، وبإمكانياتنا الذاتية، أن نحرك المياه الراكدة، باتصالاتنا وبياناتنا ومبادراتنا المنشورة وكتابات بعض أعضاء الجماعة. كما حاولنا إنجاح برنامج ثقافي، يؤسس لوعي وطني يؤثر في خيارات الناس، ويساعد على تصحيح مسار العمل السياسي، ويحفز الأحزاب السياسية على الاستيقاظ من سباتها والاضطلاع بدورها في الحياة السياسية. ولكننا لم نبلغ من النجاح الحد الذي طمحنا إليه، لأسباب موضوعية حالت دون ذلك، ولم نتمكن من تخطيها.
لقد بذلنا قصارى جهودنا في نشر دعوة السلام، وهي المهمة التي اخترناها طواعية، وكلفنا أنفسنا بها، ونجحنا في أدائها، بقدر ما سمحت به الأوضاع الداخلية، المتأثرة بالتدخلات الخارجية. ولم يغب عن بالنا لحظة واحدة، بأننا لا يمكن أن نكون بديلاً للأحزاب السياسية، ولا نستطيع أن ننجز ما يمكنها إنجازه، لو حسمت أمرها وحددت خياراتها الوطنية وأدت واجبها.
فنحن جماعة محدودة العدد، معدومة الإمكانيات المادية، نرفض تلقي مساعدة مالية من أي جهة داخلية أو خارجية. ولسنا حزباً سياسياً له تنظيم ممتد، وله قاعدة جماهيرية واسعة، يمكن أن تؤثر في المشهد السياسي، إذا ما تحركت تحركاً منظماً، وراء حزب سياسي يرتقي في أدائه إلى مستوى الأحداث التي تعصف بالوطن. ولسنا جهة رسمية، تستطيع، بحكم موقعها وصلاحياتها وأدواتها وإمكانياتها، أن تبادر، إذا صدقت النية، إلى دفع الآخرين إلى دائرة الحوار الوطني، للتوافق على بناء الدولة اليمنية.
ولأن الأمر كذلك ولأن هذا هو وضعنا، وهذه هي حدود إمكانياتنا، فقد وصلنا بعملنا، ووصلت الظروف المحيطة بنا، إلى نقطة يتوجب علينا فيها أن نطرح على أنفسنا سؤالاً محورياً، وضعه آخرون قبلنا، عندما وجدوا أنفسهم في أوضاع مشابهة للوضع الذي نحن فيه، وهو: ما العمل؟ وكم نتمنى أن تطرح أحزابنا السياسية على نفسها أيضاً السؤال ذاته. فقد يشكل طرحها له انطلاقة جديدة، لها ولجماهير شعبنا المتطلعة إلى عودة هذه الأحزاب من غيبتها الطويلة، لتمارس دورها السياسي، وتتحمل مسؤولياتها الوطنية.
لقد أضحت دعوة السلام دعوة عامة، يتبناها الجميع، ونشأت بعدنا مكونات عديدة، تدعو إلى السلام، بعد أن كنا وحدنا نتحمل عبء هذه الدعوة. فهل نواصل عملنا بالأسلوب نفسه، وقد أصبح الجميع يتحدث عن السلام ويطالب به؟ أم أن من الحكمة أن نعيد قراءة برنامجنا السياسي والثقافي، وأن نعيد النظر في أساليب عملنا، على ضوء القراءة الجديدة للبرنامج وللواقع الراهن معاً، وأن نقف أمام العقبات التي أعاقت تنفيذ البرنامج، ونفكر في كيفية تخطيها؟
إن عدد أعضاء الجماعة يتقلص يوماً بعد يوم. فقد رحل عنا في السنوات الماضية، وفي هذه السنة، عدد من الأعضاء المؤسسين للجماعة، اختطفهم الموت، وغادروا دنيانا إلى الحياة الأخرى. وهذا أمر لابد أن نضعه في الاعتبار، ونحن نحاول الإجابة عن السؤال (ما العمل؟)، الذي يفرض نفسه علينا، وتوجب الظروف المتغيرة وضع إجابة عنه واضحة ومحددة. حتى لا نجد أنفسنا نراوح في المكان، وتتحول اجتماعاتنا إلى حالة روتينية مملة، ونرحل إلى الحياة الأخرى، واحداً بعد آخر، قبل أن نحقق ما طمحنا إلى تحقيقه. فجميع أعضاء الجماعة متقاعدون مسنون، مهيؤون للرحيل.
الزملاء الأعزاء: هذه بعض الخواطر، التي أردت أن أضعها أمامكم، لنفكر معاً، ونتداول الرأي، ونتعاون على وضع الإجابة الصائبة عن السؤال المطروح.
تحياتي لكم جميعاً، مع تمنياتي بالصحة والتوفيق
أخوكم أحمد قايد الصايدي
صنعاء، في 28 يونيو 2026م».
جماعة نداء السَّلام مدعوة إلى مُنَاقشة الرِّسَالة، والمهام الماثلة أمامها. فسؤال «ما العمل؟» هو السؤال المؤرق في الرَّاهن اليمني؛ وقد سبقتنا أمم وشعوب وزعماء وقادة ومفكرون في طرحه؛ قبيل ثورة أكتوبر العظيمة في روسيا؛ طرحه لينين في كتابه الشهير، وطرحه غاندي، ونهرو، وعبد الناصر، وتيتو، ونلسون مانديلا، وما وتسي تنج، وطرحه المفكر القومي العربي قسطنطين زريق.
واليمن اليوم هي الأكثر احتياجًا وإلحَاحًا على طرح السؤال؛ ليسَ من قبل قادة المليشيات زبانية الحرب، ولا من جانب قادة الأحزاب، ولا أصحاب النُّفوذ والشخصيات العَامَّة وحدهم، ولا مؤسسات المجتمع المدني فحسب؛ وَإنَّمَا السُّؤال اليوم مُهِمَّة ومسئولية كُلِّ بنات وأبناء شعبنا اليمني، وقد تناقش فيه جماعة نِداء السَّلام الوضعَ اليمني بِرُمَّتِهْ.
وفي سياق النِّقَاش حول مبادرة ورِسَالة الدُّكتور «مَا العمل؟»، وبعد قراءتها؛ وَهُوَ السُّؤال الذي طالما طرحناه على أنفسنا، وفي اجتماعاتنا؛ بل هو السُّؤال الأساس الذي تطرحه أيُّ أمَّة، أو أي شعب، أو حزب، أو جماعة، تجد نفسها أمامَ معضلة استعصاء حَلِّ مشاكلها المُؤرِّقَة؛ وكتعبير عن الرَّغبة والإرادة في مواجهة التَّحدِيَّات التي تعترض طريقها.
الورقة المقدمة من الدكتور أحمد قائد الصايدي- رئيسنا، تشرح بِدِقَّة المرحلة الأخطر والأصعب التي مَرَّت بها اليمن؛ في ظِلِّ الحرب، ودور «جَمَاعة نِداء السَّلام»، في تلكم المرحلة.
وَالتَّشخيص الصَّائب أنَّ السَّلام قد أصبح شِعَار الجميع؛ حتى مِمَّن كانوا يحاربونه، ويسخرون من الدَّعوة إليه؛ ومن المتحاربين أنفسهم.
وَحَقًّا، فقد سَكَتَ دَوِّي المدافع، وتوقفت المواجهات، واستحدث في الواقع اليمني نتائج كارثية آتية من الحروب، ومن استمرار توتراتها، وبقاء أسبابها؛ فَإنَّنَا أولاً نتفق مع التَّشخيص الصَّائب للحالة التي مَرَّبها شعبنا.
وجَمَاعة نِداء السَّلام»، وَرَأيي أنَّ الدَّعوة للسَّلام لا تزال تمثل أهمية؛ وهي باقية ما بَقِيَ التَّهديد بالحرب قَائمًا؛ ومادامت المليشيات هي الحاكمة، وما بقيَ الرِّهَان على الخارج، والتَّصارُع الإقليمي والجوار حاضر، ولكنه -أي نداء السَّلام- لم يعد الهَمَّ اليومي الوحيد الماسك بحلاقيم الملايين من اليمنيين؛ فالتفكك اليمني، وتمزيق النسيج المجتمعي قائم، وضياع الكيان اليمني، وغياب السِّيادَة والاستقلال ماثلان، والمجاعة تطال الغالبية العظمى. وَتعرفون أنَّ المجاعة هِيَ أمُّ المآسي جَميعًا.
قَضِيَّة التَّصَالح المجتمعي والوطني، وقضايا تبادل الأسرى (الكُلّ مقابل الكُلّ)، وقضايا المعتقلين، والمختفين قَسريًّا، وقضايا الحريات العامة والديمقراطية، وحرية الرَّأي والتعبير، وفك الحصارات الداخلية؛ بين المدينة والمدينة، والقبيلة والقبيلة، والقرية والأخرى= هي الهَمُّ المؤرق.
ومِنْ ثَمَّ، فَإنَّ المطالبة بفكِّ الحصار الخارجي، وإخراج اليمن من «الفَصل السَّابع»؛ وكل ذلك لا يتحقق، ولن يتحقق، إلا بمصالحة مجتمعية ووطنية شاملة، وَتَوحُّد الإرادة اليمنية. والأهمّ لقاء يَضُم «أعضاء جماعة نداء السَّلام»، بعد الإجابة على السُّؤال، وتحديد المُهمَّة أو المهام التي يجب أن تضطلع بها الجماعة.
وأرى ألا يقتصر نداؤنا وخطابنا العام على قادة الأحزاب أو النخب السياسية؛ وإن كان لا ينبغي تجاهلهم، وإنما نتوجه بالخطاب، ونقيم التواصل معهم، ومع الحَاكمين جَميعًا، ومع جماهير الشَّعب، وَالتَّحرك قَدرَ المُتَاح في الشَّارع، ومع أوسع الجماهير؛ لإيصال الخطاب الجديد القديم؛ والمطالبة والسعي إلى ما ترونه، وَيَتمُّ التوافق عليه، وكُلَّ ما أسرعنا في الإجابة على السُّؤال واللقاء، كُلَّ ما كان ذلكم أفضل.
تَقدَّمَ الدكتور الصايدي- رئيس الجماعة، بمشروع ثقافي متكامل، يتشارك فيه شباب الحزبين الكبيرين: «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»، و«الحزب الاشتراكي اليمني»، وَجَرَت لقاءات في مقر الحزب الاشتراكي لشباب الحزبين، وَاتُفِقَ على دراسة المشروع، وتقديم الآراء والمقترحات، والبدء في التنفيذ. وللأسف؛ فقد غاب الشَّبَاب، ولم تُبدِ القيادات الاهتمام الكافي لإنجاح مشروع هم مشاركون فيه.
وَأدرَكَت الجماعة أنَّ طول أمد حالة «اللاحرب»، و«اللا سلم» خَطيرة، وقد تُكرِّس واقع التَّفكُّك والتمزيق، وَتُبقِي جذوة الحرب مشتعلة تحت الرَّمَاد؛ فَبادرَ رئيس الجماعة -كدأبهِ- بتقديم رؤية في رسالة «ما العمل؟»؛ المُوجَّهَة لجماعة النِّدَاء.
يشير الدكتور في رسالته إلى شهر فبراير عام 2017، وأجواء الحرب التي غَطَّت سماء اليمن، ودهمت البلاد والعباد، وكانت أصوات الحرب هي المسموعة فقط، وَأصِيبَ الجميع بهوس الحَسْم العسكري وسرعته، وَكَانَ الواجب الوطني الدَّعوة إلى وقف الحرب، وتبنى دعوة السَّلام، والعودة للحوار؛ فَبَدا صوت السَّلام نَاشِزًا وَمُجَرَّمًا وَمُدَانًا مِن كُلِّ أطراف الحرب المُراهِنين على الحَسْم العَسكَري.
ورسالة الدكتور تعيد إحياء الذَّاكرة، وترسم المشهد كَاملاً للحالة التي سبقت ورافقت تأسيس «جماعة نداء السَّلام»، وتطرح المبرر الحقيقي لِلدَّعوة لتوسيع نطاقها، وإعادة الإحياء والتَّجديد.
فلنقرأ نَصَّ رِسَالة الدُّكتور:
«ما العمل؟
الزملاء الأعزاء، أعضاء وشركاء وأصدقاء جماعة نداء السلام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
لقد أنشأنا (جماعة نداء السلام) في شهر فبراير من عام 2017م، في لحظة حرجة للغاية. كانت المواجهة العسكرية فيها على أشدها، بين المتحاربين، الذين كانوا طرفين، وغدوا أطرافاً متعددة فيما بعد. وكان صوت الحرب هو الصوت الوحيد المسموع. ولم يكن للسلام صوتاً، في ظل مراهنة المتحاربين والمؤيدين لهم على الحسم العسكري، الذي أدركنا منذ البداية أن تحقيقه مستحيلاً، نظراً لحقائق الميدان، ولاعتبارات سياسية، تحددها القوى الخارجية، بعيداً عن إرادة اليمنيين.
ولذا اقتضى الواجب الوطني أن نتبنى دعوة السلام، ونرفع صوتنا، وسط دوي القذائف وأزيز الرصاص وتهدم المباني والطرقات والجسور وتناثر الأشلاء وعويل الثكالى وبؤس المشردين. وبدا صوتنا في ذلك الحين نشازاً، لم يتقبله المتحاربون ومؤيدوهم. وتعرضنا بسبب تمسكنا بدعوتنا لإيقاف الحرب وإحلال السلام والتوجه نحو الحوار، للتوافق على بناء دولة اليمنيين الجامعة، تعرضنا لأذىً تجاوز في بعض الأحيان تسفيه الدعوة، إلى التجريح المتعمد واستخدام لغة تتجاوز لغة الحوار، كان هدفها، كما يبدو، ممارسة نوع من الإرهاب المعنوي، لإجبارنا على الصمت، أمام ما نراه وندركه من مخاطر تهدد الوطن كله.
وقد نجحنا في التمسك بموقفنا المبدئي، وتراجع الآخرون عن موقفهم. وأبانت الحرب وما سببته من كوارث مست كل أسرة وكل فرد في مجتمعنا، عن أن السلام هو السبيل الوحيد لتطبيع الأوضاع وتصالح اليمنيين فيما بينهم، وتوافقهم على بناء دولتهم، وإعادة ترميم ما سببته الحرب من شروخ في علاقاتهم بعضهم ببعض، وما خلفته من دمار عام في مؤسساتهم ومنشآتهم وطرقاتهم ومساكنهم ومقومات حياتهم.
لقد قمنا بواجبنا الوطني، وبذلنا جهدنا، وتحملنا نزق الآخرين، وحققنا ما استطعنا تحقيقه، وقصرنا عن بلوغ بعض ما أردنا تحقيقه. فمما حققناه: الانتصار لدعوة السلام، التي كنا أول مكون صدع بها. فساهمنا بذلك مع غيرنا، في جعلها من المسلمات، التي لم يعد أحد يشكك في صحتها، ولم تعد جريمة نؤاخذ عليها، بل أصبحت دعوة عامة، ومطلباً لكل الشعب اليمني. ولكننا تعثرنا في تحقيق بعض ما أردنا تحقيقه. فقد وضعنا برنامجاً سياسياً وثقافياً في عام 2018م، لم ننجح في تنفيذه، رغم ما بذلنا من جهد في سبيل ذلك.
وكان آخر ما حاولناه على المستوى السياسي، وضع مشروع (رؤية أولية لبرنامج الحد الأدنى الممكن للتوافق الوطني المنشود)، وجهناه في شهر مارس 2025م إلى الأحزاب السياسية جميعها، وفي مقدمتها الأحزاب الكبيرة. ثم أعدنا توجيهه في شهر أكتوبر من العام نفسه. ومع ذلك لم نتلق أي إشارة، تدل على اهتمام أي من الأحزاب الكبيرة أو الصغيرة بتلك الرؤية. وكأن أحزابنا قد دخلت في حالة غيبوبة، أخرجتها عن دائرة الوعي بما يحيط بها وبالوطن من مخاطر، وجعلتها مشلولة، عاجزة عن اتخاذ موقف إيجابي تجاه أي دعوة للحوار، أو أي نداء للتوجه الجاد نحو توافق وطني لبناء الدولة اليمنية الجامعة.
أما على المستوى الثقافي، فقد بذلنا جهوداً لتنفيذ برنامج ثقافي، يبدأ في المرحلة الأولى مع شباب الحزبين اليمنيين الكبيرين، الحزب الاشتراكي اليمني والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، ثم يتسع لغيرهم من الشباب اليمني. وتعثرت جهودنا، ولم تبلغ غايتها، رغم تكرار المحاولة.
إننا نعيش واقعاً محزناً، يتسم بتمزق جغرافية الوطن السياسية، وتفتت النسيج الاجتماعي للمجتمع اليمني الواحد، وتردي الأوضاع العامة واشتداد معاناة الناس، إلى حد لم يعد يُحتمل، وغياب الدولة اليمنية الجامعة، وانسداد الأفق، والمراوحة في هدنة طويلة مملة، لم تنه ظروف الحرب ولم تؤد إلى إحلال السلام. ويتسم إلى جانب ذلك، بغياب الأحزاب السياسية الطويل، عن العمل الوطني الميداني المباشر، واكتفائها بمراقبة المشهد من بعيد، أو ببعض البيانات، في أوقات متباعدة، ومناسبات أقل أهمية من إيقاف الحرب وإحلال السلام وبناء الدولة اليمنية القوية المستقلة. وهو غياب لا يمكن تبريره، في ظل الظروف التي يمر بها الوطن، والتي تشكل عادة حافزاً لتفعيل دور الأحزاب السياسية، لا إلى تراخيها وانصرافها عن واجباتها الوطنية.
وفي ظل هذا الواقع المتردي، حاولنا نحن في جماعة نداء السلام، وبإمكانياتنا الذاتية، أن نحرك المياه الراكدة، باتصالاتنا وبياناتنا ومبادراتنا المنشورة وكتابات بعض أعضاء الجماعة. كما حاولنا إنجاح برنامج ثقافي، يؤسس لوعي وطني يؤثر في خيارات الناس، ويساعد على تصحيح مسار العمل السياسي، ويحفز الأحزاب السياسية على الاستيقاظ من سباتها والاضطلاع بدورها في الحياة السياسية. ولكننا لم نبلغ من النجاح الحد الذي طمحنا إليه، لأسباب موضوعية حالت دون ذلك، ولم نتمكن من تخطيها.
لقد بذلنا قصارى جهودنا في نشر دعوة السلام، وهي المهمة التي اخترناها طواعية، وكلفنا أنفسنا بها، ونجحنا في أدائها، بقدر ما سمحت به الأوضاع الداخلية، المتأثرة بالتدخلات الخارجية. ولم يغب عن بالنا لحظة واحدة، بأننا لا يمكن أن نكون بديلاً للأحزاب السياسية، ولا نستطيع أن ننجز ما يمكنها إنجازه، لو حسمت أمرها وحددت خياراتها الوطنية وأدت واجبها.
فنحن جماعة محدودة العدد، معدومة الإمكانيات المادية، نرفض تلقي مساعدة مالية من أي جهة داخلية أو خارجية. ولسنا حزباً سياسياً له تنظيم ممتد، وله قاعدة جماهيرية واسعة، يمكن أن تؤثر في المشهد السياسي، إذا ما تحركت تحركاً منظماً، وراء حزب سياسي يرتقي في أدائه إلى مستوى الأحداث التي تعصف بالوطن. ولسنا جهة رسمية، تستطيع، بحكم موقعها وصلاحياتها وأدواتها وإمكانياتها، أن تبادر، إذا صدقت النية، إلى دفع الآخرين إلى دائرة الحوار الوطني، للتوافق على بناء الدولة اليمنية.
ولأن الأمر كذلك ولأن هذا هو وضعنا، وهذه هي حدود إمكانياتنا، فقد وصلنا بعملنا، ووصلت الظروف المحيطة بنا، إلى نقطة يتوجب علينا فيها أن نطرح على أنفسنا سؤالاً محورياً، وضعه آخرون قبلنا، عندما وجدوا أنفسهم في أوضاع مشابهة للوضع الذي نحن فيه، وهو: ما العمل؟ وكم نتمنى أن تطرح أحزابنا السياسية على نفسها أيضاً السؤال ذاته. فقد يشكل طرحها له انطلاقة جديدة، لها ولجماهير شعبنا المتطلعة إلى عودة هذه الأحزاب من غيبتها الطويلة، لتمارس دورها السياسي، وتتحمل مسؤولياتها الوطنية.
لقد أضحت دعوة السلام دعوة عامة، يتبناها الجميع، ونشأت بعدنا مكونات عديدة، تدعو إلى السلام، بعد أن كنا وحدنا نتحمل عبء هذه الدعوة. فهل نواصل عملنا بالأسلوب نفسه، وقد أصبح الجميع يتحدث عن السلام ويطالب به؟ أم أن من الحكمة أن نعيد قراءة برنامجنا السياسي والثقافي، وأن نعيد النظر في أساليب عملنا، على ضوء القراءة الجديدة للبرنامج وللواقع الراهن معاً، وأن نقف أمام العقبات التي أعاقت تنفيذ البرنامج، ونفكر في كيفية تخطيها؟
إن عدد أعضاء الجماعة يتقلص يوماً بعد يوم. فقد رحل عنا في السنوات الماضية، وفي هذه السنة، عدد من الأعضاء المؤسسين للجماعة، اختطفهم الموت، وغادروا دنيانا إلى الحياة الأخرى. وهذا أمر لابد أن نضعه في الاعتبار، ونحن نحاول الإجابة عن السؤال (ما العمل؟)، الذي يفرض نفسه علينا، وتوجب الظروف المتغيرة وضع إجابة عنه واضحة ومحددة. حتى لا نجد أنفسنا نراوح في المكان، وتتحول اجتماعاتنا إلى حالة روتينية مملة، ونرحل إلى الحياة الأخرى، واحداً بعد آخر، قبل أن نحقق ما طمحنا إلى تحقيقه. فجميع أعضاء الجماعة متقاعدون مسنون، مهيؤون للرحيل.
الزملاء الأعزاء: هذه بعض الخواطر، التي أردت أن أضعها أمامكم، لنفكر معاً، ونتداول الرأي، ونتعاون على وضع الإجابة الصائبة عن السؤال المطروح.
تحياتي لكم جميعاً، مع تمنياتي بالصحة والتوفيق
أخوكم أحمد قايد الصايدي
صنعاء، في 28 يونيو 2026م».
جماعة نداء السَّلام مدعوة إلى مُنَاقشة الرِّسَالة، والمهام الماثلة أمامها. فسؤال «ما العمل؟» هو السؤال المؤرق في الرَّاهن اليمني؛ وقد سبقتنا أمم وشعوب وزعماء وقادة ومفكرون في طرحه؛ قبيل ثورة أكتوبر العظيمة في روسيا؛ طرحه لينين في كتابه الشهير، وطرحه غاندي، ونهرو، وعبد الناصر، وتيتو، ونلسون مانديلا، وما وتسي تنج، وطرحه المفكر القومي العربي قسطنطين زريق.
واليمن اليوم هي الأكثر احتياجًا وإلحَاحًا على طرح السؤال؛ ليسَ من قبل قادة المليشيات زبانية الحرب، ولا من جانب قادة الأحزاب، ولا أصحاب النُّفوذ والشخصيات العَامَّة وحدهم، ولا مؤسسات المجتمع المدني فحسب؛ وَإنَّمَا السُّؤال اليوم مُهِمَّة ومسئولية كُلِّ بنات وأبناء شعبنا اليمني، وقد تناقش فيه جماعة نِداء السَّلام الوضعَ اليمني بِرُمَّتِهْ.
وفي سياق النِّقَاش حول مبادرة ورِسَالة الدُّكتور «مَا العمل؟»، وبعد قراءتها؛ وَهُوَ السُّؤال الذي طالما طرحناه على أنفسنا، وفي اجتماعاتنا؛ بل هو السُّؤال الأساس الذي تطرحه أيُّ أمَّة، أو أي شعب، أو حزب، أو جماعة، تجد نفسها أمامَ معضلة استعصاء حَلِّ مشاكلها المُؤرِّقَة؛ وكتعبير عن الرَّغبة والإرادة في مواجهة التَّحدِيَّات التي تعترض طريقها.
الورقة المقدمة من الدكتور أحمد قائد الصايدي- رئيسنا، تشرح بِدِقَّة المرحلة الأخطر والأصعب التي مَرَّت بها اليمن؛ في ظِلِّ الحرب، ودور «جَمَاعة نِداء السَّلام»، في تلكم المرحلة.
وَالتَّشخيص الصَّائب أنَّ السَّلام قد أصبح شِعَار الجميع؛ حتى مِمَّن كانوا يحاربونه، ويسخرون من الدَّعوة إليه؛ ومن المتحاربين أنفسهم.
وَحَقًّا، فقد سَكَتَ دَوِّي المدافع، وتوقفت المواجهات، واستحدث في الواقع اليمني نتائج كارثية آتية من الحروب، ومن استمرار توتراتها، وبقاء أسبابها؛ فَإنَّنَا أولاً نتفق مع التَّشخيص الصَّائب للحالة التي مَرَّبها شعبنا.
وجَمَاعة نِداء السَّلام»، وَرَأيي أنَّ الدَّعوة للسَّلام لا تزال تمثل أهمية؛ وهي باقية ما بَقِيَ التَّهديد بالحرب قَائمًا؛ ومادامت المليشيات هي الحاكمة، وما بقيَ الرِّهَان على الخارج، والتَّصارُع الإقليمي والجوار حاضر، ولكنه -أي نداء السَّلام- لم يعد الهَمَّ اليومي الوحيد الماسك بحلاقيم الملايين من اليمنيين؛ فالتفكك اليمني، وتمزيق النسيج المجتمعي قائم، وضياع الكيان اليمني، وغياب السِّيادَة والاستقلال ماثلان، والمجاعة تطال الغالبية العظمى. وَتعرفون أنَّ المجاعة هِيَ أمُّ المآسي جَميعًا.
قَضِيَّة التَّصَالح المجتمعي والوطني، وقضايا تبادل الأسرى (الكُلّ مقابل الكُلّ)، وقضايا المعتقلين، والمختفين قَسريًّا، وقضايا الحريات العامة والديمقراطية، وحرية الرَّأي والتعبير، وفك الحصارات الداخلية؛ بين المدينة والمدينة، والقبيلة والقبيلة، والقرية والأخرى= هي الهَمُّ المؤرق.
ومِنْ ثَمَّ، فَإنَّ المطالبة بفكِّ الحصار الخارجي، وإخراج اليمن من «الفَصل السَّابع»؛ وكل ذلك لا يتحقق، ولن يتحقق، إلا بمصالحة مجتمعية ووطنية شاملة، وَتَوحُّد الإرادة اليمنية. والأهمّ لقاء يَضُم «أعضاء جماعة نداء السَّلام»، بعد الإجابة على السُّؤال، وتحديد المُهمَّة أو المهام التي يجب أن تضطلع بها الجماعة.
وأرى ألا يقتصر نداؤنا وخطابنا العام على قادة الأحزاب أو النخب السياسية؛ وإن كان لا ينبغي تجاهلهم، وإنما نتوجه بالخطاب، ونقيم التواصل معهم، ومع الحَاكمين جَميعًا، ومع جماهير الشَّعب، وَالتَّحرك قَدرَ المُتَاح في الشَّارع، ومع أوسع الجماهير؛ لإيصال الخطاب الجديد القديم؛ والمطالبة والسعي إلى ما ترونه، وَيَتمُّ التوافق عليه، وكُلَّ ما أسرعنا في الإجابة على السُّؤال واللقاء، كُلَّ ما كان ذلكم أفضل.
















