> عدن "الأيام" تحليل خاص:
يتحمّل عبدالملك الحوثي المسؤولية السياسية الأولى عن مسار جماعته، بما جمعه من قتل المدنيين، وتركيز السلطة، وتسخير الموارد لخدمة منظومة حكم تقوم على الولاء الشخصي والامتياز العائلي. وتكشف قراءة هذا المسار عن مشروع يعيد تشكيل الدولة حول سلطة زعيم فوق مؤسساتها، ويدفع بالمجتمع إلى تحمّل كلفة حروبه وقراراته. ومن هنا، تصبح مساءلته متعلقة بحق اليمنيين في الحياة والمواطنة والملكية، وبحق شعوب المنطقة في الأمن.
بلغت هذه الكلفة مستوى بالغ الفداحة في الهجمات على المطارات السعودية. فقد أفادت رويترز، في تقرير نشرته في 14 أكتوبر 2026، بأن الهجوم الحوثي على صالة مغادرة بمطار الملك خالد الدولي في الرياض، يوم 10 أكتوبر، أودى بحياة 13 شخصًا وأصاب نحو 300 آخرين. وأظهرت اللقطات مسافرين يرتدون ملابس الإحرام، فيما نقلت الوكالة عن وسائل إعلام سعودية مقتل إمام بنغلاديشي كان يقود مجموعة من المعتمرين. هكذا امتدت نيران الجماعة إلى أشخاص كانوا يستعدون لرحلة عبادة، وإلى عاملين ومسافرين من جنسيات متعددة.
إن مقتل المعتمرين يضع الخطاب الديني لعبدالملك الحوثي أمام امتحان أخلاقي قاسٍ. فحرمة الدم الإنساني تفرض التزامًا عمليًا بحماية الناس، واحترام أمنهم في المطارات والطرقات وأماكن العمل. وكل خطاب يستحضر المقدسات، بينما تنتهي صواريخه إلى تمزيق حياة المدنيين، يفقد صدقيته أمام نتائج أفعاله. ولا تمنح دعاوى الرد على الخصوم ترخيصًا باستهداف المدنيين؛ فقواعد الحرب تحظر الهجمات المباشرة عليهم والهجمات العشوائية، وتفرض التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات لحمايتهم.
وفي اليمن، يحمل المدنيون سجلًا أطول من المعاناة. فقد نسب مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان إلى القوات الحوثية مقتل 24 مدنيًا في محافظة تعز خلال عام 2025، بينهم ثمانية أطفال وأربع نساء، ضمن وقائع شملت القنص والقصف والألغام وغيرها. كما وثقت هيومن رايتس ووتش استمرار الألغام التي زرعتها القوات الحوثية وغيرها في قتل المدنيين وإصابتهم، وحرمان المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، حتى في مناطق توقفت فيها المعارك. وهذه صورة لاستنزاف يتجاوز لحظة إطلاق النار، إذ تبقى أدوات القتل مزروعة في طرق الناس ومصادر رزقهم.
وامتد هذا الخطر خارج اليمن قبل التصعيد الأخير بسنوات. ففي 17 يناير 2022، أسفرت الهجمات الحوثية على منطقة مصفح وموقع إنشاءات بمطار أبوظبي عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ستة مدنيين، وفق وثيقة لجامعة الدول العربية أُحيلت إلى الأمم المتحدة. ويكشف تكرار سقوط المدنيين في دول مختلفة عن حجم الخطر الذي تنتجه سياسة استخدام الصواريخ والمسيّرات للضغط الإقليمي، فيما يتحمل الأبرياء نتائجها المباشرة.
وتبرز مفارقة دامية بين شعار الجماعة الذي يردد «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، وبين سجل حروبها الذي دفع اليمنيون والعرب المسلمون أثمانًا بشرية جسيمة فيه. فبينما يوجّه عبدالملك الحوثي هتافاته إلى واشنطن وتل أبيب، توثق التقارير سقوط المدنيين بنيران جماعته في الأحياء اليمنية والمطارات والمنشآت المدنية في محيطها العربي. ويكشف هذا التناقض الفجوة بين خطاب التعبئة ونتائج الممارسة؛ إذ يتحول الموت المرفوع على اللافتات إلى واقع تعيشه أسر يمنية وعربية ومسلمة، تفقد أبناءها وأمانها ومصادر رزقها. وتضع هذه الحصيلة عبدالملك الحوثي أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة: فصدقية الشعارات تُختبر بحرمة الدماء التي تصونها، وبحياة الناس التي تحميها، وبالخراب الذي تمنع وقوعه.
وترتبط هذه السياسة بطبيعة السلطة التي يقودها عبدالملك الحوثي. فقد وثق مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بناء شبكة من المشرفين تعلو صلاحياتها المؤسسات الحكومية، ويختار عبدالملك مستوياتها القيادية مباشرة. ووصفت الدراسة بنية تمزج الحكم العائلي بعناصر دينية وثورية، مع الاحتفاظ بالشكل الجمهوري للدولة. وبذلك يصبح موقع المسؤول داخل شبكة الولاء والقرب من الزعيم أكثر تأثيرًا من اختصاصه الرسمي.
في هذه البنية، يمكن فهم وصف «الملكية المقنّعة» باعتباره قراءة سياسية لاحتكار الحكم، مع بقاء أسماء البرلمان والحكومة والمؤسسات الجمهورية. فالجمهورية تقوم على مصدر شعبي للسلطة، وحدود لصلاحيات الحاكم، وإمكان مساءلته وتغييره. أما وضع القرار النهائي بيد زعيم محصّن من المحاسبة، وإسناد النفوذ إلى القرابة والولاء، فيفرغان هذه المبادئ من مضمونها. ويغدو المواطن محكومًا بإرادة سلطة شخصية، بينما تتحول المؤسسات إلى أدوات لتنفيذ قراراتها.
وتظهر النزعة نفسها في تنظيم الموارد. فقد تناول مركز صنعاء لائحة الزكاة الحوثية الصادرة عام 2020، التي فرضت خُمسًا بنسبة 20% على أنشطة تتصل باستغلال الموارد الطبيعية، بما يشمل قطاعات معدنية ونفطية ومائية وسمكية، مع ترتيبات توزيع تمنح امتيازًا لمن تصنفهم الجماعة ضمن «آل البيت». وهذه هي المساحة الموثقة للجباية؛ أما تعميم النسبة على جميع الممتلكات الخاصة فلا تعكسه هذه الدراسة.
تكمن خطورة هذا الترتيب في تحويل الانتساب العائلي إلى أساس لاستحقاق اقتصادي متميز. فالمال العام وعوائد النشاط الاقتصادي يفترض أن يخدما الحقوق والخدمات وفق قواعد المواطنة والمصلحة العامة. وعندما تُحاط جباية بغطاء من القداسة، يصبح الاعتراض عليها أكثر صعوبة، وتكتسب النخبة الحاكمة أداة لتبرير امتيازاتها. وهنا يلتقي احتكار القرار باحتكار الموارد، لتتشكل منظومة تمنح فئة مرتبطة بمشروع الحكم حقوقًا تتجاوز حقوق بقية المواطنين.
ويطال تقويض الدولة أيضًا قدرتها على حماية المجتمع وإيصال المساعدة إليه. فقد أكدت الأمم المتحدة أن احتجاز موظفيها، واقتحام مقارها والاستيلاء على أصولها من جانب سلطات الحوثيين، قيّدت بشدة وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى ملايين المحتاجين. والمعنى السياسي لذلك شديد الوضوح: حين تصبح المؤسسات الإنسانية عرضة للاقتحام والعاملون فيها للاحتجاز، تتقدم متطلبات السيطرة الأمنية على احتياجات الأسر الجائعة والمرضى والأطفال.
أما تعطيل صادرات النفط، فيمثل أحد أثقل الأعباء التي فرضتها الجماعة على الاقتصاد اليمني. فقد ربط البنك الدولي استمرار الحصار الحوثي على الصادرات بتراجع الإيرادات الحكومية بنسبة 42% خلال النصف الأول من عام 2024، وبإضعاف قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية. وأوضح صندوق النقد الدولي أن النفط كان يوفر أكثر من نصف الإيرادات الحكومية قبل توقف صادراته عام 2022. وهذه الأرقام تحدد حجم المورد الذي حُرم منه اليمنيون، وحجم الضرر الذي أصاب تمويل الرواتب والخدمات.
اقتصاديًا، يؤدي تعطيل التصدير إلى خفض تدفقات النقد الأجنبي، وإضعاف المالية العامة، وزيادة الضغوط على تمويل الواردات وسعر الصرف. وتصل النتيجة إلى المواطن عبر ارتفاع كلفة الغذاء والدواء والوقود، وتراجع القيمة الفعلية للراتب، واضطراب الكهرباء والخدمات. وبهذا المعنى، يتحول استهداف منشآت التصدير إلى ضغط يومي على معيشة الناس، بمن فيهم المواطنون البعيدون عن الجبهات والمواجهات السياسية.
وتتضافر مسؤولية الحوثيين عن هذا الضرر مع الانقسام المؤسسي، والاختلالات المالية، وضعف التمويل الخارجي وتراجع المساعدات. كما أن مسار العملة شهد فترات تحسن؛ فقد سجل البنك الدولي في مايو 2026 تعافي الريال في سوق عدن منذ أغسطس 2025 واستقراره لاحقًا، مع استمرار هشاشة الوضع وبقاء صادرات النفط معطلة. وتؤكد هذه الصورة أن تعطيل المورد النفطي عامل رئيسي في الأزمة، وأن استقرار العملة يحتاج إلى مؤسسات وإيرادات منتظمة وقدرة على امتصاص الصدمات.
بهذه الممارسات، يفرض عبدالملك الحوثي نموذجًا للحكم تتسع فيه سلطة الجماعة كلما ضاقت حياة المواطن: قرار مركزي محصّن، وموارد تخضع لاعتبارات الولاء والامتياز، ومؤسسات تفقد استقلالها، وحروب تتجاوز حدود اليمن. ويستحق هذا النموذج نقدًا سياسيًا صارمًا، لأن استمراره يهدد إمكان بناء دولة تحمي مواطنيها وتتعامل معهم على قدم المساواة.
تبدأ محاسبة عبدالملك الحوثي بإخضاع قراراته لميزان نتائجها: أرواح المدنيين، وأمن المعتمرين والمسافرين، وحقوق المالكين والعاملين، وقدرة الأسر على شراء غذائها ودوائها. وتفرض هذه النتائج المطالبة بوقف الهجمات على المدنيين، ورفع القيود على موارد اليمن، وإنهاء الامتياز القائم على النسب، وإعادة السلطة إلى مؤسسات قابلة للمساءلة. فحق اليمنيين في جمهورية عادلة وحياة آمنة أسبق من طموح أي زعيم إلى حكم مطلق.
بلغت هذه الكلفة مستوى بالغ الفداحة في الهجمات على المطارات السعودية. فقد أفادت رويترز، في تقرير نشرته في 14 أكتوبر 2026، بأن الهجوم الحوثي على صالة مغادرة بمطار الملك خالد الدولي في الرياض، يوم 10 أكتوبر، أودى بحياة 13 شخصًا وأصاب نحو 300 آخرين. وأظهرت اللقطات مسافرين يرتدون ملابس الإحرام، فيما نقلت الوكالة عن وسائل إعلام سعودية مقتل إمام بنغلاديشي كان يقود مجموعة من المعتمرين. هكذا امتدت نيران الجماعة إلى أشخاص كانوا يستعدون لرحلة عبادة، وإلى عاملين ومسافرين من جنسيات متعددة.
إن مقتل المعتمرين يضع الخطاب الديني لعبدالملك الحوثي أمام امتحان أخلاقي قاسٍ. فحرمة الدم الإنساني تفرض التزامًا عمليًا بحماية الناس، واحترام أمنهم في المطارات والطرقات وأماكن العمل. وكل خطاب يستحضر المقدسات، بينما تنتهي صواريخه إلى تمزيق حياة المدنيين، يفقد صدقيته أمام نتائج أفعاله. ولا تمنح دعاوى الرد على الخصوم ترخيصًا باستهداف المدنيين؛ فقواعد الحرب تحظر الهجمات المباشرة عليهم والهجمات العشوائية، وتفرض التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات لحمايتهم.
وفي اليمن، يحمل المدنيون سجلًا أطول من المعاناة. فقد نسب مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان إلى القوات الحوثية مقتل 24 مدنيًا في محافظة تعز خلال عام 2025، بينهم ثمانية أطفال وأربع نساء، ضمن وقائع شملت القنص والقصف والألغام وغيرها. كما وثقت هيومن رايتس ووتش استمرار الألغام التي زرعتها القوات الحوثية وغيرها في قتل المدنيين وإصابتهم، وحرمان المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، حتى في مناطق توقفت فيها المعارك. وهذه صورة لاستنزاف يتجاوز لحظة إطلاق النار، إذ تبقى أدوات القتل مزروعة في طرق الناس ومصادر رزقهم.
وامتد هذا الخطر خارج اليمن قبل التصعيد الأخير بسنوات. ففي 17 يناير 2022، أسفرت الهجمات الحوثية على منطقة مصفح وموقع إنشاءات بمطار أبوظبي عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ستة مدنيين، وفق وثيقة لجامعة الدول العربية أُحيلت إلى الأمم المتحدة. ويكشف تكرار سقوط المدنيين في دول مختلفة عن حجم الخطر الذي تنتجه سياسة استخدام الصواريخ والمسيّرات للضغط الإقليمي، فيما يتحمل الأبرياء نتائجها المباشرة.
وتبرز مفارقة دامية بين شعار الجماعة الذي يردد «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، وبين سجل حروبها الذي دفع اليمنيون والعرب المسلمون أثمانًا بشرية جسيمة فيه. فبينما يوجّه عبدالملك الحوثي هتافاته إلى واشنطن وتل أبيب، توثق التقارير سقوط المدنيين بنيران جماعته في الأحياء اليمنية والمطارات والمنشآت المدنية في محيطها العربي. ويكشف هذا التناقض الفجوة بين خطاب التعبئة ونتائج الممارسة؛ إذ يتحول الموت المرفوع على اللافتات إلى واقع تعيشه أسر يمنية وعربية ومسلمة، تفقد أبناءها وأمانها ومصادر رزقها. وتضع هذه الحصيلة عبدالملك الحوثي أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة: فصدقية الشعارات تُختبر بحرمة الدماء التي تصونها، وبحياة الناس التي تحميها، وبالخراب الذي تمنع وقوعه.
وترتبط هذه السياسة بطبيعة السلطة التي يقودها عبدالملك الحوثي. فقد وثق مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بناء شبكة من المشرفين تعلو صلاحياتها المؤسسات الحكومية، ويختار عبدالملك مستوياتها القيادية مباشرة. ووصفت الدراسة بنية تمزج الحكم العائلي بعناصر دينية وثورية، مع الاحتفاظ بالشكل الجمهوري للدولة. وبذلك يصبح موقع المسؤول داخل شبكة الولاء والقرب من الزعيم أكثر تأثيرًا من اختصاصه الرسمي.
في هذه البنية، يمكن فهم وصف «الملكية المقنّعة» باعتباره قراءة سياسية لاحتكار الحكم، مع بقاء أسماء البرلمان والحكومة والمؤسسات الجمهورية. فالجمهورية تقوم على مصدر شعبي للسلطة، وحدود لصلاحيات الحاكم، وإمكان مساءلته وتغييره. أما وضع القرار النهائي بيد زعيم محصّن من المحاسبة، وإسناد النفوذ إلى القرابة والولاء، فيفرغان هذه المبادئ من مضمونها. ويغدو المواطن محكومًا بإرادة سلطة شخصية، بينما تتحول المؤسسات إلى أدوات لتنفيذ قراراتها.
وتظهر النزعة نفسها في تنظيم الموارد. فقد تناول مركز صنعاء لائحة الزكاة الحوثية الصادرة عام 2020، التي فرضت خُمسًا بنسبة 20% على أنشطة تتصل باستغلال الموارد الطبيعية، بما يشمل قطاعات معدنية ونفطية ومائية وسمكية، مع ترتيبات توزيع تمنح امتيازًا لمن تصنفهم الجماعة ضمن «آل البيت». وهذه هي المساحة الموثقة للجباية؛ أما تعميم النسبة على جميع الممتلكات الخاصة فلا تعكسه هذه الدراسة.
تكمن خطورة هذا الترتيب في تحويل الانتساب العائلي إلى أساس لاستحقاق اقتصادي متميز. فالمال العام وعوائد النشاط الاقتصادي يفترض أن يخدما الحقوق والخدمات وفق قواعد المواطنة والمصلحة العامة. وعندما تُحاط جباية بغطاء من القداسة، يصبح الاعتراض عليها أكثر صعوبة، وتكتسب النخبة الحاكمة أداة لتبرير امتيازاتها. وهنا يلتقي احتكار القرار باحتكار الموارد، لتتشكل منظومة تمنح فئة مرتبطة بمشروع الحكم حقوقًا تتجاوز حقوق بقية المواطنين.
ويطال تقويض الدولة أيضًا قدرتها على حماية المجتمع وإيصال المساعدة إليه. فقد أكدت الأمم المتحدة أن احتجاز موظفيها، واقتحام مقارها والاستيلاء على أصولها من جانب سلطات الحوثيين، قيّدت بشدة وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى ملايين المحتاجين. والمعنى السياسي لذلك شديد الوضوح: حين تصبح المؤسسات الإنسانية عرضة للاقتحام والعاملون فيها للاحتجاز، تتقدم متطلبات السيطرة الأمنية على احتياجات الأسر الجائعة والمرضى والأطفال.
أما تعطيل صادرات النفط، فيمثل أحد أثقل الأعباء التي فرضتها الجماعة على الاقتصاد اليمني. فقد ربط البنك الدولي استمرار الحصار الحوثي على الصادرات بتراجع الإيرادات الحكومية بنسبة 42% خلال النصف الأول من عام 2024، وبإضعاف قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية. وأوضح صندوق النقد الدولي أن النفط كان يوفر أكثر من نصف الإيرادات الحكومية قبل توقف صادراته عام 2022. وهذه الأرقام تحدد حجم المورد الذي حُرم منه اليمنيون، وحجم الضرر الذي أصاب تمويل الرواتب والخدمات.
اقتصاديًا، يؤدي تعطيل التصدير إلى خفض تدفقات النقد الأجنبي، وإضعاف المالية العامة، وزيادة الضغوط على تمويل الواردات وسعر الصرف. وتصل النتيجة إلى المواطن عبر ارتفاع كلفة الغذاء والدواء والوقود، وتراجع القيمة الفعلية للراتب، واضطراب الكهرباء والخدمات. وبهذا المعنى، يتحول استهداف منشآت التصدير إلى ضغط يومي على معيشة الناس، بمن فيهم المواطنون البعيدون عن الجبهات والمواجهات السياسية.
وتتضافر مسؤولية الحوثيين عن هذا الضرر مع الانقسام المؤسسي، والاختلالات المالية، وضعف التمويل الخارجي وتراجع المساعدات. كما أن مسار العملة شهد فترات تحسن؛ فقد سجل البنك الدولي في مايو 2026 تعافي الريال في سوق عدن منذ أغسطس 2025 واستقراره لاحقًا، مع استمرار هشاشة الوضع وبقاء صادرات النفط معطلة. وتؤكد هذه الصورة أن تعطيل المورد النفطي عامل رئيسي في الأزمة، وأن استقرار العملة يحتاج إلى مؤسسات وإيرادات منتظمة وقدرة على امتصاص الصدمات.
بهذه الممارسات، يفرض عبدالملك الحوثي نموذجًا للحكم تتسع فيه سلطة الجماعة كلما ضاقت حياة المواطن: قرار مركزي محصّن، وموارد تخضع لاعتبارات الولاء والامتياز، ومؤسسات تفقد استقلالها، وحروب تتجاوز حدود اليمن. ويستحق هذا النموذج نقدًا سياسيًا صارمًا، لأن استمراره يهدد إمكان بناء دولة تحمي مواطنيها وتتعامل معهم على قدم المساواة.
تبدأ محاسبة عبدالملك الحوثي بإخضاع قراراته لميزان نتائجها: أرواح المدنيين، وأمن المعتمرين والمسافرين، وحقوق المالكين والعاملين، وقدرة الأسر على شراء غذائها ودوائها. وتفرض هذه النتائج المطالبة بوقف الهجمات على المدنيين، ورفع القيود على موارد اليمن، وإنهاء الامتياز القائم على النسب، وإعادة السلطة إلى مؤسسات قابلة للمساءلة. فحق اليمنيين في جمهورية عادلة وحياة آمنة أسبق من طموح أي زعيم إلى حكم مطلق.













