> «الأيام» غرفة الأخبار:

  • روسيا والصين اللاعب الخفي في تطورات باب المندب وهرمز
  • «مظلة دولية» منحت إيران والحوثيين أسباب الصمود
  • تقارير تكشف عن تعاون موسكو مع إيران والحوثيين
الصمود الإيراني - الحوثي لم يكن نتاج قوة ذاتية، بل نتيجة بيئة دولية منقسمة. روسيا والصين لم تدخلا الحرب، لكنهما وفرتا مظلة غير مباشرة عبر الامتناع عن الضغط الكامل، فيما ترددت واشنطن في الحسم العسكري.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «العرب» اللندنية اليوم، في الحروب الحديثة، لا يكفي أن تسأل من يملك الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومن يملك حاملات الطائرات والقاذفات. 

السؤال الأكثر أهمية هو: من يستطيع أن يقاتل طويلًا؟ فالقوة العسكرية يمكن أن تمنحك القدرة على بدء المواجهة، لكنها لا تضمن القدرة على تحملها.

وأكد التقرير أن ما يجعل الصراع الإيراني - الحوثي مختلفًا عن مواجهة عسكرية تقليدية هو أن طهران وحلفاءها في اليمن لم يواجها خصومهما في فراغ دولي. خلف المشهد العسكري المباشر كانت هناك بيئة دولية أكثر تعقيدًا: واشنطن لا تريد حربًا مفتوحة، وموسكو تنظر إلى الصراع من زاوية صراعها الأوسع مع الغرب، وبكين تحاول حماية مصالحها الاقتصادية من دون الانخراط في مواجهة عسكرية. لم تكن هذه القوى حلفاء عسكريين لإيران والحوثيين، لكنها أسهمت، بدرجات مختلفة، في خلق البيئة التي جعلت استمرار الصراع ممكنًا.

وهنا ينبغي التمييز بين الدعم المباشر وبين ما يمكن تسميته «المظلة غير المباشرة». إيران لم تحصل من روسيا والصين على جيش يقاتل إلى جانبها في البحر الأحمر أو الخليج، ولم تدخل موسكو أو بكين الحرب نيابة عن الحوثيين. لكن غياب الإجماع الدولي على كيفية التعامل مع الأزمة كان في حد ذاته عاملًا استراتيجيًا. وفي السياسة الدولية، قد يكون الامتناع عن الضغط جزءًا من موازين القوة، حتى عندما لا يكون دعمًا صريحًا للطرف المقابل.

ويوضح التقرير أن المدخل الحقيقي لفهم الصمود الإيراني والحوثي يكمن هنا. فالقوة التي واجهت الولايات المتحدة وحلفاءها لم تكن قوة إيران العسكرية وحدها، ولا ترسانة الحوثيين وحدها. كانت قوة شبكة أوسع من الظروف: قدرة إيرانية على تحمل العقوبات، وعلاقات اقتصادية مع الصين، وشراكة متنامية مع روسيا، وانقسامات دولية في مجلس الأمن، وحذر أمريكي من الانجرار إلى حرب إقليمية جديدة. وفوق ذلك كله، امتلكت طهران وحلفاؤها ميزة لا يمكن تجاهلها: القدرة على توزيع الضغط على أكثر من جبهة، بينما يضطر خصومهم إلى حماية الممرات والمنشآت والأسواق في مساحة جغرافية شاسعة.

روسيا هي المثال الأكثر وضوحًا على هذا النوع من الدعم غير المباشر. فمن الخطأ تصوير موسكو باعتبارها قوة تدخلت عسكريًا لحماية الحوثيين؛ الوقائع لا تقول ذلك. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن روسيا والصين امتنعتا في أكثر من مناسبة عن التصويت على قرارات لمجلس الأمن تتعلق بهجمات الحوثيين، وأن موسكو وبكين أبدتا تحفظات على توسيع العقوبات والضغط الدولي، معتبرتين أن بعض المقاربات قد تزيد التوتر وتضر بالمسار السياسي اليمني. وفي يوليو 2026، أقر مجلس الأمن تمديد آلية الإبلاغ عن هجمات الحوثيين بأغلبية، مع امتناع روسيا والصين ودول أخرى عن التصويت.

قد يبدو هذا تفصيلًا دبلوماسيًا، لكنه في ميزان الصراع ليس تفصيلًا. فطهران لا تحتاج دائمًا إلى قرار روسي أو صيني مؤيد لها كي تستفيد. يكفي ألا تتشكل جبهة دولية موحدة حول إجراءات أكثر صرامة. كلما أصبح مجلس الأمن ساحة خلاف بين القوى الكبرى، اتسعت المساحة التي تستطيع الأطراف الإقليمية التحرك داخلها.

ويضيف التقرير أن هذا لا يعني أن موسكو تتبنى المشروع الحوثي أو الإيراني بوصفه مشروعًا استراتيجيًا روسيًا. العلاقة الروسية - الإيرانية أكثر براغماتية وتعقيدًا من ذلك. موسكو تنظر إلى إيران باعتبارها شريكًا يمكن استخدامه في مواجهة النفوذ الغربي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد حربًا إقليمية شاملة قد تخرج عن السيطرة. وتشير دراسات حديثة إلى أن التعاون الروسي مع إيران والحوثيين اتخذ طابعًا معاملاتيًا، وأن موسكو قدمت أشكالًا من التعاون والخبرة والمعلومات، لكنها لم تكن مستعدة لتحويل هذا التعاون إلى التزام دفاعي مباشر عندما تعرضت إيران وحلفاؤها لضغط عسكري كبير.

وهنا تتضح براعة موسكو، وربما برودها الاستراتيجي. روسيا لا تحتاج إلى أن تنتصر إيران حتى تستفيد من الصراع. يكفي أن تنشغل الولايات المتحدة به، وأن تتوزع قدراتها بين الخليج والبحر الأحمر وإسرائيل والعراق وسوريا، وأن ترتفع كلفة الطاقة، وأن تتعرض صورة القوة الأمريكية للاختبار أمام حلفائها. فكلما زادت واشنطن انشغالًا بأزمات الشرق الأوسط، تراجعت قدرتها على التركيز على ساحات أخرى تعتبرها موسكو أكثر أهمية.

كما أن اضطراب أسواق الطاقة يمكن أن يخدم روسيا بصورة غير مباشرة. ارتفاع أسعار النفط لا يحل مشكلاتها الاقتصادية ولا يلغي تأثير العقوبات، لكنه يوفر دعمًا لإيرادات دولة تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة. لذلك فإن موسكو لا تحتاج إلى هندسة أزمة في البحر الأحمر حتى تستفيد منها؛ يكفي أن تستمر الأزمة فترة تسمح لأسعار الطاقة بأن تعكس مستوى أعلى من المخاطر الجيوسياسية.

وأردف التقرير أن الصين تقدم نموذجًا أكثر تعقيدًا. فهي المستورد الأكبر تقريبًا في معادلة الطاقة الآسيوية، ومصلحتها الأساسية هي استقرار الملاحة والأسواق، ولذلك ليس من المنطقي اعتبار بكين راغبة في استمرار اضطراب باب المندب أو هرمز. الصين تخسر عندما ترتفع كلفة الشحن والطاقة، وتخسر عندما تصبح طرق التجارة أكثر خطورة. ومع ذلك، فإن بكين لا تنظر إلى الأزمة من منظور أمني غربي، ولا ترى أن معالجة الخطر تستلزم بالضرورة الانضمام إلى حملة عسكرية ضد إيران أو الحوثيين.

إنها تلعب لعبة مختلفة: تريد الاستقرار، لكنها لا تريد أن تدفع ثمنه عبر الاصطفاف الكامل مع واشنطن. تريد النفط الخليجي، وتريد علاقات جيدة مع السعودية، وفي الوقت نفسه تريد الحفاظ على علاقتها بإيران. وقد ساعد الاتفاق السعودي-الإيراني الذي رعته بكين في السنوات الماضية على ترسيخ صورة الصين كقوة قادرة على التواصل مع الطرفين، لا كقوة تختار أحدهما ضد الآخر.

وهذه السياسة تمنح إيران هامشًا مهمًا. فالعلاقة الصينية-الإيرانية ليست تحالفًا عسكريًا، والصين ليست مستعدة للدفاع عن إيران في مواجهة عسكرية مباشرة. لكن بكين تساعد طهران اقتصاديًا بطرق تخفف آثار العقوبات، كما أن الصين تظل مشتريًا مهمًا للنفط الإيراني. وتفيد تقارير وتحليلات أميركية حديثة بأن بكين تساعد إيران في الالتفاف على العقوبات والحفاظ على تدفقات النفط، مع تجنب الالتزام الدفاعي الرسمي تجاه طهران.

ومضى التقرير موضحًا أن الحوثيين هم الحلقة الأكثر استفادة من هذه البيئة الدولية، رغم أنهم الحلقة الأضعف من حيث الموارد التقليدية. فالجماعة لا تستطيع، بمفردها، خوض حرب طويلة ضد تحالف دولي يمتلك تفوقًا جويًا وبحريًا واستخباراتيًا ساحقًا. لكنها لا تحتاج إلى ذلك. نموذجها يقوم على شيء آخر: أن تجعل تكلفة القضاء عليها أعلى من الرغبة السياسية في القضاء عليها.

وهذه نقطة جوهرية في فهم ما يجري في البحر الأحمر. الحوثيون لا يحتاجون إلى هزيمة الأسطول الأميركي؛ يكفي أن يجعلوا الملاحة أكثر خطورة. لا يحتاجون إلى إسقاط الاقتصاد السعودي؛ يكفي أن يجعلوا حماية منشآته ومسارات تصديره أكثر كلفة. ولا يحتاجون إلى إغلاق قناة السويس؛ يكفي أن يدفعوا شركات الشحن إلى التفكير في طريق رأس الرجاء الصالح.

بهذا المعنى، فإن الصراع غير متكافئ ليس لأن الحوثيين أقوى من خصومهم، بل لأنهم يستطيعون تحقيق أهداف سياسية بأدوات عسكرية محدودة، بينما يحتاج خصومهم إلى استخدام قوة هائلة لتحقيق هدف أكثر تواضعًا: إعادة الوضع إلى ما كان عليه.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. القوى الغربية تستطيع، من الناحية العسكرية، إلحاق أضرار بالغة بالقدرات الحوثية. لكن تدمير البنية العسكرية لجماعة منتشرة في بيئة جبلية وساحلية معقدة ليس هو نفسه إنهاء قدرتها على العمل. وإذا كانت إيران قادرة على إعادة الإمداد، وكانت الحدود السياسية للحرب واضحة، وكانت روسيا والصين غير راغبتين في الانضمام إلى حملة ضغط قصوى، وكانت الولايات المتحدة نفسها لا تريد توسيع الحرب، فإن الحوثيين يحصلون على أهم شيء يحتاجه أي فاعل مسلح يخوض حرب استنزاف: الوقت.

والوقت في هذا النوع من الحروب ليس محايدًا. إنه يتحول إلى سلاح.
وهذا ما يمكن تسميته «التحصين غير المباشر». لا توجد غرفة عمليات روسية أو صينية تدير هجمات الحوثيين، ولا توجد قوة صينية أو روسية تحرس مواقعهم. لكن النظام الدولي المنقسم يمنحهم ما هو أحيانًا أهم من السلاح: الوقت، والشرعية الواقعية، وغياب الإجماع.