​حين نقول «بنية تحتية»، نفكر في الطرق والجسور والماء والكهرباء. لكن ماذا لو كانت للمدينة بنية أخرى لا تُرى تحت الأرض، بل تحت سلوك الناس؟.

ماذا لو كانت الأمانة طريقًا، والعدالة جسرًا، والرحمة شبكة أمان، والاحترام إنارةً عامة، والتعايش مساحةً تتسع للجميع؟.

إن أول حجر في هذه البنية يوضع في الأسرة؛ ففيها يتعلم الطفل، قبل أن يصبح مواطنًا، كيف يقول الحقيقة، ويحترم الآخر، ويحفظ حقه، ويختلف دون أن يؤذي. وما يتعلمه حول مائدة صغيرة، سيحمله غدًا إلى شارع ومدرسة ومؤسسة ووطن. لذلك، حين نبني أسرة على الأخلاق، فنحن لا نربي أبناءنا فقط، بل نشارك في بناء مدينة لم تولد بعد.

فالمواطن لا يسكن المدينة فحسب؛ إنه يبني أخلاقها كل يوم. حين يحترم دوره، ويحافظ على الممتلكات العامة، ويؤدي عمله بأمانة، ويرحم الضعيف، ويحترم المختلف عنه، فإنه يضع حجرًا في بنيتها الأخلاقية. والتعايش من أهم جسورها؛ فما قيمة شارع يتسع للسيارات إذا ضاقت صدورنا بمن يمشي فيه معنا؟.

واليوم، نحن نسكن مدنًا أخرى نحملها في هواتفنا: مدن التواصل الاجتماعي. صفحاتها ساحات، ومجموعاتها أحياء، والمنشورات أصوات سكانها، والكلمات فيها إمّا جسور وإمّا حواجز.

وقد ندخل هذه المدن بأسمائنا الحقيقية أو بأسماء مستعارة؛ ولا بأس أن يستعير الإنسان اسمًا لخصوصية أو ظرف، لكن لا ينبغي أن يستعير أخلاقًا، أو يترك مبادئه خارج الشاشة. تستطيع أن تخفي اسمك، لكن لا تُخفِ إنسانيتك؛ فالاسم قد يكون مستعارًا، أما أثر الكلمة في قلب الآخر فحقيقي.

وكما لا نلقي القمامة في شارع مدينتنا، فلا نلقِ الإهانة في صفحات الآخرين. وكما نحترم خصوصية البيوت، فلنحترم خصوصية أصحاب الحسابات. فالمواطنة لا تنتهي عند حدود الجغرافيا؛ إنها مسؤولية أخلاقية في كل مساحة نتقاسمها مع البشر.

لذلك، قبل أن نسأل عن طرق مدننا وجسورها وأبراجها، لنسأل: كيف حال البنية التحتية لأخلاقنا؟.
هل جسور الثقة ما زالت صالحة للعبور؟ وهل طرق الحوار مفتوحة؟ وهل إنارة الضمير تعمل في البيت والشارع وخلف الشاشة؟.

فالمدينة العظيمة ليست التي يستطيع الإنسان أن يصل فيها إلى كل مكان بسرعة، بل التي يستطيع فيها كل إنسان أن يصل إلى الآخر بكرامة.

وحين تصبح الأسرة أول مدرسة للأخلاق، والمواطنة ممارسة، والتعايش ثقافة، والكلمة مسؤولية، عندها فقط نبني بنيةً تحتية لا تهدمها الأمطار ولا تُبليها السنوات؛ لأنها لا تمتد تحت شوارعنا، بل بين قلوبنا.