بعد أكثر من عقد من الحرب، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغل اليمنيين: من سينتصر؟ بل كيف نوقف الحرب ونمنع تكرارها بعد خمس أو عشر سنوات؟ فما يحتاجه اليمن ليس انتصار طرف وهزيمة آخر، بل سلام دائم يعيد بناء الدولة ويحفظ كرامة الإنسان.
ما أطرحه هنا ليس خطة تفصيلية نهائية، وإنما ملامح وبنود عامة أعتقد أنها يمكن أن تشكل أساسًا لخطة سلام شاملة، على أن تحتاج كل نقطة منها إلى نقاش وآليات تنفيذ وضمانات واضحة.
البداية تكون باتفاق سلام دائم ووقف شامل لإطلاق النار، وفتح الطرق والمطارات والموانئ، وفصل الملفات الإنسانية والاقتصادية عن الصراع السياسي، ومعالجة المرتبات والأسرى والمعتقلين والخدمات الأساسية.
بعد ذلك تبدأ مرحلة انتقالية محددة بعامين، تُشكّل خلالها حكومة وطنية جامعة بمشاركة مختلف القوى والمكونات، رجالًا ونساءً، مهمتها توحيد مؤسسات الدولة وإعادة بناء الاقتصاد وتهيئة البلاد للانتخابات.
ومن أهم مهام هذه الحكومة حصر السلاح وجمعه من جميع القوى والتشكيلات المسلحة دون استثناء، وإعادة بناء الجيش والأمن على أسس وطنية ومهنية، بحيث يصبح السلاح المنظم حصرًا بيد الدولة. فلا يمكن إجراء حوار وطني متكافئ بينما تجلس الأطراف إلى الطاولة وكل جهة تحتفظ بسلاحها وجيشها.
وتزداد خطورة السلاح عندما يقترن بمشروع ديني أو أيديولوجي يعتبر نفسه صاحب الحق المطلق في الحكم. ومن حق الإسلاميين والليبراليين واليساريين والقوميين والمستقلين وغيرهم المشاركة في السياسة، لكن لا يحق لأي منهم فرض أفكاره بالقوة. القاعدة يجب أن تكون: الفكرة تواجه بالفكرة، والصندوق بالصندوق، والسلاح للدولة وحدها.
وفي هذا الإطار، ينخرط الحوثيون في الحياة السياسية كحزب أو مكون سياسي، لهم ما لغيرهم وعليهم ما عليهم، وليس كسلطة مسلحة فوق الدولة. وينطبق المبدأ نفسه على جميع الأطراف.
وفي مقدمة ملفات المرحلة الانتقالية تأتي القضية الجنوبية. يجب فتح حوار جاد حولها وحول شكل الدولة، بما في ذلك خيارات الدولة الاتحادية أو اللامركزية الواسعة، وصولًا إلى صيغة عادلة لتوزيع السلطة والثروة تحترم إرادة المواطنين.
ولا معنى للسلام إذا غاب الإنسان عنه. يجب حماية حقوق الإنسان والحريات العامة، ووقف الاعتقالات والانتهاكات خارج القانون، وضمان مشاركة المرأة، وحماية المهمشين والأقليات والمكونات الدينية والاجتماعية، ومنها الإسماعيليون والبهرة واليهود وغيرهم، باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
وأضع أطفال اليمن في مقدمة هذه الحقوق. يجب تجريم تجنيد الأطفال والزج بهم في الجبهات، وإنهاء المعسكرات والبرامج التي تستغلهم في التعبئة العسكرية أو الأيديولوجية والدينية المرتبطة بالصراع. مكان الطفل المدرسة والأسرة، وليس الجبهة أو المعسكر.
كما أن السلام يحتاج إلى إعادة إعمار وجبر للأضرار. وأرى أن على السعودية، باعتبارها طرفًا رئيسيًا خلال سنوات الحرب، أن تتحمل دورًا كبيرًا في دعم إعادة إعمار اليمن، إلى جانب دول الخليج والمجتمع الدولي، مع تحمل الأطراف اليمنية مسؤولياتها، وبآليات شفافة تمنع تحول أموال الإعمار إلى فساد جديد.
وبعد عامين، وبعد حصر السلاح وتهيئة المؤسسات والبيئة السياسية، تعود الكلمة إلى الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة. فمن يريد حكم اليمن، حوثيًا، مؤتمري، إصلاحي أو اشتراكي كان أو غيره، فعليه أن يصل بصوت المواطن لا بفوهة البندقية.
* رئيس الجالية اليمنية - مقاطعة برتش كولمبيا - كندا














