ينطلق هذا الطرح من نية صادقة ومحبة ثابتة لأرض الحرمين الشريفين، تتجسد في ابتهال دائم بأن يحفظ الله هذه البلاد المباركة من كيد الكائدين وحقد الحاقدين. وهو حرص مصيري وأخلاقي يبتعد عن المواربة، ليرسم بوضوح معالم التكاتف الصادق الذي يصون أمن المنطقة ويحمي مستقبلها.

تتجه أنظار صانع القرار السعودي دائمًا نحو العواصم الكبرى والتفاهمات العابرة للقارات لبناء شبكات الأمان الاستراتيجي، غير أن الحسابات الدقيقة لموازين القوى في شبه الجزيرة العربية تؤكد، يومًا بعد آخر، أن الثقل الحقيقي للحماية والمواجهة لا يكمن في الضمانات الخارجية الهشة، بل في تقاطعات جغرافية وعقائدية أشد حسمًا على الأرض.

هنا تحديدًا، وفي قلب التحولات الإقليمية المتسارعة، يبدو الجنوب العربي كصانع فارق استراتيجي لا يتجزأ، وحائط صد حيوي قادر على إعادة صياغة ميزان الردع بوجه المشروع الإيراني وأدواته التنفيذية في المنطقة؛ فالجدار الصلب الذي أثبت قدرته التاريخية على كسر المخططات التوسعية لم يكن يومًا ترتيبًا أمنيًا مؤقتًا، بل إرادة قتالية مجربة، تتجسد اليوم في قوة عسكرية متماسكة، وحاضنة شعبية واسعة تشكل الخط الأول والأخير لحماية الأمن القومي للمملكة العربية السعودية.

تخبرنا القراءة المتأنية لمسار الصراع، ولا سيما منذ تحولات عام 2015 وما تلاها، أن القوة الوحيدة التي استطاعت كسر التمدد الحوثي وإلحاق هزائم ميدانية حاسمة به هي التشكيلات القتالية الجنوبية، والآن في مقدمتها ألوية العمالقة الجنوبية، المسنودة بوعي جمعي يرفض الهيمنة الإيرانية وعقيدة الاثني عشرية وأوهام مجد السلالة الكهنوتية.

إنها عقيدة جنوبية قتالية خاضت المواجهة في أشد الظروف قسوة، وتعمقت في معرفة طبيعة الخصم وأساليبه، ووصلت إلى معاقله التي عجزت عنها الأطر التقليدية؛ ما يجعل المقاتل الجنوبي حليفًا استراتيجيًا غير قابل للاستبدال. ومن هنا، فإن الاستمرار في إدارة الملف بمنطق الرهانات الدولية المترددة، أو الاعتماد على قوى استُنزفت جدواها، وفشلت في مواطن واختبارات عدة، يمثل إهدارًا للوقت والموارد، بينما الحل المتماسك يكمن في صياغة شراكة ندية وصريحة مع الجنوبيين وممثلهم السياسي المتمثل بالقوى الوطنية والقيادات الجنوبية الحية والمجربة.

غير أن تحويل هذه الشراكة الاستراتيجية من إطار النوايا إلى واقع الميدان يفرض بالضرورة مراجعة شجاعة وجذرية لأدوات الإدارة نفسها. فإعادة النظر الهادئة والصارمة فيمن يمسك بملف اليمن داخل مؤسسات القرار السعودي، سواء كانت سياسية أم عسكرية أم إعلامية، أضحت ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل؛ إذ إن مصلحة المملكة العليا تقتضي إبعاد هذا الملف عن خانة المصالح الشخصية الضيقة، وشبكات النفوذ الوظيفي التي أنتجت على مدى سنوات حالة من الفوضى والارتباك والعبث السياسي والمالي. إن المرحلة تتطلب الدفع بشخصيات سعودية واعية وحكيمة، تستوعب حقائق الجغرافيا وموازين القوى، وتضع الأمن القومي السعودي في المقام الأعلى فوق كل اعتبار، لتعيد رسم العلاقة على قواعد الصدق والتضحية المتبادلة، وليس على أساس الفوضى والتخبط.

إن بناء هذه الشراكة المنشودة يمر عبر الاعتماد على شركاء الميدان الصادقين الذين برهنوا عمليًا أنهم الأقدر على دحر التهديد الحوثي وصون الجوار. وليست المسألة هنا تنظيرًا سياسيًا أو مناورة تكتيكية، بل هي جوهر الواقعية الاستراتيجية التي تفترض أن تمكين الجنوبيين وشد أزرهم ودعم تطلعاتهم المشروعة في استعادة دولتهم وحماية أرضهم، هو النافذة الوحيدة لقطع دابر التمدد الإيراني وتأمين الحزام الجنوبي للجزيرة العربية.

ولكم في أمثلة وتجارب في بعض البلدان، كأفغانستان وسوريا، خير دليل، فأبناء الأرض الصادقون، وليس الخونة، هم الأقدر على حسم المعركة. فالتحديث المطلوب في الرؤية والأشخاص والآليات هو الذي سيمنح التحالف قوته الحاسمة؛ فالجنوب الحقيقي، بأبنائه وعقيدتهم القتالية الصلبة وقيادتهم المخلصة، هو الحصن الناجز الذي يضمن استقرار المنطقة ويحمي مستقبلها من كل أشكال الظلام وأساليب الاختراق.