الخميس, 13 أغسطس 2026
167
كلما أزور بلدي الأم، أحمل معي أملاً كبيراً بأن أجد شيئاً قد تغيّر إلى الأفضل؛ أن أرى تحسناً في حياة الناس، وفي الخدمات، والأمن والاستقرار، والصحة والتعليم، وأن أشعر بأن سنوات المعاناة الطويلة بدأت تنحسر، ولو قليلاً.
لكنني، وللأسف، في كل زيارة أجد وطني يتراجع خطوة أخرى إلى الخلف، وأجد المواطن هو من يدفع الثمن الأكبر.
في رحلتي الأخيرة، لم أكن أبحث عن الصورة السياسية من خلف المكاتب أو عبر شاشات التلفاز، بل حاولت أن أرى الوطن كما يراه المواطن البسيط في حياته اليومية: في الشارع، والسوق، والمستشفى، ومحطة الوقود، وفي تفاصيل الحياة التي أصبحت معركة يومية من أجل الحصول على أبسط الحقوق.
وأثناء تجوالي، استوقفتني طوابير طويلة أمام محطات الوقود، ينتظر فيها الناس الحصول على غاز السيارات والغاز المنزلي. مشهد مؤلم في بلد يفترض أن توفير الوقود والغاز والكهرباء والمياه فيه من أبسط واجبات الدولة، لا أن تتحول هذه الضروريات إلى أمنيات ينتظرها المواطن بالساعات وربما بالأيام.
وليست المشكلة في الغاز أو الوقود وحدهما؛ فالأزمة أعمق بكثير. إنها أزمة دولة وإدارة ومسؤولية وضمير.
الكهرباء غائبة أو متقطعة، والمياه معاناة، والصحة والتعليم يتراجعان، والغلاء يطحن الأسر، والراتب ـ إن وصل ـ لم يعد يكفي لتوفير أساسيات الحياة. وفي مقابل كل ذلك، يعيش المواطن حالة من عدم اليقين، لا يعرف ماذا يحمل له الغد.
والأخطر من تراجع الخدمات هو ما أصاب منظومة القيم والأخلاق. فالأوطان لا تُبنى بالكهرباء والطرقات والمباني وحدها، بل تُبنى قبل ذلك بالضمير، واحترام القانون، والشعور بالمسؤولية، والرحمة بالناس، والحفاظ على المال العام وحقوق المواطنين.
عندما يغيب الضمير، يصبح الفساد أمراً عادياً، ويتحول المنصب من مسؤولية إلى امتياز، وتضيع حقوق الناس بين المكاتب والمؤسسات، ويصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في وطنه.
ومنذ عام 2015، عاش اليمن حالة استثنائية بكل المقاييس. حرب وانقسام وتشظٍّ للمؤسسات، وحكومة ظلت في فترات طويلة بعيدة عن الداخل ومعاناة المواطنين. ولا يمكن إدارة بلد منكوب بالحرب من الخارج، ولا يمكن معرفة حجم الألم الحقيقي للناس من التقارير والاجتماعات والفنادق.
المسؤول الحقيقي يجب أن يكون بين الناس؛ يرى ما يرونه، ويسمع ما يقولونه، ويقف في المكان الذي يقفون فيه. فالحكومة ليست أسماءً ومناصب وحقائب وزارية، وإنما مسؤولية أمام شعب أنهكته الحرب والفقر والنزوح وغياب الخدمات.
لقد دفع اليمنيون ثمناً باهظاً لصراع طال أكثر مما ينبغي. خسرنا أرواحاً، واقتصاداً، ومؤسسات، وتعليماً، وأجيالاً كاملة من الشباب وجدت نفسها بين البطالة والهجرة والحرب. والأكثر إيلاماً أننا بدأنا نخسر شيئاً أخطر: ثقة المواطن بالدولة وبالمستقبل.
ومع ذلك، فإنني لا أكتب هذه الكلمات من باب اليأس، وإنما من باب الألم والمسؤولية.
هذا الوطن يستحق أفضل مما هو عليه اليوم، وهذا الشعب الذي تحمّل ما لا تتحمله شعوب كثيرة يستحق دولة تحترم كرامته، وتوفر له الأمن والكهرباء والمياه والغاز والدواء والتعليم، وتحفظ له حقه في أن يعيش حياة كريمة في أرضه.
اليمن لا تنقصه الثروات، ولا الرجال، ولا العقول والكفاءات. ما ينقصه هو مشروع وطني صادق، وإدارة مسؤولة، ومؤسسات تعمل بعيداً عن المحاصصة والفساد والمصالح الضيقة، وقيادة تضع معاناة المواطن فوق حسابات الأحزاب والجماعات والأشخاص.
في رحلتي الأخيرة عدت مثقلاً بالحزن، لكنني لم أفقد الأمل.
سيظل اليمن وطننا مهما قست عليه الأيام، وستظل مسؤوليتنا جميعاً أن نقول الحقيقة، لا أن نتعايش مع الخطأ حتى يصبح طبيعياً.
إن أول طريق الإنقاذ يبدأ من استعادة الدولة، واستعادة هيبة القانون، وإعادة الاعتبار للإنسان اليمني وكرامته.
فالأوطان قد تتحمل الفقر ونقص الإمكانات زمناً، لكنها لا تستطيع أن تتحمل طويلاً انعدام الضمير وانهيار الأخلاق وغياب المسؤولية.
وما رأيته في رحلتي الأخيرة جعلني أكثر يقيناً بأن معركتنا الحقيقية ليست فقط من أجل السلطة أو الأرض، بل من أجل إعادة بناء الدولة والإنسان معاً.