إننا اليوم أمام اختبار عقيدة قبل أن يكون اختبار سلاح. والقاعدة الراسخة في كل مدارس الحرب تقول إن الهجوم خير وسيلة للدفاع، وإن من يرتضي لنفسه موقع رد الفعل قد سلّم المبادرة للخصم طوعًا ودفع ثمنها من دم المقاتلين ومن هيبة الدولة ومن الزمن الاستراتيجي الذي لا يُسترد.

إن تكرار استهداف معسكراتنا في المناطق المحررة بنفس النمط وبنفس التوقيت لم يعد خللاً تكتيكياً يمكن حصره في تقرير ميداني، بل هو أثر مباشر لحرب استنزاف ممنهجة يديرها الخصم وفق عقيدة واضحة تستهدف تآكل المعنويات قبل المواقع، وتستهدف الثقة بين الدولة ومقاتليها قبل أن تستهدف التحصينات، وهو ما يحول الاستهداف من عمل عسكري إلى أداة لتفكيك العقد المعنوي والوطني بين الدولة ورجالها.

ولنقلها بمسؤولية الجندية ووعي السياسة: إن استمرار هذا النمط يؤشر إلى خلل في إدارة المبادرة وغياب لإرادة الحسم في معركة استعادة الدولة. فالجدية في إدارة الحرب لا تُقاس بحجم البيانات ولا بعدد الاجتماعات، بل تُقاس بمؤشر عملي واحد: القدرة على تحويل المعلومة إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى نتيجة ميدانية قابلة للقياس. وتُقاس بمدى الانتقال من منطق صد الهجوم إلى منطق فرض الإرادة، ومن منطق إدارة الخسائر إلى منطق إنهاء أسبابها. وما دمنا ندور في فلك رد الفعل، فإننا نمنح الخصم حرية اختيار الزمان والمكان والكلفة، بينما ندفع نحن الثمن دمًا وسيادة وزمنًا لا يمكن تعويضه.

ويجب أن تُقال الكلمة الصريحة والمسؤولة: لا لمن يبني موقعه ومصلحته على إطالة أمد المعركة وعدم حسمها. فالذين يحولون تضحيات المقاتل إلى رأس مال سياسي أو تجاري، ويستفيدون من بقاء الحرب مفتوحة، هم شركاء موضوعيون في الاستنزاف، وعقبة أمام عقيدة الدولة في الحسم والاستعادة، ولا مكان لهم في معادلة بناء الوطن. فالدولة التي لا تحسم مع تهديداتها الخارجية لا يمكنها أن تتسامح مع عوامل التفكيك الداخلية.

إن حسم المعركة واستعادة الدولة وفق أقل كلفة بشرية وزمنية ومادية لا يتم بإجراءات شكلية. يتم بقرار سيادي موحد لا رجعة فيه يستند إلى عقيدة قتالية متكاملة الأركان.

الركن الأول عسكري عملي ويقوم على إعادة تقييم هيكل القيادة الميدانية وفق معيار الكفاءة القتالية والقدرة على اتخاذ القرار تحت النار، وتفويض صلاحيات واضحة وكاملة لغرف العمليات للتحرك الاستباقي وضرب مصادر التهديد في منشئها، وإلزام كل موقع بخطة تأمين ومعلومات واتصال تعمل على مدار الساعة وفق أمر عمليات موحد وزمن تنفيذ محدد.

الركن الثاني سياسي قيادي ويقوم على كسر جمود مراكز القرار، وفرض وحدة القيادة والمرجعية، وإنهاء ازدواجية الخطاب والقرار، وترسيخ الانضباط المؤسسي على الجميع بلا استثناء، لأن أي معركة تُخاض بعقيدتين هي معركة خاسرة قبل أن تبدأ.

الركن الثالث دبلوماسي استخباري ويقوم على ترقية المعلومة إلى مستوى سلاح استراتيجي للأمن القومي، وتأمين مسارات الاتصال، وتجفيف مصادر التسريب، وتحويل كل حادثة استهداف إلى ملف سياسي ودولي يُدار بمركز قرار واحد لعزل الخصم وتجريده من أي غطاء. الركن الرابع اجتماعي قتالي ويقوم على إدراك أن الجاهزية ليست سلاحاً فقط، بل هي التزام متبادل بين الدولة ومقاتلها، وأن الوفاء بالاستحقاق في وقته هو جزء أصيل من التسليح المعنوي ومن معادلة الحسم، وأن أي تأخير فيه هو مساس مباشر بفاعلية هذه العقيدة.

وفي علوم إدارة المعارك القاعدة واضحة لا تقبل الجدل: الحسم السريع هو أقل كلفة. وكل ساعة تأخير في اتخاذ قرار الحسم تُضاف إلى رصيد الخصم وتُخصم من رصيدنا البشري والمادي والمعنوي، وتُوسع دائرة التهديد على كل الجبهات. ومن واقع خبرة تراكمية في الميدان والإدارة نعلم أن المعركة تُحسم في غرفة القرار قبل أن تُحسم في الميدان، وأن القائد الذي يملك عقيدة هو من يقرأ نافذة الزمن ويتخذ القرار فيها حتى لو كان الثمن باهظاً، لأن ثمن التردد في الحرب دائماً أعلى من ثمن الفعل.

ولذلك فإن السؤال المطروح اليوم ليس سؤال عتاب. هو سؤال عقيدة ومسؤولية أمام القيادة وأمام الشعب وأمام التاريخ: هل نمتلك الإرادة السياسية والعسكرية والدبلوماسية لاتخاذ قرار الحسم واستعادة الدولة اليوم قبل الغد؟ قرار موحد لا يتراجع ولا يساوم ولا ينتظر، قرار يقوم على مبدأ واحد لا ثاني له: إما أن تُدار الدولة بعقل الدولة وتُحسم المعركة بعقيدة الدولة، أو نخسر الوطن بعقل الفوضى.

لقد انتهى زمن الشجب. وانتهى زمن الاستنكار. وانتهى زمن الإدانة التي لا يعقبها فعل عسكري وسياسي ودبلوماسي متزامن. لم يعد ذلك مقبولاً عسكرياً ولا سياسياً ولا قانوناً ولا أخلاقاً. المطلوب الآن قرار حسم. قرار هجوم. قرار استعادة. وفق عقيدة ووفق خطة ووفق زمن. مهما كلف الأمر. فالوقت لم يعد في صالح من يدافع، الوقت في صالح من يبادر ويفرض إرادته ويحسم. وإما أن نهجم ونستعيد دولتنا الآن، أو سندفع ثمن التردد وطناً بأكمله.