> الدكتور سعيد شرياف:
هناك فقرٌ لا تراه العيون، ولا ترصده الإحصاءات، ولا تعكسه تقارير الاقتصاد. إنه الفقر الذي يصيب الروح حين تفقد قدرتها على الحلم، ويصيب العقل حين يعجز عن تصور غدٍ أفضل، ويصيب الإنسان حين يستسلم لفكرة أن واقعه الصعب هو قدره الأخير، وأن التغيير لم يعد ممكنًا.
أما الفقر المادي، على قسوته، فلم يكن يومًا نهاية الطريق. فقد عرفت أمم كثيرة العوز والحروب والانهيار، لكنها استطاعت أن تستعيد مكانتها لأنها امتلكت ما هو أثمن من الثروة: الإيمان بالمستقبل، والإرادة التي تحول المحنة إلى بداية جديدة.
وتشهد تجارب التاريخ على ذلك بوضوح. فقد نهضت اليابان من دمار الحرب العالمية الثانية، وأعادت ألمانيا بناء دولتها بعد أن كانت مدنها ركامًا، وتحولت كوريا الجنوبية خلال عقود قليلة من دولة أنهكتها الحرب والفقر إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الصناعية والتقنية في العالم.
أما سنغافورة، فقد قدمت واحدًا من أكثر النماذج إلهامًا في العصر الحديث. فعندما استقلت عام 1965 كانت دولة صغيرة محدودة الموارد، تواجه البطالة والانقسامات الاجتماعية، لكنها أدركت أن الثروة الحقيقية لا تكمن فيما تختزنه الأرض، بل فيما تختزنه عقول البشر. فاستثمرت في التعليم، وسيادة القانون، والإدارة الكفؤة، حتى أصبحت نموذجًا عالميًا في التنمية والحوكمة.
ولا خلاف على أن المال ضرورة من ضرورات الحياة وركيزة من ركائز كرامة الإنسان، لكنه وحده لا يصنع نهضة. فالثروات قد تُهدر، والموارد قد تنضب، أما الأفكار التي تمنح المجتمع هدفًا، والقيم التي تدفعه إلى العمل، فهي التي تصنع التحولات الكبرى.
ولذلك لم تكن أزمة كثير من المجتمعات يومًا في قلة الإمكانات وحدها، بل في غياب المشروع الجامع، وضعف الإدارة، وتراجع الثقة بالقدرة على التغيير.
ولعل ما قرره ابن خلدون قبل أكثر من ستة قرون ما يزال حاضرًا حتى اليوم؛ فقد ربط ازدهار العمران بقيام العدل، وحسن إدارة شؤون الناس، لا بمجرد وفرة المال. فالعدل يصنع الاستقرار، والاستقرار يطلق طاقات المجتمع، ومن هنا تبدأ النهضة.
ولهذا فإن أخطر ما قد يصيب أي مجتمع ليس الفقر، بل فقدان الثقة بالنفس. فعندما يتحول اليأس إلى ثقافة، والاستسلام إلى قناعة، يصبح المستقبل امتدادًا للحاضر، وتفقد المجتمعات قدرتها على النهوض.
وفي الجنوب، كما في غيره من المجتمعات التي أنهكتها الأزمات، يعيش الناس ظروفًا قاسية، ويكافح كثيرون من أجل تأمين أبسط متطلبات الحياة. ومع ذلك، لا يزال الأمل حاضرًا في وجدان الناس، ولا يزال كثيرون يتطلعون إلى مستقبل أكثر عدلًا وكرامة.
وبغض النظر عن اختلاف الرؤى السياسية، فإن وجود الحلم في حد ذاته يظل تعبيرًا عن حاجة إنسانية عميقة؛ فكل مجتمع يحتاج إلى أفق يلتف الناس حوله، وإلى قناعة بأن التضحيات يمكن أن تثمر واقعًا أفضل.
غير أن الأحلام لا تتحقق بقوة العاطفة وحدها، بل تتحقق عندما تتحول إلى مشروع يقوم على العلم، والعمل، والأخلاق، واحترام الإنسان.
وأيًا كان الطريق الذي تختاره الشعوب لمستقبلها، فإن نجاح أي مشروع وطني لا يُقاس بقوة الشعارات، بل بقدرته على ترسيخ سيادة القانون، وبناء مؤسسات كفؤة، وإطلاق طاقات المجتمع، وجعل الإنسان محور التنمية وغايتها.
فالأوطان لا تُبنى بالغضب وحده، ولا بالأماني وحدها، وإنما بالعقول التي تخطط، والأيدي التي تعمل، والضمائر التي تدرك أن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع.
لقد علمتنا تجارب الأمم أن الفقر قد يؤخر مسيرتها، لكنه لا يمنع نهضتها إذا امتلكت الوعي والإدارة الرشيدة والإرادة. أما فقدان الحلم، فهو الذي يحول العجز إلى استسلام، والظروف إلى قيود دائمة.
فالحلم ليس ترفًا للشعوب، بل هو الثروة الأولى التي تسبق المال، والشرارة التي تسبق النهضة، والبذرة التي تنبت منها المشاريع الكبرى.
ومن يملك حلمًا صادقًا، مقرونًا بالعلم، والعمل، والأخلاق، يملك القدرة على صناعة المستقبل.
فليس الفقر أن تفتقر إلى المال…
بل أن تفقد القدرة على الحلم
أما الفقر المادي، على قسوته، فلم يكن يومًا نهاية الطريق. فقد عرفت أمم كثيرة العوز والحروب والانهيار، لكنها استطاعت أن تستعيد مكانتها لأنها امتلكت ما هو أثمن من الثروة: الإيمان بالمستقبل، والإرادة التي تحول المحنة إلى بداية جديدة.
وتشهد تجارب التاريخ على ذلك بوضوح. فقد نهضت اليابان من دمار الحرب العالمية الثانية، وأعادت ألمانيا بناء دولتها بعد أن كانت مدنها ركامًا، وتحولت كوريا الجنوبية خلال عقود قليلة من دولة أنهكتها الحرب والفقر إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الصناعية والتقنية في العالم.
أما سنغافورة، فقد قدمت واحدًا من أكثر النماذج إلهامًا في العصر الحديث. فعندما استقلت عام 1965 كانت دولة صغيرة محدودة الموارد، تواجه البطالة والانقسامات الاجتماعية، لكنها أدركت أن الثروة الحقيقية لا تكمن فيما تختزنه الأرض، بل فيما تختزنه عقول البشر. فاستثمرت في التعليم، وسيادة القانون، والإدارة الكفؤة، حتى أصبحت نموذجًا عالميًا في التنمية والحوكمة.
ولا خلاف على أن المال ضرورة من ضرورات الحياة وركيزة من ركائز كرامة الإنسان، لكنه وحده لا يصنع نهضة. فالثروات قد تُهدر، والموارد قد تنضب، أما الأفكار التي تمنح المجتمع هدفًا، والقيم التي تدفعه إلى العمل، فهي التي تصنع التحولات الكبرى.
ولذلك لم تكن أزمة كثير من المجتمعات يومًا في قلة الإمكانات وحدها، بل في غياب المشروع الجامع، وضعف الإدارة، وتراجع الثقة بالقدرة على التغيير.
ولعل ما قرره ابن خلدون قبل أكثر من ستة قرون ما يزال حاضرًا حتى اليوم؛ فقد ربط ازدهار العمران بقيام العدل، وحسن إدارة شؤون الناس، لا بمجرد وفرة المال. فالعدل يصنع الاستقرار، والاستقرار يطلق طاقات المجتمع، ومن هنا تبدأ النهضة.
ولهذا فإن أخطر ما قد يصيب أي مجتمع ليس الفقر، بل فقدان الثقة بالنفس. فعندما يتحول اليأس إلى ثقافة، والاستسلام إلى قناعة، يصبح المستقبل امتدادًا للحاضر، وتفقد المجتمعات قدرتها على النهوض.
وفي الجنوب، كما في غيره من المجتمعات التي أنهكتها الأزمات، يعيش الناس ظروفًا قاسية، ويكافح كثيرون من أجل تأمين أبسط متطلبات الحياة. ومع ذلك، لا يزال الأمل حاضرًا في وجدان الناس، ولا يزال كثيرون يتطلعون إلى مستقبل أكثر عدلًا وكرامة.
وبغض النظر عن اختلاف الرؤى السياسية، فإن وجود الحلم في حد ذاته يظل تعبيرًا عن حاجة إنسانية عميقة؛ فكل مجتمع يحتاج إلى أفق يلتف الناس حوله، وإلى قناعة بأن التضحيات يمكن أن تثمر واقعًا أفضل.
غير أن الأحلام لا تتحقق بقوة العاطفة وحدها، بل تتحقق عندما تتحول إلى مشروع يقوم على العلم، والعمل، والأخلاق، واحترام الإنسان.
وأيًا كان الطريق الذي تختاره الشعوب لمستقبلها، فإن نجاح أي مشروع وطني لا يُقاس بقوة الشعارات، بل بقدرته على ترسيخ سيادة القانون، وبناء مؤسسات كفؤة، وإطلاق طاقات المجتمع، وجعل الإنسان محور التنمية وغايتها.
فالأوطان لا تُبنى بالغضب وحده، ولا بالأماني وحدها، وإنما بالعقول التي تخطط، والأيدي التي تعمل، والضمائر التي تدرك أن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع.
لقد علمتنا تجارب الأمم أن الفقر قد يؤخر مسيرتها، لكنه لا يمنع نهضتها إذا امتلكت الوعي والإدارة الرشيدة والإرادة. أما فقدان الحلم، فهو الذي يحول العجز إلى استسلام، والظروف إلى قيود دائمة.
فالحلم ليس ترفًا للشعوب، بل هو الثروة الأولى التي تسبق المال، والشرارة التي تسبق النهضة، والبذرة التي تنبت منها المشاريع الكبرى.
ومن يملك حلمًا صادقًا، مقرونًا بالعلم، والعمل، والأخلاق، يملك القدرة على صناعة المستقبل.
فليس الفقر أن تفتقر إلى المال…
بل أن تفقد القدرة على الحلم
















