​أشفق على من يتولّى صنع السياسة النقدية وإدارتها في بلادنا. ليس لأن المهمة سهلة في البلدان المستقرة، بل لأننا نطلب من أدوات النقد أن تعالج اختلالاتٍ تتجاوز قدرتها، وأن تحقق استقراراً لا تتوافر له شروطه السياسية والمؤسسية والاقتصادية.

لقد تراكمت على اقتصادنا، الذي أنهكته الحرب ومسؤولون بلا ضمائر، صدماتٌ خارجية متلاحقة؛ من تبعات جائحة كوفيد–19 خلال السنوات الماضية، إلى اضطرابات أسواق الغذاء والطاقة والنقل التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. ومع أن هذه الصدمات وقعت في مراحل مختلفة، فإنها كشفت هشاشة اقتصادٍ يعتمد على الاستيراد لتلبية جانبٍ كبير من احتياجاته، ويفتقر إلى القدرة الإنتاجية والموارد التي تمكّنه من امتصاص الأزمات. لذلك، لا يمكن فهم صعوبة إدارة السياسة النقدية في بلادنا بمعزلٍ عن هذا التراكم، وعن الاختلالات الداخلية التي ضاعفت كلفته.

لكن المشكلة عندنا أعمق من اضطراب العالم. فما بالكم بسياسةٍ نقدية تُدار في حالةٍ أقرب إلى "لا دولة"، حيث تتنازع السلطات، وتنقسم المؤسسات، وتتعدد مراكز القرار، ويغيب الإطار الجامع الذي يحدد المسؤوليات ويضمن تنفيذها؟
بالتأكيد، لم نعد نعيش "يمناً" واحداً بالمعنى المؤسسي والاقتصادي. لكننا لم نرجع أيضاً إلى دولتين، لكلٍّ منهما مؤسساتها الواضحة، وسياستها المالية والنقدية، وحدود مسؤوليتها. نحن عالقون في وضعٍ تهاوت فيه  مقومات الوحدة وشروط استمرارها، من دون أن يؤسس بديلاً مستقراً يمكن فهمه ومساءلته.

لدينا ريالٌ يحمل الاسم نفسه، لكنه يتحرك في نطاقين نقديين مختلفين: أوراقٌ تُقبل هنا وتُرفض هناك، وأسعار صرفٍ متباعدة، وقيودٌ على انتقال الأموال، ومؤسساتٌ تتنازع المرجعية والاختصاص. ولدينا سلطاتٌ وحكوماتٌ ووزاراتٌ هنا وهناك، بينما يدفع المواطن كلفة هذا التشظي من راتبه ومدخراته وغذائه وعلاجه.

في مثل هذا الوضع، ماذا يستطيع صانع السياسة النقدية أن يفعل؟ إذا حاول كبح السيولة، فقد يزيد اختناق النشاط الاقتصادي. وإذا توسع في الإصدار النقدي لتمويل العجز، فقد يفاقم التضخم ويضعف قيمة العملة. وإذا تدخل في سوق الصرف، اصطدم بمحدودية الموارد واستمرار الطلب على النقد الأجنبي. وكل إجراءٍ يحتاج إلى تنسيقٍ وثقةٍ وقدرةٍ على التنفيذ؛ وهي شروطٌ يصعب توفيرها في ظل الانقسام.

ولا تكفي مطالبة البنك المركزي بتثبيت سعر الصرف، فيما تتعطل موارد الدولة، وتتشتت الإيرادات، ويتراجع الإنتاج. فالاستقرار النقدي يرتبط بما يدخل الاقتصاد من موارد، وبكيفية إنفاقها، وبقدرة المؤسسات على ضبط المالية العامة. وحين يُترك البنك المركزي وحيداً أمام هذه الاختلالات، يصبح تحميله المسؤولية كاملةً اختزالاً للمشكلة وإعفاءً لبقية الأطراف من واجباتها.

هذا لا يعفي القائمين على السياسة النقدية من المسؤولية؛ فالشفافية، وحسن إدارة الموارد، وتفسير القرارات، والاستعداد للمخاطر واجباتٌ لا تسقط بالأزمات. لكنه يفرض علينا أن نقيّم أداءهم في ضوء الأدوات المتاحة، وأن نطالب السلطة السياسية بتهيئة شروط النجاح.

لذلك أعود وأسأل: من يصنع سياستنا النقدية، ومن يديرها، وبأي صلاحياتٍ وأدوات؟ وهل يمكن أن نستعيد الثقة بالعملة قبل أن نستعيد الثقة بالمؤسسات التي تديرها؟.
إن حماية قيمة الريال تبدأ من بناء سلطةٍ مسؤولة؛ تعرف مواردها، وتضبط إنفاقها، وتُحاسَب على قراراتها.