هناك محافظات تتصدر المشهد بالكلام والإعلام، وهناك محافظات تصنع المواقف في الميدان دون ضجيج، ومحافظة لحج أبرز تلك المحافظات التي دفعت ثمنًا كبيرًا في خطوط المواجهة مع المشروع الإيراني، بينما بقي حضورها في المشاريع التنموية والخدمات أقل بكثير من حجم ما قدمته من تضحيات.
جبهات لحج ليست مجرد خطوط تماس متفرقة، بل خارطة قتالية واسعة تشكل حزامًا دفاعيًا مهمًا عن الجنوب، وفي الوقت نفسه تمثل إسنادًا مباشرًا لجبهات تعز والضالع والبيضاء.
ما يميز جبهات محافظة لحج:
1- لحج تكاد تكون المحافظة الوحيدة التي تساند تعز عسكريًا وتواجه مليشيا الحوثي على خارطة قتالية كبرى تمتد من الحد شرقًا إلى باب المندب غربًا.
2- المواجهة المستميتة وعدم السماح للحوثي بإسقاط أي مديرية أو منطقة أو حتى جبل، لمنعه من الالتفاف على المقاومة في جبهات ثلاث محافظات.
3- جبهات لحج تخوض حربين في وقت واحد: حرب تأمين مؤخرة تعز والضالع والبيضاء، وحرب دفاع عن العاصمة عدن.
4- شهداء القوات الجنوبية في جبهات لحج من مختلف المحافظات الجنوبية.
5- إسناد قبائل الصبيحة وتقدمهم الصفوف الأمامية في مختلف خطوط التماس وتقديمهم التضحيات الجسيمة، وكذلك قبائل يافع وردفان والحواشب والعبادلة والعزيبة، دون أي ضجيج.
6- تتميز لحج باتساع خارطة المواجهة مع مليشيا الحوثي وتعدد جبهاتها وصمودها وعدم السماح للحوثي بإسقاط أي منطقة.
7- تمتد خارطة المواجهات من باب المندب غربًا، مرورًا بكهبوب والمضاربة والأغبرة وشريرة وطور الباحة وكرش وحمالة والمسيمير وقرين وعهامة، وصولًا إلى السر والحد يافع شرقًا.
هذه الجغرافيا القتالية الطويلة تجعل لحج أهم المحافظات في معادلة الدفاع عن الجنوب واستقرار المنطقة، فهي لا تدافع عن مناطقها فقط، بل تؤمّن خاصرة تعز من الجنوب وتشارك في حماية الطريق المؤدي إلى عدن.
لكن المفارقة المؤلمة أن المحافظة التي تتحمل كل هذه التضحيات ما زالت أكثر محافظة حرمانًا من المشاريع والخدمات ومواقع صناع القرار.
لحج المظلومة في مديرياتها تعاني من غياب مشاريع المياه، وتعيش بعض مناطقها أشهرًا من دون كهرباء، فيما يصل العجز في المعلمين في مدارسها إلى نسب كبيرة، فضلًا عن تهالك المستشفيات والمرافق الصحية وضعف الخدمات الأساسية.
حتى المشاريع الكبيرة التي ارتبط اسمها بلحج أصبحت في معظمها من الماضي؛ فجسر وادي بناء، الذي أنشأته الصين في ثمانينيات القرن الماضي، يكاد يكون من أبرز المشاريع الاستراتيجية التي بقيت شاهدة على مرحلة سابقة، بينما تحول مصنع الطماطم ومحلج القطن إلى قصة أخرى من قصص المشاريع التي انتهت بالنهب والتعطيل، بدلًا من أن تكون رافعة اقتصادية للمحافظة.
لحج محرومة في مراحل مختلفة؛ حُرمت في عهد دولة الجنوب قبل الوحدة، وحُرمت بعد غزو نظام صنعاء عام 1994م من المشاريع والخدمات، وتعرضت كوادرها للإقصاء ولعمليات اغتيال وتهميش واسعة بشكل ممنهج، ثم ظلت معاناتها قائمة في مراحل لاحقة، بما فيها فترة رئاسة عبدربه منصور هادي، وصولًا إلى مرحلة مجلس القيادة الرئاسي ورئيسه رشاد العليمي.
وحتى خلال سنوات دعم التحالف العربي، بقي السؤال قائمًا: لماذا لم تنل لحج نصيبًا يتناسب مع أهميتها وحجم تضحياتها وموقعها الاستراتيجي؟
المشكلة ليست في أن لحج تطلب امتيازًا على حساب بقية المحافظات، بل في أنها تطالب بحقها الطبيعي في التنمية والخدمات والاهتمام.
المحافظة التي تقدم أبناءها بعشرات الآلاف شهداء وجرحى في خطوط التماس، وتحمي طرق الجنوب، وفيها مضيق باب المندب وخليج عدن، وتساند جبهات تعز والبيضاء، ورأس حربة في تأمين العاصمة عدن، تستحق أن تجد الدولة حاضرة فيها بالماء والكهرباء والتعليم والصحة والطرق والمشاريع الاقتصادية.
لحج لم تكن فقيرة بالتضحيات، وإنما كانت فقيرة بالإنصاف.
واليوم، وبعد كل ما قدمته مديرياتها وقبائلها وأبناؤها في الجبهات، آن الأوان أن تتحول التضحيات إلى اهتمام، وأن يتحول الصمود إلى مشاريع، وأن تحصل لحج بكل مديرياتها على مكانتها التي تستحقها.
فهل حان الوقت لإنصاف لحج؟