السؤال حول: «ما الذي سيكون على أهل الجنوب فعله في مواجهة الوضع الحالي وأي أخطار قادمة؟» لا يحتاج إلى كثير من التنظير، فالمسألة في جوهرها تتعلق بضرورة الجاهزية، والتلاحم السياسي والعسكري، واستعادة القوات الجنوبية زخمها المعهود، وعودة القيادات إلى الداخل.

أما التفاصيل فتحتاج إلى أكثر من ذلك، ولا يمكن التعامل معها بفاعلية إلا بتفهم الجميع وإحساسهم بالمسؤولية، إلى جانب مراجعة جادة من الراعي الإقليمي لطريقة تعامله مع الملف الجنوبي، وتلك، لو تعلمون، هي العقدة الأكبر.

فبينما تواصل الشرعية، كعادتها، خوض معاركها في الإعلام أكثر مما تخوضها في الميدان، أو البحث عن شماعات تعلق عليها انكساراتها المتكررة، يُظهر أنصار الله قدرات عسكرية منظمة، وقوة صاروخية ومسيّرة، ونفوذًا شبه كامل في الشمال. وقد أثبتت التطورات الأخيرة أنهم قادرون على إدارة المواجهة بكفاءة عالية، وإذا تمكنوا من تعزيز وجودهم على الساحل الغربي وفي محيط باب المندب، فإن ذلك سيضع محافظات الجنوب أمام واقع أمني واستراتيجي أكثر تعقيدًا.

السيطرة على كامل الجنوب لا تمثل هدفًا معلنًا لأنصار الله في الوقت الراهن، لكن من غير الحكمة استبعاد ذلك، بل إن محاولة التمدد جنوبًا تبدو احتمالًا واردًا بقوة متى ما تهيأت الظروف العسكرية والسياسية المناسبة.

ولهذا يتعين على الأشقاء إجراء مراجعات فورية وجادة، فمصالحهم الأمنية لا تتوقف عند حدود حضرموت والمهرة، ولا يمكن ضمان أمن هاتين المحافظتين بمعزل عن استقرار الجنوب وتماسكه. فأي تمدد لأنصار الله نحو الجنوب قد يبدأ من الشرق، وهذه ليست مجرد فرضية يمكن تجاهلها. وتجربة حرب 1994 تستحق المراجعة لما تحمله من دروس حول سرعة تغير موازين القوى وانكشاف الجبهات عندما تضعف منظومة الدفاع ويختل الترابط بين مناطق الجنوب.

ومن هنا، لا تبدو في الظرف الراهن قوة قادرة على تشكيل ثقل عسكري موحد في الجنوب بقدر القوات الجنوبية نفسها، لكنها تحتاج إلى استعادة زخمها السابق، وإصلاح ما أفسدته الشهور الماضية منذ يناير، وإعادة بناء تماسكها وقدرتها على الحركة والمواجهة.

القضية اليوم لم تعد مجرد صراع على النفوذ أو المواقع، بل أصبحت مرتبطة بالمحافظة على الجنوب نفسه، خصوصًا بعد خروج قوة عسكرية كبيرة ومؤثرة من الساحل الغربي. فالحرب مرشحة للاستمرار، وموازين القوى تتحرك من جديد، وما يبدو اليوم بعيداً قد يصبح غدًا جبهة مواجهة مباشرة.

إن عودة قيادات المجلس الانتقالي، وكل القيادات المدنية والعسكرية الجنوبية بأطيافها المختلفة، وتوحيد الصف الجنوبي سياسيًا وعسكريًا، لم يعد ترفًا ولا خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة وما تحمله من مخاطر قادمة.

صحيح أن هناك «سلطة شرعية» ووزارة دفاع، لكن التجربة تؤكد، مرة بعد أخرى، أن الأداء والعقيدة العسكرية يظلان مختلفين مهما تغير الخطاب، والساحل الغربي ليس سوى آخر الدروس القاسية وآخر العبر. وإذا اتجه أنصار الله جنوبًا، فلن يكون في مقدمة من يقف في وجههم سوى أبناء الأرض، كما أثبتت تجارب كثيرة.