أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 09:32 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​الصبيحة وكهبوب.. عندما يصبح الصمود عنوانًا للجنوب كله

    أحمد عبدالله المريسي




     حين نذكر الصبيحة، فإننا لا نذكر اسم قبيلة على الخريطة فحسب، بل نذكر قيمة وطنية راسخة وتاريخًا من الثبات لم يتبدل بتبدل الظروف. هناك، في الجبال الوعرة والوديان المفتوحة والسواحل الملتهبة، وفي خطوط النار المشتعلة في كهبوب وباب المندب وكرش والساحل الغربي، يقف اليوم رجال الصبيحة، شبابًا وشيوخًا، كما وقف آباؤهم من قبل، لا يملكون فائضًا من الإمكانيات، ولكنهم يملكون فائضًا من الإيمان والكرامة، يؤدون واجبًا وطنيًا مشروعًا دفاعًا عن الأرض والإنسان، في مواجهة مشروع مسلح أثبتت التجربة في كل المحافظات التي وصل إليها أنه لا يحمل مشروع بناء دولة ولا تعايش، بل خلّف الخراب والتهجير وتجنيد الأطفال ومصادرة الحقوق وتعطيل مؤسسات الحياة.

    إن ما يميز هذه اللحظة الفارقة أن رجال الصبيحة ليسوا وحدهم في الميدان. فإلى جانبهم اليوم إخوانهم ورفاقهم من كل المناطق الجنوبية، من عدن ولحج وأبين والضالع وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، ومن إخوانهم في الساحل الغربي وتعز، وكل الأحرار الذين آمنوا أن المعركة واحدة والمصير واحد. لقد ذابت الفوارق في خندق واحد، وتقاسموا اللقمة والدواء والجراح، وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تُروى بإنصاف: أن الجنوب اليوم موحد في الميدان بكل أبنائه، لا فرق بين منطقة وأخرى، فكلهم يدافعون عن عدن كما يدافعون عن بيوتهم، وكلهم يرون في صمود الصبيحة وكهبوب وكرش والساحل صمودًا لهم جميعًا.

    إن ما يجري في تلك الجبهات ليس صراعًا على تلة أو موقع عابر، بل هو دفاع مشروع عن حق المدنيين في الأمان والاستقرار، وعن استقرار الممرات الدولية في باب المندب الذي يهم اليمن والعالم، وعن فكرة الدولة والقانون والتعايش في مواجهة مشروع يقوم على الفرز والإلغاء. وقد أكدت التطورات الأخيرة، ومنها وصول القصف إلى أطراف البريقة في منطقة قعوة واشتداد المواجهات في كهبوب، أن الأمن كلٌّ لا يتجزأ، وأن ما يحدث هناك يمس أمن كل بيت في عدن ولحج وأبين وتعز والضالع.

    لذلك، فإن الواجب الوطني اليوم لا يحتمل التأجيل ولا المزايدة ولا التوظيف الضيق. واجب يتمثل في إسناد حقيقي منظم وشفاف، إسناد إنساني وطبي وإغاثي ومعنوي يحفظ كرامة المقاتل ويسند أسرته ويعالج جريحه ويكرم أسرة شهيده وفق الأطر القانونية والمؤسسية، وإسناد إداري وإعلامي تتكامل فيه جهود السلطات المحلية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والإعلام الوطني، بعيدًا عن العشوائية وردود الفعل المؤقتة، لأن التجارب علمتنا أن الدعم المنظم المستدام هو وحده الذي يصنع الفارق ويحوّل الصمود الفردي إلى قوة مؤسسية تحمي الجميع.

    تحية صادقة لكل مقاتل صبيحي مرابط في كهبوب والصبيحة وكرش والساحل، ولكل شاب جنوبي ترك أهله ليقف إلى جانب أخيه، وتحية لكل جريح ولكل أسرة شهيد قدمت فلذة كبدها دفاعًا عن حق الجميع في الحياة الكريمة. أنتم لا تدافعون عن جغرافيا ضيقة، أنتم تدافعون عن حق اليمنيين جميعًا في أن يعيشوا أحرارًا في ظل دولة قانون ومؤسسات تحترم الجميع. وما تسطرونه اليوم سيبقى في ذاكرة الأجيال دليلًا على أن هذا الشعب، حين تتوحد إرادته، لا يمكن كسره، وأن الجنوب الذي قدم قوافل الشهداء سيظل عصيًا على كل المشاريع الدخيلة مهما بلغت قوتها.

    إن أقل ما يمكن أن نقدمه لكم هو أن نكون على قدر تضحياتكم، وأن نحفظ عهدكم بالعمل لا بالقول، وأن نجعل من جبهات الصبيحة وكهبوب والساحل عنوانًا للتلاحم الوطني الذي يحترمه الداخل والخارج، فبكم ينتصر الوطن، وبصمودكم يُحفظ المستقبل.

المزيد من مقالات (أحمد عبدالله المريسي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال