ليست شبوة مجرد محافظة نفطية، وليست مجرد رقعة جغرافية واسعة على خارطة الجنوب، بل هي مشروع دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فموقعها الاستراتيجي المطل على البحر العربي، وثرواتها النفطية والغازية والمعدنية، ومساحتها الشاسعة، وعمقها القبلي، يجعل منها العمود الفقري الأمني والاقتصادي للبلاد، وإحدى أهم البوابات الاستراتيجية في المنطقة.

ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يثير الاستغراب : لماذا ظلت شبوة مهمشة طوال العقود الماضية ؟ ولماذا لم تحظَ بالمكانة التي تستحقها الآن ، رغم أنها تمتلك من المقومات ما يجعلها قاطرة للتنمية ومركزًا للطاقة والصناعة والأمن البحري؟

اليوم، وفي ظل وجود محافظ وقائد شبواني مخضرم يمتلك الخبرة والرؤية، تبدو الفرصة سانحة لطي صفحة الإهمال، والانتقال إلى مرحلة صناعة المستقبل. فالنهوض بشبوة ليس مطلبًا مناطقيًا، بل ضرورة وطنية واستراتيجية، لأن قوة شبوة ستنعكس على المنطقة كلها، وستفتح آفاقًا اقتصادية وأمنية غير مسبوقة.

لقد حان الوقت لوضع حجر الأساس لمشروع تنموي استراتيجي، يبدأ بإنشاء منطقة عسكرية مستقلة تؤمن المحافظة وسواحلها ومنشآتها الحيوية، ويتزامن مع إنشاء كلية بحرية متكاملة تؤهل كوادر بحرية قادرة على حماية البحر العربي وخطوط الملاحة الدولية.

كما أن المرحلة تتطلب تأسيس شركات وطنية للتنقيب عن النفط والغاز، وإنشاء مدينة صناعية للبتروكيماويات لتحويل الثروة الخام إلى صناعات ذات قيمة مضافة، بدلًا من تصديرها بصورة أولية.

ولا يقل أهمية عن ذلك إنشاء مدينة للطاقة تكون نواة لمشروعات الغاز والطاقة الشمسية، مع تصميمها لتستوعب مستقبلاً مشاريع الطاقة النووية السلمية عندما تتهيأ الظروف والإمكانات، لتصبح شبوة مركزًا إقليميًا للطاقة بمختلف مصادرها.

ويمكن أن تكتمل هذه الرؤية بإنشاء مناطق اقتصادية حرة، وموانئ حديثة، ومراكز لوجستية، ومجمعات صناعية، ومدن تقنية، ومعاهد وجامعات متخصصة، بما يحول شبوة إلى بيئة جاذبة لرؤوس الأموال والاستثمارات الإقليمية والدولية.

إن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم فرصة استراتيجية نادرة لصناعة قصة نجاح كبرى في شبوة، عبر تحييدها عن الصراعات، وتحويلها إلى منصة للاستقرار والتنمية والشراكة الاقتصادية. فشبوة ليست ساحة نزاع ينبغي استنزافها، بل ركيزة استقرار ينبغي البناء عليها.

إن أي استثمار سعودي في شبوة لن يكون مجرد مشروع تنموي، بل سيكون استثمارًا في أمن البحر العربي، وأمن الطاقة، وسلامة خطوط التجارة الدولية، وتعزيز العمق الاستراتيجي للمملكة ودول الخليج، وخلق شريك اقتصادي قوي على الضفة المقابلة للجزيرة العربية.

إن بناء شبوة على هذا الأساس سيخلق نموذجًا تنمويًا خليجيًا جديدًا، وستتحول المحافظة إلى مركز اقتصادي وصناعي ولوجستي، ينافس كبرى المدن الساحلية في المنطقة، ويصبح نقطة ارتكاز للمشاريع العملاقة لعقود قادمة.

لقد آن الأوان لأن تخرج شبوة من دائرة التهميش، وأن تُعامل باعتبارها القلب النابض للتنمية، والعمود الفقري للأمن والاقتصاد، والمفتاح الحقيقي لمستقبل الجنوب واستقرار المنطقة بأسرها. فالأمم لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالرؤية، والإرادة، والاستثمار في الجغرافيا التي تصنع المستقبل... وشبوة هي جغرافيا المستقبل.