> تحقيق/ حنان حسين وبسام القاضي:
- النساء في الخط الأمامي للأزمات الناجمة عن تغير المناخ
- التصحر يزحف إلى الأراضي الزراعية بسبب سنوات الجفاف المتتالية
- استنزاف خطير للمياه الجوفية في ظل غياب الرقابة الفعالة
- "صعدنا فوق الدولاب والطاولات حتى لا نغرق".
كان المنزل قبل تلك الليلة الماطرة مكانًا بسيطًا لكنه آمن، يجمع الأسرة حول الجد والجدة في حياة هادئة. لكن مع اشتداد المطر تحولت الأمطار إلى سيول جارفة تسربت بسرعة إلى داخل المنزل، وبدأ منسوب المياه بالارتفاع بشكل مخيف.
- السيول التي غيّرت كل شيء
تقول إشراق: "فقدنا الأثاث والوثائق وحتى السيارة التي كانت مصدر رزقنا الوحيد. لم يبق لنا شيء سوى أننا نجونا بأرواحنا".
بعد تلك الحادثة تغيرت حياة الأسرة بالكامل، واضطرت إشراق إلى الخروج للعمل لتصبح المعيل الرئيسي للأسرة بعد أن فقدت العائلة مصدر دخلها.
ورغم صعوبة التجربة، تقول بنبرة تجمع بين الألم والرضا:
"الحمد لله أننا نجونا بأرواحنا، أما الأشياء فتُعوَّض".
لكن قصة إشراق ليست حالة فردية. ففي اليمن، البلد الذي يعاني من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، تتزايد آثار تغير المناخ لتضيف طبقة جديدة من المعاناة، خاصة بالنسبة للنساء اللواتي يتحملن الجزء الأكبر من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية داخل الأسرة.
- اليمن في مواجهة أزمة مناخية متفاقمة
فوفقًا لمؤشر نوتردام Notre Dame Global Adaptation Initiative لتقييم الضعف المناخي، يحتل اليمن المرتبة 174 من أصل 185 دولة من حيث القدرة على مواجهة التغيرات المناخية.
كما يتذيل اليمن المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين للعام الثالث عشر على التوالي، وهو ما يعكس حجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه النساء في البلاد.
يرى الدكتور أحمد مبارك بشير، الباحث الاقتصادي والاستشاري المؤسسي، أن الصراع المستمر في اليمن منذ عام 2015 لعب دورًا رئيسيًا في تعميق هذه الأزمة.
ويشير إلى أن الحرب لم تؤثر فقط على الاستقرار الأمني، بل أدت أيضًا إلى تدمير أجزاء كبيرة من البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك السدود وقنوات الري، الأمر الذي جعل المجتمعات المحلية أكثر هشاشة في مواجهة الكوارث المناخية.
ويضيف: "تغير المناخ في اليمن لا يمكن فصله عن الحرب. فالصراع أدى إلى تدهور البنية التحتية وضعف قدرة الدولة والمجتمع على التعامل مع الكوارث الطبيعية".
وتظهر هذه الهشاشة بوضوح في قطاع المياه، حيث يُصنف اليمن من بين أكثر الدول معاناة من ندرة المياه في العالم.
وتشير تقارير دولية إلى أن حصة الفرد من المياه قد تنخفض إلى 55 مترًا مكعبًا سنويًا، أي أقل من 10 % من الحد الدولي لندرة المياه الشديدة.
- النساء في الخط الأمامي للأزمة
تتأثر المجتمعات اليمنية بشكل عام بتغير المناخ، إلا أن النساء والفتيات غالبًا ما يتحملن العبء الأكبر لهذه التغيرات.

ففي العديد من المناطق الريفية تقع على عاتق النساء مسؤولية تأمين المياه والغذاء للأسرة، وهو ما يعني أن أي تدهور في الموارد الطبيعية يضاعف من حجم العمل والضغوط اليومية التي يواجهنها.
توضح الدكتورة رانيا خالد، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عدن، أن تراجع الإنتاج الزراعي نتيجة الجفاف وتدهور الأراضي يؤدي إلى فقدان مصدر الدخل الأساسي لكثير من الأسر، وهو ما يزيد من الأعباء الاقتصادية على النساء.
وتضيف أن النساء العاملات في الزراعة غالبًا ما يواجهن صعوبات كبيرة في إيجاد مصادر دخل بديلة، خاصة في ظل القيود الاجتماعية والثقافية التي تحد من فرص العمل المتاحة لهن.
كما أن ضعف الملكية القانونية للأراضي بين النساء يجعل تأثير تدهور الأراضي الزراعية أكثر قسوة عليهن.
فوفقًا للتقارير الحكومية المتعلقة بالتصحر، فإن النساء يشكلن نسبة كبيرة من السكان الأكثر تعرضًا لتأثيرات تدهور الأراضي والجفاف.
- الأمن الغذائي والماء: معركة يومية للبقاء
فوفقًا لتحليل التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)، من المتوقع أن يعاني نحو 609,808 أطفال من سوء التغذية الحاد، بينهم 118,570 طفلًا يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 34 % مقارنة بعام 2023. كما يُتوقع أن تعاني نحو 222,918 امرأة حامل ومرضع من سوء التغذية.

وتعكس هذه الأرقام أزمة إنسانية أوسع، حيث تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نسبة الأسر التي تعاني من نقص حاد في الغذاء ارتفعت إلى 36 % في فبراير 2025، مقارنة بـ 25 % في الفترة نفسها من عام 2024.
في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والبيئية والإنسانية، يحتاج 22.3 مليون يمني إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية خلال عام 2026، وفقًا لخطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)
لكن خلف هذه الأرقام قصص إنسانية قاسية يعيشها اليمنيون يوميًا.
- الجفاف الذي اقتلع الأرض من أصحابها
لكن سنوات الجفاف المتتالية حولت أرضها الخصبة إلى أرض قاحلة مليئة بالتشققات. ومع تراجع الأمطار وجفاف الآبار، ماتت مواشيها جوعًا وعطشًا، ولم يعد الحقل قادرًا على إنتاج أي محصول.
تقول هيلة إن قرار مغادرة قريتها مشألة في يافع لم يكن سهلًا. لكنها لم تجد خيارًا آخر بعد أن فقدت كل مصادر رزقها.
في النهاية اضطرت إلى النزوح إلى مدينة الحبيلين بمحافظة لحج، تاركة خلفها منزلها وأرضها التي عاشت فيها سنوات طويلة.
وتصف تلك اللحظة قائلة: "كأن جزءًا من روحي تبخر مع آخر قطرة ماء سقطت على الأرض".
- اليمن في قلب أزمة المياه العالمية
تُصنف التقارير الدولية اليمن من بين الدول الأكثر عرضة لتغير المناخ في العالم.

فوفقًا لبيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمركز العربي في واشنطن، يُعد اليمن حاليًا سابع أكثر دولة تعاني من ندرة المياه عالميًا.
كما تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن منسوب المياه الجوفية في المرتفعات اليمنية ينخفض بمعدل يتراوح بين 2 إلى 6 أمتار سنويًا، وهو مؤشر مقلق على استنزاف الموارد المائية.
وفي الوقت نفسه، يقدر البنك الدولي أن نحو 50 % من سكان اليمن معرضون لواحد على الأقل من المخاطر المناخية الكبرى مثل الجفاف أو الفيضانات أو موجات الحرارة الشديدة.
- أزمة المياه بين المناخ والزراعة
يوضح باوزير أن التوسع الزراعي غير المنظم أدى إلى استنزاف خطير للمياه الجوفية، خاصة مع انتشار مضخات الديزل والطاقة الشمسية التي خفضت تكاليف حفر الآبار وضخ المياه.
ويضيف أن هذا التوسع أدى إلى حفر آلاف الآبار العشوائية دون وجود رقابة فعالة، ما خلق منافسة شديدة على الموارد المائية المحدودة.
كما أن الممارسات الزراعية التقليدية، مثل الري بالغمر، تتسبب في هدر كميات كبيرة من المياه نتيجة التبخر.
ولا يقتصر تأثير تغير المناخ على المياه فقط، بل يمتد أيضًا إلى التربة والإنتاج الزراعي.
فارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر يؤديان إلى جفاف التربة، بينما يمكن أن يؤدي الضخ المفرط للمياه الجوفية في المناطق الساحلية إلى تداخل مياه البحر وزيادة ملوحة التربة، ما يجعلها غير صالحة للزراعة.
كما تؤدي الفيضانات والسيول إلى انجراف الطبقة السطحية من التربة الغنية بالمواد العضوية، وهو ما يقلل من إنتاجيتها الزراعية.
وقد تسببت الفيضانات الشديدة التي شهدتها البلاد في أغسطس 2024 في مقتل ما لا يقل عن 97 شخصًا، وفقًا لتقديرات معهد واشنطن، كما أدت إلى تفاقم أزمة الغذاء في العديد من المناطق.
ومع استمرار هذه الاتجاهات، تشير التقديرات إلى أن حصة الفرد من المياه في اليمن قد تنخفض إلى نحو 55 مترًا مكعبًا سنويًا، أي أقل من 10 % من الحد الدولي لندرة المياه الشديدة البالغ 500 متر مكعب.
- النزوح المناخي: أزمة تتفاقم
ففي عام 2024 وحده، تسببت الصدمات المناخية في نزوح ما يقارب نصف مليون شخص، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة.

وتشير التقديرات إلى أن 80 % من النازحين بسبب الكوارث المناخية هم من النساء والأطفال.
في مخيمات النزوح، تواجه النساء مخاطر إضافية تشمل العنف والاستغلال، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية.
تقول رقية عبد الرحمن، وهي عاملة صحية في مخيمات النازحين، إن كثيرًا من النساء يعانين من صدمات نفسية نتيجة فقدان منازلهن وأقاربهن.
وتوضح أن النساء غالبًا ما يكبتن مشاعرهن بسبب المسؤوليات الأسرية، وهو ما يؤدي إلى تدهور صحتهن النفسية مع مرور الوقت.
- الصحة في ظل الكوارث المناخية
فوفقًا للدكتور جمال باوزير، خبير المناخ والتنمية المستدامة، ترتبط الفيضانات بشكل مباشر بانتشار الأمراض المنقولة بالمياه.
عندما تجرف السيول شبكات الصرف الصحي والمخلفات، تتلوث مصادر المياه وتنتشر أمراض مثل الكوليرا وحمى الضنك.
وقد شكل اليمن ما يقارب ربع حالات الكوليرا في العالم خلال عام 2024.
وفي إحدى القرى بمديرية الأزارق في محافظة الضالع، كانت أم أحمد تشاهد طفلها الصغير يفقد حيويته يومًا بعد يوم بسبب الإسهال الناتج عن شرب المياه الملوثة.
لم تكن الأسرة قادرة على شراء الوقود لغلي المياه، ولم تتمكن من الحصول على أي مساعدة طبية.
تقول الأم وهي تحتضن طفلها المريض إن كثيرًا من الأطفال في القرية يواجهون المصير نفسه.
- التأثيرات الاجتماعية والصحية لتغير المناخ
فوفقًا لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن التغيرات المناخية في اليمن لا تزيد فقط من حدة الأزمات القائمة، بل تضاعف الأعباء اليومية التي تواجهها النساء. فمع تراجع الموارد الطبيعية وتدهور الأراضي الزراعية، تُجبر كثير من النساء على قطع مسافات طويلة وخطرة بحثًا عن المياه والغذاء، ما يعرضهن لمخاطر أمنية وصحية متزايدة.
كما يشير التقرير إلى أن تغير المناخ يفاقم من عدم المساواة بين الجنسين، إذ تمتلك النساء موارد اقتصادية واجتماعية أقل مقارنة بالرجال، مما يحد من قدرتهن على التكيف مع الأزمات البيئية المتزايدة.
تقول الدكتورة رانيا خالد، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عدن، إن تراجع الإنتاج الزراعي نتيجة الجفاف وتدهور الأراضي يقلل من مصادر الدخل الأساسية لكثير من النساء العاملات في القطاع الزراعي.
وتوضح أن هذا التراجع يفاقم مشكلة الأمن الغذائي ويزيد من الأعباء الأسرية التي تتحملها النساء، خاصة في ظل غياب كثير من الرجال بسبب الهجرة أو النزوح. كما تواجه النساء صعوبة في إيجاد فرص عمل بديلة، إضافة إلى محدودية وصولهن إلى التمويل والدعم بسبب القيود الاجتماعية والثقافية.
- تدهور الموارد الطبيعية
تشير بيانات برنامج العمل الوطني للتكيف (NAPA) إلى أن اليمن يواجه مجموعة متشابكة من التحديات البيئية، تشمل ندرة حادة في المياه، وتدهورًا واسعًا في الأراضي الزراعية، وتراجعًا في التنوع البيولوجي، إلى جانب تصحر متسارع.

وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة تواتر موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يضاعف الأعباء اليومية على النساء اللواتي يتحملن في كثير من المناطق مسؤولية جلب المياه وتأمين الغذاء للأسرة.
فمع شح المياه وتدهور الأراضي الزراعية، تتضاعف مشقة العمل اليومي، وينخفض الإنتاج الغذائي، ما يضع ضغوطًا اقتصادية واجتماعية كبيرة على الأسر، وتحديدًا على النساء.
كما تشير توقعات البنك الدولي المستندة إلى تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) لعام 2021 إلى ارتفاع تدريجي في مستوى سطح البحر، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للمناطق الساحلية الحيوية في اليمن.
ولا يقتصر خطر هذا الارتفاع على البنية التحتية والموانئ فحسب، بل يمتد إلى المجتمعات الساحلية التي تعتمد على الصيد والموارد البحرية، حيث تلعب النساء دورًا مهمًا في معالجة وتسويق المنتجات السمكية.
وفي مدينة عدن، يبرز تقرير حول التنوع البيولوجي البحري في الأراضي الرطبة تأثير التلوث والردم والصيد الجائر على هذه الأنظمة البيئية، ما يهدد سبل عيش كثير من الأسر الساحلية.
- التصحر وتدهور الأراضي
فبين عامي 2015 و 2019، تدهورت نحو 17.54 % من إجمالي مساحة الأراضي في اليمن، أي ما يعادل 79,403 كيلومترات مربعة.

كما تشير بيانات التقرير الرابع للتصحر إلى ارتفاع نسبة الأراضي المتأثرة بالجفاف الشديد إلى 76.5% في عام 2019، مقارنة بـ 28.8 % فقط في عام 2010.
ويمثل ذلك زيادة كبيرة في مساحة الأراضي المتضررة بالجفاف بلغت نحو 125,579 كيلومترا مربعا، أي ما يعادل 22.7 % من إجمالي مساحة البلاد.
وتشير هذه البيانات إلى أن النساء من بين الفئات الأكثر تضررًا من هذه التغيرات، حيث يشكلن 21.10 % من السكان المعرضين لخطر تدهور الأراضي والجفاف مقارنة بـ 20.40 % من الرجال.
كما تواجه النساء صعوبات كبيرة في الحصول على حقوق ملكية الأراضي، ما يحد من قدرتهن على التكيف الاقتصادي مع تدهور الموارد الطبيعية.
- النزوح المناخي وتداعياته
فبحسب بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان، تسببت الصدمات المناخية في نزوح ما يقارب نصف مليون شخص خلال عام 2024.

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن النساء يشكلن نحو 80 % من النازحين بسبب الكوارث المناخية، ما يجعلهن أكثر عرضة لمخاطر العنف والاستغلال، خصوصًا في ظروف النزوح.
وتتفاقم هذه المخاطر عندما تضطر النساء إلى قطع مسافات طويلة لجلب المياه أو العيش في مخيمات نزوح تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وفقًا لتقارير صادرة عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان ومركز مراقبة النزوح الداخلي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
- الأمن الغذائي والصحة
ومع تراجع الإنتاج الزراعي نتيجة الجفاف وتدهور الأراضي، تواجه الأسر صعوبات متزايدة في تأمين الغذاء، في ظل انتشار سوء التغذية الذي يؤثر على نحو 3.5 مليون امرأة وطفل بحسب تقارير منظمة الفاو وبرنامج الأغذية العالمي.
- حين تزحف الصحراء نحو القرى
تقيم شمعة في إحدى قرى ريف مديرية حالمين بمحافظة لحج، حيث تراقب بعينيها كيف تزحف الصحراء ببطء نحو قريتها، فتلتهم الأرض شبرًا بعد آخر.
تتذكر أن قريتها كانت في الماضي تزدهر بأشجار السمر والنباتات الخضراء، لكن المشهد تغير اليوم بشكل جذري؛ إذ لم يبق سوى أشجار يابسة وأرض جافة.
ومع اشتداد الجفاف وتراجع فرص العيش، غادر أبناؤها وأحفادها القرية بحثًا عن حياة أفضل في المدن، بينما بقيت هي وحدها في منزلها القديم، تراقب بصمت كيف تتغير الأرض التي عاشت عليها طوال حياتها.
- الأمراض المرتبطة بالمناخ
يوضح الدكتور جمال باوزير أن الفيضانات تؤدي إلى اختلاط مياه الصرف الصحي بمصادر المياه، ما يتسبب في انتشار أمراض مثل الكوليرا وحمى الضنك.
كما أن المياه الراكدة بعد الفيضانات تشكل بيئة مناسبة لتكاثر البعوض.
وقد شكّل اليمن نحو ربع حالات الكوليرا في العالم خلال عام 2024، وفقًا لتقارير دولية.
ومن المتوقع أن تؤدي مواسم الأمطار خلال فترات مارس–أبريل ويونيو–أكتوبر إلى زيادة الفيضانات وانتشار الأمراض المنقولة بالمياه.
- أطفال في مواجهة مياه ملوثة
في إحدى القرى بمديرية الأزارق بمحافظة الضالع، تشاهد أم أحمد (45 عامًا) طفلها أحمد البالغ من العمر خمس سنوات يفقد حيويته تدريجيًا بسبب الإسهال الناتج عن شرب المياه الملوثة.

لم تعد الأسرة قادرة على غلي المياه لتعقيمها بسبب ارتفاع أسعار الوقود، كما لم تنجح محاولات الأم في الحصول على مساعدة طبية.
تقول الأم وهي تحتضن طفلها: "إنه ليس الطفل الوحيد الذي يعاني، فالكثير من أطفال القرية يواجهون المصير نفسه".
- آثار صحية ونفسية مضاعفة على النساء
كما تشير دراسات إلى أن النساء يواجهن خطرًا أكبر للإصابة أو الوفاة خلال الكوارث الطبيعية، بسبب أدوارهن الاجتماعية كمقدمات للرعاية داخل الأسرة، وفق المنتدى الاستراتيجي للسياسات العامة ودراسات التنمية "دراية."
وتقول رقية عبد الرحمن، وهي عاملة صحية في مخيمات النزوح، إن كثيرًا من النساء يتعاملن مع الصدمات النفسية الناتجة عن فقدان المنازل والأحباء عبر كبت مشاعرهن، الأمر الذي ينعكس سلبًا على صحتهن النفسية.
وللتخفيف من هذه الآثار، يوفر صندوق الأمم المتحدة للسكان دعمًا عبر إنشاء مساحات آمنة وفرق حماية متنقلة تقدم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي وتعمل على الحد من تعرض النساء للعنف والاستغلال.
- استجابة صحية لمواجهة آثار المناخ
ويقول الدكتور جلال الزوعري، مدير وحدة المناخ والبيئة في الوزارة، إن الجهات الصحية تعمل على اتخاذ إجراءات للتعامل مع هذه التحديات، خاصة فيما يتعلق بتأثير موجات الحر على النساء المرضعات والرضع.
وتشمل هذه الإجراءات تزويد المرافق الصحية بأنظمة طاقة شمسية لضمان استمرار الخدمات الصحية، إضافة إلى تفعيل دور العاملات في صحة المجتمع لتوعية السكان بطرق الوقاية من الإجهاد الحراري وأهمية الرضاعة الطبيعية.

كما يتم تجهيز "أركان تبريد" في المرافق الصحية، وتوزيع حزم الترطيب الأساسية مثل أملاح الإماهة الفموية.
وفي مواجهة الأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا، تعتمد الوزارة على نظام الإنذار المبكر والاستجابة السريعة، إلى جانب تنظيم حملات توعية موجهة للنساء حول طرق تعقيم المياه وممارسات النظافة الشخصية.
وفي إطار الخطط المستقبلية، تسعى الوزارة إلى دمج خدمات الصحة المناخية ضمن منظومة الرعاية الصحية الأولية، وتوسيع نطاق الفرق الطبية المتنقلة والقابلات المجتمعيات لضمان وصول الخدمات الصحية إلى المناطق النائية التي غالبًا ما تكون الأكثر تضررًا من آثار تغير المناخ.
ورغم أهمية هذه الإجراءات، يرى خبراء أن حجم التحديات الصحية المرتبطة بتغير المناخ في اليمن يتجاوز بكثير قدرات الاستجابة الحالية. فالتدهور البيئي المستمر، إلى جانب ضعف البنية التحتية الصحية ونقص الموارد، يجعل من الصعب الحد من آثار الكوارث المناخية على الصحة العامة، خصوصًا في المناطق الريفية والنائية.
وتشير تقارير دولية إلى أن مواجهة التداعيات الصحية لتغير المناخ في اليمن تتطلب استثمارات أكبر في البنية التحتية الصحية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتوسيع برامج التوعية والوقاية، إلى جانب دعم المجتمعات المحلية للتكيف مع التغيرات البيئية المتسارعة.
وفي ظل استمرار الصراع وتراجع الموارد، تبقى النساء والأطفال الفئة الأكثر عرضة لمخاطر هذه الأزمة المركبة، التي لم تعد مجرد قضية بيئية، بل أصبحت تهديدًا مباشرًا للصحة والأمن الإنساني في البلاد.
- التعليم والزواج المبكر ..حين تُجبر الفتيات على ترك مقاعد الدراسة
كما تتسبب الكوارث المناخية في إغلاق المدارس أو تعطيل الدراسة لفترات طويلة، ما يجعل الفتيات أكثر عرضة للانقطاع عن التعليم أو التردد في الذهاب إلى المرافق التعليمية المؤقتة خوفًا من العنف أو انعدام الأمان، وفقًا لتقارير صندوق ملالا ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).
وتعكس قصة الطفلة عبير جانبًا مأساويًا من هذه التداعيات. ففي مارس 2021، تحولت رحلتها اليومية لجلب المياه في قرية عفة بمديرية جحاف في محافظة الضالع إلى مأساة.
فبينما كانت عبير، البالغة من العمر تسع سنوات، تسير مع رفيقاتها في طريقهن المعتاد لجلب الماء، انهار جبل السنامة فوقهن بشكل مفاجئ. لم تكن عبير ضحية حادث عابر، بل ضحية للجفاف الذي أدى إلى تصدع الصخور وإضعافها. أما صديقتها أزهار، التي نجت جسديًا من الحادثة، فقد ظلت تعيش صدمة تلك اللحظة، حيث لا يزال صوت الانهيار وصرخة عبير يترددان في ذاكرتها.
- أرقام مقلقة لتسرب الفتيات من التعليم
تتزامن هذه الحوادث مع تراجع واسع في فرص التعليم للفتيات في اليمن. فبحسب بيانات صندوق ملالا، تجاوز عدد الفتيات اليمنيات خارج التعليم مليون فتاة، وهو ما يمثل نحو 28 % من إجمالي الإناث في سن التعليم. وتشير الإحصاءات إلى أن 68 % من الفتيات في المرحلة الثانوية يتسربن من التعليم، تليهن المرحلة الإعدادية بنسبة 34 %، ثم المرحلة الابتدائية بنسبة 20 %.

وفي السياق ذاته، يوضح تقرير صادر عن منظمة إنقاذ الطفولة أن نحو 4.5 مليون طفل في اليمن، أي اثنان من كل خمسة أطفال أصبحوا خارج المدارس، مع تضاعف احتمالية تسرب الأطفال النازحين من التعليم. في مدينة عدن، لم تعد تأثيرات تغير المناخ مجرد أخبار تُتابع عبر شاشات التلفزيون، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للنساء والفتيات.
ففي حر الصيف اللاهب، تجلس فاطمة وحيد في فناء منزلها الشعبي بمنطقة الشعب غرب عدن منتظرة وصول المياه التي قد لا تأتي لساعات طويلة. إلى جانبها تجلس جدتها التي يتصبب العرق من جبينها في ظل انقطاع الكهرباء المتكرر، الذي يحول المنزل إلى ما يشبه الفرن معظم ساعات اليوم.
تقضي فاطمة وجدتها ساعات طويلة في انتظار المياه، وكل دقيقة تمر هي وقت يُنتزع من التعليم أو الراحة أو حتى من اللعب. من جانبها، توضح هبة فهيم، الباحثة في مجال المناخ، أن تأثيرات الحرارة الشديدة والجفاف تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للنساء. فارتفاع درجات الحرارة يفرض أعباء إضافية على ربات البيوت، إذ يواجهن صعوبة في إنجاز الأعمال المنزلية أو الحفاظ على المواد الغذائية من التلف في ظل غياب وسائل التبريد.
وتشير فهيم إلى أن النساء والفتيات في مدينة عدن يواجهن تحديات مضاعفة بسبب ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، إلى جانب انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بهذه الظروف. وتؤكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب حلولًا عملية، من بينها توفير مصادر طاقة بديلة للتخفيف من مشكلة انقطاع الكهرباء، التي تعد عاملًا أساسيًا في قدرة الأسر على التكيف مع آثار تغير المناخ المتزايدة.
- الفقر والمناخ يدفعان نحو الزواج المبكر
ويشير تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن تفاقم الفقر المرتبط بتغير المناخ يدفع بعض الأسر إلى تزويج القاصرات أو تعريضهن للاستغلال الجنسي كوسيلة للتخفيف من الأعباء الاقتصادية
- دور المرأة في الحلول .. التكيف مع المناخ يبدأ من المجتمعات المحلية
وتوضح أن بناء قدرة المجتمعات المحلية على التكيف يمكن أن يتحقق من خلال تبني التكنولوجيا المناسبة والاستفادة من المعارف التقليدية، إلى جانب تنويع مصادر الدخل لمواجهة المخاطر المناخية المتزايدة.
كما تؤكد شيكو أن الحد من آثار تغير المناخ يتطلب تعزيز وعي الأفراد وإحساسهم بالمسؤولية تجاه البيئة، من خلال نشر المعرفة حول التنمية الصديقة للبيئة، مشددة على أن التغيرات المناخية باتت تشكل تهديدًا مباشرًا للأنظمة البشرية، الأمر الذي يستدعي تحسين إدارة الكوارث وتعزيز مسارات التنمية المستدامة وزيادة الوعي بالمخاطر البيئية.
تمكين النساء: من الميدان إلى السياسات الوطنية
تجسد تحول النساء في اليمن إلى "قوة تكيف فاعلة" عبر مشروع "نحو مساهمة وطنية مستجيبة للنوع الاجتماعي"؛ الذي نفذته منظمة نبض بدعم من مبادرة مسار السلام وبالتنسيق الفني مع وحدة تغير المناخ بوزارة المياه والبيئة.
أثمر المشروع عن إدماج توصيات 24 خبيرة وناشطة من تعز —بعد ورشة فنية استمرت ثلاثة أيام— رسميًا في النسخة النهائية للمساهمات المحددة وطنيًا (NDC). ويعد هذا الانتقال من التدريب إلى صناعة القرار البيئي اختراقًا نوعيًا يعزز إدارة الموارد وسبل العيش المستدامة.
تؤكد هذه الشراكة أن إشراك المرأة في الحلول المناخية ليس مجرد عدالة اجتماعية، بل استراتيجية حتمية لتعزيز الصمود وتحقيق السلم المجتمعي في مواجهة الأزمات البيئية المتفاقمة؛ فتمكين النساء من إدارة الموارد المهددة يقلص النزاعات المحلية ويعزز التماسك في أكثر المجتمعات هشاشة.
- مبادرات نسائية تقود التغيير
ففي العديد من المناطق الريفية في اليمن، تقود النساء مبادرات ناجحة في إدارة المياه وإعادة تدوير النفايات، إضافة إلى تنويع مصادر الدخل عبر الزراعات المنزلية والحرف اليدوية، وهي مبادرات غالبًا ما تنطلق بجهود ذاتية لكنها تسهم في التخفيف من الأعباء الاقتصادية على الأسر وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف.
وتشير فرج إلى أن النساء حول العالم قد قدن مبادرات بيئية مؤثرة، مثل حركة الحزام الأخضر في كينيا التي أسستها الناشطة وانجاري ماثاي، إضافة إلى مبادرات الزراعة المنزلية التي بدأت تنتشر في اليمن.
ويرى تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن النساء يمكن أن يشكلن عنصرًا حيويًا في مواجهة أزمة المناخ، إذ إن تمكينهن وإشراكهن في اتخاذ القرارات البيئية يمكن أن يمنح المجتمعات قدرة أكبر على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية.
ولا يقتصر دور النساء على المشاريع الاقتصادية، بل يمتد أيضًا إلى العمل المدني والمناصرة والدفاع عن الحقوق البيئية.
وفي هذا السياق، تؤكد دنيا كوكا، الناشطة المجتمعية في قضايا المناخ والمرأة، أن دور الناشطات الشابات أصبح محوريًا في مواجهة تحديات تغير المناخ، من خلال ربط هذه القضايا بحياة الناس اليومية وتوضيح تأثير الجفاف والفيضانات على صحتهم وأعمالهم.
وتشير إلى أن الجمع بين العمل المجتمعي والبحث العلمي يمكن أن يسهم في تقديم حلول عملية تشجع المجتمعات على المشاركة في مواجهة الأزمة.
كما ترى علاء السقاف، رئيسة مؤسسة بيئة السلام للتنمية، أن النساء في اليمن يجب أن يكن جزءًا أساسيًا من الحل لمواجهة تغيرات المناخ، وليس فقط الفئة الأكثر تضررًا.
وتوضح أن النساء في الأرياف طورن بالفعل ممارسات فعالة للتكيف مع آثار التغيرات المناخية، إلا أن ضعف التمويل والقيود المفروضة على عمل المنظمات النسوية يمثلان تحديًا كبيرًا أمام توسيع هذه المبادرات.
- قصص أمل من قلب المجتمعات المحلية
فـ سارة، البالغة من العمر 11 عامًا، كانت تحلم بالذهاب إلى المدرسة، لكن جفاف الآبار جعل حلمها يصطدم بواقع قاس، إذ أصبحت مهمتها اليومية السير لساعات طويلة تحت شمس حارقة حاملة جرة ماء فارغة.
لكن مبادرات نسائية محلية استطاعت تحويل هذه المعاناة إلى نموذج للأمل.
ففي المنطقة نفسها، قادت أربع نساء مشروع مياه مجتمعي يعتمد على الطاقة الشمسية، وفر المياه النظيفة لأكثر من3500 أسرة، وأثبت قدرة النساء على إحداث تغيير حقيقي في مجتمعاتهن رغم التحديات الاجتماعية.
كما تعكس قصص مثل قصة سامية التي استخدمت الطاقة الشمسية في مشروعها، وقصة زهور التي بدأت مشروعًا لتربية النحل، قدرة النساء اليمنيات على الابتكار والتكيف مع الظروف البيئية الصعبة.
فهؤلاء النساء لسن مجرد ضحايا لتغير المناخ، بل فاعلات أساسيات في التغيير، يمتلكن معرفة تقليدية عميقة في إدارة الموارد الطبيعية، ويقدمن حلولًا مبتكرة للتخفيف من آثار الأزمة.
- الاستجابة المؤسسية لمواجهة آثار المناخ
وتشير ماريا راشد، مديرة إدارة الإعلام في اللجنة، إلى أن اللجنة تولي أولوية لتمثيل النساء في مفاوضات السلام (المسار الأول والثاني)، وتستخدم أدوات مثل حشد الدعم السياسي الدولي وتوجيه مخاطبات رسمية للضغط من أجل إشراك النساء في عمليات السلام وصنع القرار.
ولضمان حماية النساء النازحات، تعمل اللجنة على تدريب متطوعات ليكن بمثابة نقاط حماية للإبلاغ الفوري عن أي اعتداءات، إضافة إلى تنظيم حملات توعية حول حقوق النساء.
وفيما يتعلق بمقترح إنشاء صندوق للعدالة المناخية، ترى راشد أن نجاح هذه المبادرة يتطلب إدارة شفافة وقيام المجتمعات المحلية بدور رقابي، من خلال إشراك ممثلات عن النساء النازحات في مراقبة توزيع المساعدات لضمان وصولها إلى مستحقيها.
وفي السياق نفسه، يشير صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن إلى أن الصدمات المناخية تسببت في نزوح ما يقارب نصف مليون شخص خلال عام 2024.
ويركز الصندوق في استجابته الطارئة على تقديم المساعدات المنقذة للحياة عبر آلية الأمم المتحدة للاستجابة السريعة، إلى جانب توفير خدمات الصحة الإنجابية والحماية والمساعدات الطارئة للنساء والفتيات المتضررات.
وبحسب الصندوق، يتم تنفيذ هذه الجهود من خلال دعم 127 مرفقًا صحيًا و3 فرق طبية متنقلة و62 فريق حماية وتوعية، إضافة إلى 48 مساحة آمنة للنساء والفتيات في 21 محافظة يمنية.
وقد وصلت هذه الخدمات إلى أكثر من 1,127,000 مستفيد منذ بداية عام 2025.
كما يؤكد الصندوق أن 80 % من إجمالي 4.5 مليون نازح في اليمن بسبب الصراع والطوارئ الطبيعية هم من النساء والأطفال، ما يجعل توفير خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي أمرًا أساسيًا للحد من تعرضهم للعنف والاستغلال.
- المرأة قوة دافعة نحو العدالة المناخية
ركزت القمة النسوية السابعة (ديسمبر 2024) على الدور الحيوي للنساء في تحقيق العدالة المناخية في اليمن، مؤكدة أن النساء يمثلن قوة دافعة نحو مستقبل أكثر استدامة.

ودعا إعلان القمة إلى إنشاء صندوق للعدالة المناخية لدعم المجتمعات المتضررة وتعويضها، مع التأكيد على ضرورة دمج منظور النوع الاجتماعي وتمكين النساء في عمليات صنع القرار، وإشراكهن في صياغة السياسات العامة المرتبطة بالعدالة المناخية والانتقالية.
ولضمان حلول شاملة، طالب الإعلان بإدراج بند خاص بالعدالة المناخية في أي اتفاقيات سلام مستقبلية، مع التركيز على الحلول المجتمعية التي تراعي احتياجات النساء والفتيات.
واستكمالًا لهذا المسار، جاءت القمة النسوية الثامنة (ديسمبر 2025) لترفع سقف المطالب، حيث شدد إعلانها الختامي على أن: "العدالة المناخية في اليمن ليست مجرد استجابة بيئية، بل ضرورة لتحقيق الأمن والسلام". وطالبت القمة الثامنة بالانتقال من "الإغاثة الطارئة" إلى "الصمود المستدام" عبر دعم المبادرات النسوية الريفية والمساحات الآمنة للنازحات المتضررات من الكوارث.
كما جددت النساء في القمة الثامنة تمسكهن بمقترح "صندوق العدالة المناخية"، مع التركيز على أهمية وجود إدارة شفافة ورقابة مجتمعية نسوية تضمن وصول التعويضات لمستحقيها في المناطق الأكثر هشاشة.
وتجسد قصة أحلام جميل، خريجة الإعلام، هذه المبادرات المجتمعية، إذ أطلقت منصة "مناخنا 22" لنشر الوعي بقضايا المناخ في اليمن، خاصة في المجتمعات الريفية.
وتركز المنصة على توعية المجتمع بتأثيرات تغير المناخ وسبل التخفيف منها والتكيف معها، مع تسليط الضوء على النساء باعتبارهن من أكثر الفئات تضررًا.
ورغم التحديات التي تواجهها، مثل نقص الدعم المالي وصعوبة الحصول على المعلومات، تخطط أحلام لمواصلة تطوير المنصة وتوسيع نطاق عملها.
- المناخ والصراع: أزمة مركبة
يوضح الدكتور عبد الرقيب العكيشي، الخبير الوطني والباحث المتخصص في تغير المناخ، أن اليمن شهد خلال العقود الثلاثة الماضية تحولات مناخية مقلقة.

كما ترافقت هذه التغيرات مع زيادة في عدد وقوة الأعاصير وارتفاع مستوى سطح البحر.
ويشير العكيشي إلى أن جهود وحدة تغير المناخ تتركز على تأمين التمويلات اللازمة وتعزيز الخطط والتشريعات المرتبطة بالعمل المناخي، إضافة إلى تنفيذ دراسات ومشاريع لتقييم الهشاشة المناخية.
وفي السياق ذاته، توضح أحلام عبد الله، مدير البرامج في مؤسسة التضامن للتنمية، أن الأزمة الإنسانية المستمرة في اليمن تقلل من قدرة البلاد على التعامل مع قضايا المناخ، إذ تستهلك الاستجابة الإنسانية الطارئة معظم الموارد المالية والبشرية، ما يترك مساحة محدودة لمعالجة التحديات البيئية طويلة المدى. كما أدى الصراع إلى تدمير البنية التحتية الحيوية، الأمر الذي جعل المجتمعات المحلية أكثر عرضة للكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والجفاف.
من جانبه، يشير عبد الواحد عمر عرمان، مدير وحدة تغير المناخ في وزارة المياه والبيئة، إلى أن عدم الاستقرار السياسي يجعل قضايا البيئة في مرتبة متأخرة مقارنة بالاحتياجات الأساسية للسكان. ويؤكد أن الوزارة تعمل على دمج منظور النوع الاجتماعي في خططها واستراتيجياتها لضمان مشاركة النساء في صنع القرار وتصميم المشاريع البيئية.
كما يشير إلى أن التغيرات المناخية تسهم في تضخيم وتسريع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية عبر تدمير البنية التحتية وتحويل الموارد المالية من التنمية إلى الاستجابة الإنسانية الطارئة. ولذلك يدعو إلى تعزيز التخطيط طويل المدى وتطوير أنظمة إنذار مبكر للحد من الخسائر البشرية والمادية.
- اليمن: معركة البقاء
فالجفاف الذي يلتهم الأراضي الزراعية، والسيول التي تجرف المنازل، وارتفاع درجات الحرارة الذي يرهق المدن الساحلية، كلها عوامل تتقاطع مع الحرب والفقر لتشكل أزمة مركبة تدفع ملايين اليمنيين إلى حافة الهشاشة.
وفي قلب هذه الأزمة تقف النساء في الصفوف الأولى؛ يحملن عبء البحث عن الماء والغذاء، ويواجهن النزوح وفقدان سبل العيش، ويكافحن للحفاظ على أسرهن في ظل ظروف تزداد صعوبة عامًا بعد عام.
لكن هذه القصة ليست فقط قصة معاناة.
ففي القرى النائية، وفي المدن التي تعاني من انقطاع المياه والكهرباء، بدأت النساء في ابتكار طرق جديدة للتكيف مع الواقع القاسي، من إدارة مشاريع المياه والطاقة الشمسية، إلى إطلاق مبادرات توعية مجتمعية حول البيئة والمناخ.
تلك المبادرات الصغيرة، رغم محدودية الموارد، تكشف أن النساء اليمنيات لسن مجرد ضحايا لأزمة المناخ، بل فاعلات أساسيات في مواجهة آثارها.
ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن قدرة المجتمعات على الصمود ستظل محدودة ما لم تترافق هذه الجهود المحلية مع سياسات وطنية جادة، واستثمارات حقيقية في البنية التحتية والبيئة، إلى جانب إنهاء الصراع الذي فاقم هشاشة البلاد.
ففي بلد يقف عند تقاطع الحرب والمناخ والفقر، تبدو معركة التكيف مع التغيرات المناخية أكثر من مجرد قضية بيئية؛ إنها معركة من أجل البقاء.
مصادر مفتوحة وتدقيق معلومات: محمد مساعد، وعدنان المنصوري
شارك في مقابلات التحقيق "مجاهد القملي، أفراح بورجي ومحمد حفيظ"
الإخراج الفني: حسين الأنعمي
فيديوجرافيك: إبراهيم إيهاب
إشراف عام: نشوان العثماني
أُعد هذا التحقيق الصحفي المعمق ضمن مشروع "تضخيم أصوات النساء من خلال الإعلام"، المنفذ من قبل مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf)، بدعم من منظمة مبادرة مسار السلام، بالشراكة مع رابطة النساء الدولية للحقوق والحرية، والممول من قبل السفارة الهولندية.
"منصة سد"


















