السبت, 15 أغسطس 2026
117
إلى معالي وزير التربية والتعليم، وإلى محافظ محافظة عدن.. عندما نتحدث عن بناء الدولة فإننا غالباً ما نبدأ من السقف: الجامعات والمشاريع الكبرى والخطط الخمسية.
لكن أي بُنيان ينهار إذا كان أساسه هشاً، وأساس أي دولة حديثة هو المواطن القارئ، المواطن الذي يستطيع أن يفهم حقه وواجبه، وأن يشارك في القرار، وأن يحمي نفسه من التضليل. ومن هنا يصبح "جهاز محو الأمية وتعليم الكبار" ليس قطاعاً خدمياً هامشياً، بل خط الدفاع الأول عن مشروع الدولة نفسه.
في عدن، وفي ظل كل هذا الضجيج عن الإعمار والتنمية، هناك جبهة صامتة تُخسر يومياً: جبهة الجهل. جبهة لا تُقاس بعدد القتلى، بل تُقاس بعدد الذين لا يستطيعون قراءة لافتة مستشفى، ولا توقيع عقد، ولا رسالة من ابنهم في المدرسة. وهنا يأتي دور جهاز محو الأمية - فرع عدن، بقيادة الدكتور عصام المقبلي.
جهاز يعمل بصمت، في مواجهة مباشرة مع واحدة من أخطر مشكلات ما بعد الحرب: تراكم الأمية وتطبيعها.
وأنا أكتب هذا الكلام عن معرفة. فقد تشرفت بالعمل مديراً عاماً للموارد البشرية في ديوان جهاز محو الأمية وتعليم الكبار، وأعرف عن قرب طبيعة عمل الجهاز في المحافظات، وأعرف تحديداً حجم التحدي الذي يواجهه فرع عدن وقيادته اليوم. أعرف أن المعركة هنا ليست معركة فصول وطباشير فقط، بل معركة إرادة.
ما الذي يجعل هذا الملف عاجلاً اليوم؟ لأنه ببساطة ملف أمن قومي. الأمية لا تنتج فقراً فقط، بل تنتج قابلية للاستقطاب، وبيئة للشائعة، وغياباً للمساءلة المجتمعية. الأمية تجعل المواطن متلقياً لا شريكاً. وعندما يغيب الشريك يغيب معنى الدولة. لذلك فإن أي حديث عن "تمكين المجتمع" أو "المشاركة الشعبية" دون أن نغلق أولاً باب الأمية هو حديث ناقص، بل ومضلل.
لقد راقبت عن قرب أداء هذا الجهاز في عدن. لم أرَ إدارة تنتظر المكاتب الفخمة. رأيت رجلاً وفريقاً يتحركون بين المديريات، يفتحون فصلاً في مدرسة مغلقة، ويقنعون رب أسرة بأن يعود إلى المقعد بعد أربعين سنة. الدكتور عصام المقبلي نموذج للقيادة الميدانية التي تفهم أن المنصب تكليف. لم يطلب أضواء، ولم يُسوّق إنجازات وهمية. كان طلبه دائماً منطقياً وبارداً: أعطوني الحد الأدنى من أدوات العمل ودعوني أحارب.
لكن الحد الأدنى لم يصل. الميزانية التشغيلية غائبة، والحوافز معدومة، والكتاب نادر، والمعلم الميداني يتنقل بمواصلات إيجار ووقته الخاص.
وفي المقابل نجد قطاعات أخرى تُغرق بالدعم لأنها "ظاهرة إعلامياً". هذه ليست إدارة دولة، هذه إدارة انطباع. والدولة التي تُدار بالانطباع لا تصمد.
إن إنصاف جهاز محو الأمية بعدن ليس مسألة إنصاف لفرع أو لشخص. هو قرار سياسي بامتياز. هو اعتراف بأننا جادون في إغلاق صفحة التخلف، هو رسالة لأب في البريقة وأم في المنصورة أن الدولة لم تنسهم، هو استثمار مباشر في رأس المال البشري، والأرخص والأسرع عائداً من بين كل الاستثمارات.
المطلوب ليس معجزة.. المطلوب قرار، قرار إداري ومالي يعيد للجهاز مكانته ضمن أولويات الوزارة والمحافظة، ميزانية تشغيلية تحترم حجم المهمة، خطة تدريب وتأهيل للمعلمين، شراكة حقيقية مع السلطة المحلية والمنظمات، وإنصاف مادي ومعنوي لمن يعملون في الميدان، لأن من يواجه الجهل بالطبشور يستحق منا نفس الاحترام الذي نمنحه لمن يواجهه بالسلاح.
معالي الوزير، سيادة المحافظ.. التاريخ في عدن لا يبدأ من اليوم. عدن هي التي علمت اليمن القراءة والكتابة والصحافة والمسرح. لا يليق بتاريخ بهذا الثقل أن يبقى فيه مواطن لا يعرف الحرف. والأمانة التي تحملونها اليوم ليست أمانة مال فقط، بل أمانة مستقبل. أمانة جيل كامل سيُسأل: لماذا تركنا آباءنا أميين ونحن نتحدث عن الجمهورية الجديدة؟
سجلوا أسماءكم في صفحة الإنصاف. فالأوطان لا تُبنى بالخرسانة فقط، الأوطان تُبنى بحرف.