​تنطلق معظم دوريات العالم لكرة القدم هذا الأسبوع، وكأنها تعلن بداية عامٍ رياضي جديد، يقابله عامٌ دراسي جديد. فكما ينتظر الطلاب أجراس المدارس ودفاترهم الجديدة، ينتظر عشاق الكرة صافرة البداية، وعودة الملاعب إلى صخبها، وعودة عطلة نهاية الأسبوع إلى طقوسها المعتادة.

وبين صافرة إنذارٍ توقظ الخوف في مكان، وصفارة حكمٍ تعلن بداية مباراة في مكان آخر، يبدو العالم وكأنه يعيش بين صوتين متناقضين: أحدهما يدعونا إلى الاحتماء، والآخر يدعونا إلى الفرح.

ولكرة القدم، في هذا الزمن المثقل بالأحداث، وظيفة تتجاوز حدود الرياضة. فقد أصبحت متابعة الدوريات العالمية والعربية، بالنسبة إلى كثيرين، متنفسًا إنسانيًا ومساحة صغيرة للفرح، وسط عالم تتشابك فيه الحروب والصراعات، وتتزايد فيه الضغوط الاقتصادية، بينما تواصل الأسعار ارتفاعها وتثقل كاهل الحياة اليومية.

ولعل صيف هذا العام كان أكثر قسوة من المعتاد؛ فالحرارة أثقلت الأيام، وغابت المستديرة عن الملاعب، لكن الشاشات بقيت مفتوحة على مدار الساعة، تنقل صور الحروب والدمار وتفاصيل الأزمات المتلاحقة، حتى بدا الإنسان عالقًا أمام سيل متواصل من الأحداث، يتابعها وينتظر الخبر التالي.

في اليمن، مرّت أحد عشر عامًا من الحرب، قابلها أحد عشر موسمًا كرويًا، انتهت خلالها دوريات وبطولات، وعرفنا من فاز ومن خسر. أما «دوري الحرب» في اليمن، فما زال مفتوحًا؛ لم تُطلق صافرة نهايته بعد، ولم نعرف المنتصر، لكننا عرفنا جميعًا ثمن الخسارة... وبقيت الحياة هي الغائب الأكبر.

ثم تعود كرة القدم.
تعود معها الملاعب إلى أضوائها، والجماهير إلى مدرجاتها، والمعلقون إلى أصواتهم، والمقاهي إلى نقاشاتها حول اللقب والمدرب والنجوم. وقد تبدو هذه الأسئلة بسيطة أمام ما يجري في العالم، لكنها تمنح الملايين مساحة صغيرة للفرح، ولنسيان هموم الأيام للحظات.

وهنا تكمن قوة كرة القدم؛ فهي لا توقف حربًا، ولا تخفض سعر سلعة، ولا تعيد اقتصادًا منهارًا إلى عافيته، لكنها تمنح الناس شيئًا لا يقل أهمية: استراحة قصيرة من ثقل الواقع.

مساحة للحديث عن شيء آخر غير الحرب، ولحظة فرح قد تأتي من تمريرة، أو هدف، أو تصدٍّ رائع.

ليس المطلوب أن نهرب من الواقع أو نتجاهل مآسيه وأوجاعه. فالألم موجود، والذين يعيشون الحروب والأزمات لا يستطيعون إغلاق أبواب الواقع بمجرد انطلاق مباراة. لكن الإنسان، مهما كان حجم ما يحيط به من أزمات، يحتاج إلى لحظة يتنفس فيها.

وكرة القدم تمنحه تلك اللحظة.
لذلك، عندما تنطلق صافرة البداية، لن تكون مجرد إشارة إلى بدء مباراة جديدة، بل تذكيرًا صغيرًا بأن الحياة، رغم كل ما يثقلها، ما زالت قادرة على أن تمنحنا شيئًا من الفرح.
أهلًا بعودة المستديرة... وأهلًا بعودة شيء من الحياة.