يسهل على السياسي أن يطلب من الناس الصبر، وأن يعدهم بمستقبل أفضل. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يقف أمامهم ليقول إن بعض الوعود لم يعد قابلًا للتحقيق، وإن السياسات التي اعتادها الناس لم تعد تصلح، وإن الخروج من الأزمة يتطلب قرارات صعبة ووقتاً أطول مما قيل لهم.
هذه هي الصراحة السياسية التي نفتقدها ليس في بلادنا فحسب، بل في كثير من بلداننا العربية. ففي مواجهة البطالة وتراجع الخدمات وضعف المؤسسات، تُقدَّم أحيانًا تفسيرات مريحة: كل مشكلة سببها الخارج، نحن نعيش حاة حرب، وكل إخفاق هو مؤقت، وكل مشروع جديد سيحدث تحولًا قريبًا. وقد يكون للعوامل الخارجية أثر فعلي، لكن الاعتراف بها لا يعفي أصحاب القرار من توضيح ما يستطيعون فعله، وما عجزوا عنه، ولماذا.
الصراحة لا تعني بث اليأس، ولا تعني إلقاء المسؤولية على المواطنين. إنها تبدأ بنشر صورة مفهومة للواقع: ما حجم المشكلة؟ ما الموارد والقدرات المتاحة؟ ما الخيارات المطروحة، وما كلفة كل خيار؟ ثم تحديد أهداف يمكن قياسها، ومواعيد لمراجعة التقدم، ومسؤوليات واضحة لمن يتخذ القرار وينفذه.
وفي مجتمعات أنهكتها الحروب والأزمات، تصبح المصارحة أكثر إلحاحًا. فمن غير المنصف أن يُوعَد الناس بإصلاح شامل وفوري، بينما المدارس تحتاج إلى معلمين، والمستشفيات إلى تجهيزات، والإدارة العامة إلى استعادة قدرتها على العمل. ومن غير المسؤول أيضًا الاستمرار في سياسات ثبت عجزها، خشية الاعتراف بالخطأ أو فقدان التأييد.
غير أن الصراحة لا تكتسب قيمتها بمجرد خطاب شجاع. فإذا أعلن المسؤول أن النهج القديم فشل، ثم أبقى الأشخاص أنفسهم وآليات القرار نفسها، تحولت المصارحة إلى وسيلة جديدة لتأجيل التغيير. ولكي يصدّق الناس ما يسمعون، يجب أن يروا مراجعة للقرارات، ومحاسبة على الإخفاق، وفرصة حقيقية للمختصين والمجتمع للمشاركة في رسم البدائل.
قد يخشى السياسي أن يدفع ثمن قول الحقيقة. لكن استمرار الوعود التي يعرف الناس أنها لن تتحقق يفرض ثمنًا أكبر: تآكل الثقة، واتساع المسافة بين الدولة والمجتمع، وضعف الاستعداد لتحمل صعوبات الإصلاح. فالمواطن يستطيع أن يتفهم بطء التقدم إذا عرف أسبابه ورأى جهدًا جادًا لتجاوزها؛ أما الغموض وتبدّل التبريرات فيقضيان على الثقة قبل أن تأتي النتائج.









