> المخا «الأيام» خاص:

​نشر مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، أمس، تقريرًا بشأن التداعيات الاقتصادية لتوسع رقعة سيطرة جماعة الحوثي في اليمن ووصولهم إلى مضيق باب المندب.
  • وفيما يلي نص التقرير:
في العاشر من سبتمبر، دخلت جماعة الحوثي مدينة المخا وسيطرت على مينائها على البحر الأحمر، وفي اليوم التالي بلغوا مديرية ذباب المقابلة لجزيرة ميون، ثم وصلت قوارب مسلحة إلى الجزيرة نفسها بعد انسحاب القوات الحكومية منها، بالتزامن مع سيطرتهم على أرخبيل حنيش وجزيرة زُقر.

وقيمة ميون تحديدًا أنها تقسم المضيق إلى قناتين، فمن يضع قدمه عليها يملك عمليًا القرار في الممر الصالح للسفن، وهذا يعني أن قدرة الحوثيين تغيّرت في طبيعتها لا في حجمها فقط؛ كانوا يمتلكون سلاحًا يهدد السفن من بعيد، وأصبحوا اليوم يمتلكون موقعًا يتيح لهم إيقافها وتفتيشها. أسواق التأمين تتعامل مع الحالتين بشكل مختلف تمامًا، فاحتمال الإصابة بصاروخ خطر يمكن حسابه وتغطيته، أما احتمال الاحتجاز والاحتكاك الإجباري فتغطيته أصعب وقسطه أعلى بكثير.

ويضاعف التوقيت من وقع الحدث، فبعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز إغلاقًا شبه كلي عقب حربها مع الولايات المتحدة في 28 فبراير 2026، اضطرت السعودية إلى الاعتماد على منافذ البحر الأحمر في تصدير نفطها، وأصبحت الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر ركيزة متنامية لحركة الواردات والصادرات السعودية ولعدد من دول الخليج العربي، وفي يوليو أعلن الحوثيون حصارًا بحريًا عليها. بهذا صار الممران الرئيسيان لتجارة النفط العالمية يعملان معًا كأداة ضغط إيرانية، وتحول المنفذ البديل إلى هدف بدوره، ومن غير المرجح أن يُغلق كليًا في المدى القريب، وأن كلفة المرور فيه ستصبح عالية، وهنا يقع الأثر الاقتصادي الحقيقي.
  • ممر بحجم 30% من الحاويات و22% من النفط
إغلاق باب المندب وهرمز في وقت واحد يضع نحو 30% من الشحن العالمي بالحاويات ونحو 22% من الإمداد النفطي العالمي في دائرة الخطر. هذا حجم ينتقل تلقائيًا من غرف إدارة المخاطر في شركات الشحن إلى طاولة القرار السياسي والعسكري، وفي الجانب المالي المباشر، تتحصل مصر من قناة السويس ما بين سبعة وعشرة مليارات دولار سنويًا في الأحوال الطبيعية، وقد بلغت الإيرادات ذروتها القياسية عند نحو 9.4 مليار دولار في السنة المالية 2023. هذه الإيرادات مرهونة بأمن المضيق الجنوبي أكثر من ارتباطها بأي عامل آخر.

وتتضح كلفة البديل في مسار رأس الرجاء الصالح، إذ يضيف الالتفاف حول أفريقيا نحو 3500 ميل بحري وما بين 10 و14 يومًا إلى الرحلة بين مصر وآسيا وأوروبا، بزيادة في كلفة استهلاك الوقود تقارب مليون دولار للرحلة الواحدة للسفينة الكبيرة، فضلًا عن ارتفاع أقساط التأمين وكلفة الطاقم، والأثر الأهم أن إطالة الرحلات تحتجز جزءًا من الأسطول العالمي في البحر وتقلّص السعة المتاحة، فترتفع أسعار الشحن وتتأخر مواعيد التسليم وتضطر المصانع إلى رفع المخزون الاحتياطي، أي أن الكلفة تنتقل من شركات الشحن إلى سلاسل الإمداد والمستهلك النهائي.

وفي الأسبوع الذي بدأ في 20 يوليو 2026، عقب إعلان الحصار على الملاحة السعودية، عبرت 269 سفينة المضيق مقابل 354 في الأسبوع الذي سبقه، بانخفاض قدره 24%. وفي 27 يوليو، مرّ يوم كامل دون أن تعبر ناقلة نفط واحدة باب المندب، وعبرت ناقلة واحدة فقط قناة السويس، أما ناقلات الأسطول النظامي فهبطت 42% إلى 53 عبورًا في الأسبوع الأول، وبقيت الحركة العامة أدنى بنحو 38% من معدلها الطبيعي في الأسبوع الثاني.

وسُجل 302 عبورًا بين 17 و23 أغسطس، وهو أعلى مستوى منذ بداية الحصار، واستقرت الحركة مع مطلع سبتمبر عند مستوى أدنى بنحو 15% فقط مما كانت عليه قبله، وفي السويس عبرت 290 سفينة أسبوعيًا في أواخر أغسطس، وهو رقم أدنى بنحو 36% من الطبيعي، لكنه أعلى بنحو 30% مما كان في 2025. وكانت حركة المضيق في يناير 2026 أعلى بنسبة 11% مقارنة بالشهر نفسه من 2025، أي أن التصعيد الأخير ضرب مسار تعافٍ قائمًا، وتحولت كلفة الأزمة إلى جزء من حركة التجارة نفسها، لذلك حذّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي د. رشاد العليمي من أن أي تغيير عسكري في محيط المضيق يتجاوز حدود الصراع المحلي، فما يحدث عند باب المندب يظهر أثره لاحقًا في قناة السويس، حيث تتراجع حركة العبور وتتسع فاتورة الخسائر.
  • واشنطن: عتبة الرد هي المصالح الأمريكية لا مصالح الدول الحليفة
الرسالة الأمريكية المعلنة تدرس سقف التدخل بدقة، فقد أكد مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية لشبكة CNBC أن واشنطن تبقى مركّزة على مصالحها الأمنية الأساسية، ومنها حرية الملاحة في البحر الأحمر، مع تمكين شركائها الإقليميين من تولي القيادة في إدارة التحديات الأمنية في المنطقة وحلّها، مشيرًا إلى حوار متصل مع السعودية. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد وصفت حماية الشحن التجاري في البحر الأحمر وهرمز بأنها أولوية قصوى، وتعهدت بالعمل مع شركائها لردع هجمات إيران وأدواتها على السفن التجارية وضمان تدفق التجارة، ولكن في الواقع أفادت تقارير بأن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، طلب من الرئيس الأمريكي تدخّلًا عسكريًا مباشرًا، وأنه لم تتم الاستجابة للطلب.
  • ورقة ضغط لا تصلح للإغلاق الكامل
رغم القيمة الاستراتيجية لباب المندب، فإن إغلاقه بالكامل قد لا يكون خيارًا، كما يبدو من تصريحات قادة في جماعة الحوثي، فقيمة المضيق تكمن في القدرة على التهديد والتأثير في حركة الملاحة، أما الإغلاق الشامل فإنه يحوّل الأزمة إلى مواجهة دولية مباشرة، والأخطر أن ذلك قد يدفع القوى الكبرى إلى فرض ترتيبات دولية لتأمين الممر، بما يحد من قدرة القوى المحلية والإقليمية على التحكم في السواحل والجزر اليمنية، كما أن الإغلاق لن يضر بالولايات المتحدة وأوروبا وحدهما، بل سيمس الصين أيضًا، وهي من أكبر الشركاء الاقتصاديين لإيران. فجزء كبير من التجارة الصينية المتجهة إلى أوروبا يعتمد على طريق البحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب طويل يعني ارتفاع تكاليف الشحن وتأخر وصول البضائع وتراجع هامش أرباح المصدرين.
  • أوروبا والصين مصلحتهما واحدة
تبدو أوروبا من أكثر الأطراف تأثرًا بسبب اعتماد جزء كبير من تجارتها مع آسيا على محور البحر الأحمر وقناة السويس، وكل تراجع في حركة السفن يزيد الضغوط على سلاسل التوريد ويرفع كلفة التجارة، وتشترك الصين مع أوروبا في مصلحة أساسية تتمثل في إبقاء الممر مفتوحًا، ولهذا فإن استمرار التصعيد قد يدفع الدول المتضررة إلى دعم تدخل أو ترتيبات دولية أوسع لحماية الملاحة. لهذه الأسباب، يبدو أن السيناريو الأقرب ليس إغلاق باب المندب، وإنما إدارة الضغط على الملاحة من خلال رفع مستوى المخاطر واستهداف أو تهديد سفن محددة، دون الوصول إلى إغلاق كامل يستدعي ردًا دوليًا واسعًا، فالمضيق في هذه الحالة يحتفظ بقيمته كورقة ضغط طالما بقيت إمكانية التصعيد قائمة، أما استخدام الورقة إلى أقصى حد فقد يؤدي إلى نتائج عكسية على من يستخدمها.
  • السيناريوهات المحتملة
يبقى السيناريو الأقرب هو استمرار الضغط على حركة الملاحة دون الوصول إلى إغلاق كامل للمضيق، عبر زيادة المخاطر أمام بعض السفن والسماح لأخرى بالعبور، وقد يؤدي ذلك إلى تراجع إضافي في حركة الملاحة بين 10 و25%، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، واستمرار تراجع إيرادات قناة السويس. ويأتي بعده احتمال التصعيد المتقطع ضد سفن محددة، بينما يظل الإغلاق الكامل الأقل ترجيحًا بسبب كلفته العالية واحتمال أن يدفع إلى تدخل دولي واسع لتأمين الممر، وتقع الخسارة الأكبر على اليمن نتيجة اضطراب الموانئ وتعثر وصول الغذاء والوقود وارتفاع أسعار السلع، وهي آثار قد تستمر حتى بعد توقف المواجهات، أما مصر فتتكبد الخسارة المالية الأكثر مباشرة مع تراجع حركة قناة السويس، فيما تواجه السعودية كلفة لوجستية أعلى، وتتحمل أوروبا والصين ارتفاع تكاليف النقل والشحن.

وتتمثل مظاهر تفاقم الأزمة اليمنية في ارتفاع أقساط التأمين وأجور الشحن على موانئ الحديدة وعدن والمخا، وتراجع الواردات التي يعتمد عليها اليمن في معظم غذائه ووقوده، وما يتبع ذلك من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع قيمة الريال وتآكل القدرة الشرائية، يضاف إلى ذلك تقلّص إيرادات الموانئ والجمارك التي تموّل جزءًا من الموازنة، وتعطّل حركة المساعدات الإنسانية، وانكماش الأنشطة المرتبطة بالصيد والنقل البحري في السواحل الغربية.

ويمكن مراقبة اتجاه الأزمة من خلال عدد السفن العابرة، وحركة ناقلات النفط، وارتفاع أقساط التأمين، وأي محاولة لفرض رسوم أو تصاريح على السفن، إذ قد يشير ذلك إلى انتقال الأزمة نحو مرحلة جديدة تفتح الباب أمام تدويل حماية الممر، مع أهمية الدور الصيني في الضغط لمنع الوصول إلى مرحلة الإغلاق الكامل.

ويبقى الاحتمال الأخطر هو تحول الحوثيين من تهديد أمني عابر إلى سلطة جباية بحرية تفرض رسوم مرور وتصاريح عبور على السفن، على غرار النموذج الإيراني في هرمز، ومثل هذا التحول يمنحهم موردًا ماليًا منتظمًا واعترافًا ضمنيًا بسيطرتهم على الممر، ويحوّل الابتزاز المؤقت إلى نظام إتاوة دائم يصعب التراجع عنه، كما يخلق سابقة تُغري أطرافًا أخرى بتسييل الجغرافيا، ويدفع شركات التأمين والشحن إلى تسعير المخاطرة بوصفها كلفة ثابتة لا طارئة، وهو ما يسرّع الاتجاه نحو تدويل حماية الممر.