هناك خلل خطير يضرب في عمق بنية الوطن، خلل صامت لا يحدث ضجيجًا، لكنه يفعل فعلته كل يوم؛ إنه إقصاء الكفاءة.

أن ترى خبيرًا أفنى سنوات عمره في صقل تجربته، وصاحب سجل ناصع مشهود له بالنزاهة ونظافة اليد، ورجلًا كفؤًا يشهد له زملاؤه قبل خصومه، ثم يجد نفسه خارج دائرة القرار، لا لعيب في كفاءته، بل لأنه لا يملك غطاءً حزبيًا ولا سندًا فئويًا، فتلك هي المفارقة التي تدمي القلب وتعبث بمستقبل الوطن.

لقد انقلبت المعادلة رأسًا على عقب، فلم يعد السؤال الجوهري هو: ماذا تملك من علم وخبرة وقدرة على العطاء؟ بل أصبح السؤال هو: لمن تنتمي، ومن يدعمك؟ فتتقدم اعتبارات الولاء على اعتبارات الكفاءة، وتتغلب حسابات الاصطفاف على حسابات المهنية والاختصاص، حتى أصبحت النزاهة عبئًا على صاحبها، والكفاءة لا تكفي وحدها لتجد طريقها.

وهنا تحديدًا يكمن سر التعثر الذي نلمسه في أداء كثير من المؤسسات، فهو ليس وليد صدفة ولا نتيجة لشُحّ الموارد، بل هو نتيجة طبيعية لمقدمات غير سليمة. حين تُدار المواقع بعقلية الغنيمة لا بعقلية المسؤولية، وحين يغيب مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، فكيف لوطن أن ينهض إذا كان من يدير مفاصله الحيوية يفتقر إلى أبسط مقومات الإدارة والخبرة، ولا يملك سوى أنه محسوب؟

إن الوطن الذي لا يكرم كفاءاته ولا يصون خبراته هو وطن يهدر أثمن رأسمال يملكه، والوطن الذي يقدم الولاء على الخبرة هو وطن يعطل محركه الأساسي، ولن تستقيم له نهضة حقيقية ما لم يكن قراره نابعًا من مصلحته العليا، وما لم تكن مصلحة الوطن فوق كل المصالح الضيقة، وأكبر من كل الحسابات الآنية.

إننا نكتب هذا ليس من باب الترف ولا من باب جلد الذات، بل نكتبه من قلب الحرص ومن منطلق المسؤولية الوطنية. فالوطن بكل أبنائه يتسع للجميع، ولكنه لا يُبنى إلا بخيرة أبنائه، بأكفئهم وأنزههم وأخلصهم. فإذا أردنا وطنًا قويًا متماسكًا يسوده العدل وتكافؤ الفرص، فعلينا أن نعيد الاعتبار قولًا وفعلًا لهذه القاعدة الذهبية التي لا يختلف عليها اثنان: الكفاءة فوق الولاء، والوطن فوق الجميع.

التاريخ يسجل، والناس تشهد، والوطن باقٍ، ولن يبقى في ذاكرته إلا من خدمه بصدق وإخلاص.