> «الأيام» العرب اللندنية:

​كثفت القوات الحكومية اليمنية ضرباتها الجوية على مواقع وتجمعات وآليات لجماعة الحوثيين شرقي محافظة تعز وجنوبها، في محاولة لاحتواء تقدم ميداني للجماعة يهدد خطوط الإمداد المؤدية إلى المدينة، ويزيد الضغط على واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الحرب اليمنية.

وتأتي الغارات، التي أعلنت عنها القوات الحكومية الأحد، مع احتدام المواجهات في محيط المدينة وأرياف المحافظة، ضمن تصعيد عسكري يتجاوز تبادل القصف إلى صراع على الطرق والمرتفعات التي تمنح الطرف المسيطر عليها قدرة على التحرك وإمداد قواته، أو تضييق الخناق على خصمه.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن القصف استهدف مواقع في مناطق متفرقة من ريف تعز، بينها محاور الأقروض والطرق المؤدية إلى المدينة، بالتزامن مع اشتباكات في مناطق الربيعي والصياحي وحذران وميلات جنوب غربي المحافظة. وتقول مصادر ميدانية إن القوات الحكومية تسعى إلى منع الحوثيين من تثبيت مكاسبهم الأخيرة، فيما لم يتضح بعد ما إذا كانت الضربات ستؤدي إلى تغيير مستدام في خطوط التماس.

ولا تكمن أهمية تعز في موقعها السكاني والسياسي فحسب، بل في موقعها الجغرافي بين مناطق سيطرة الحوثيين في الشمال ومناطق الحكومة المعترف بها دولياً في الجنوب. ويمنح هذا الموقع السيطرة على الطرق والمرتفعات المحيطة بالمدينة أهمية تتجاوز مساحة الأرض التي يسيطر عليها أي طرف.

وتكتسب الطريق الرابطة بين تعز وعدن أهمية خاصة، باعتبارها ممراً حيوياً لحركة المدنيين والإمدادات، والوصول إلى المؤسسات الحكومية الموجودة في العاصمة المؤقتة. وكانت تقارير ميدانية قد أفادت بتقدم الحوثيين باتجاه هذا المحور، وبقطع طريق حيوي يصل المدينتين، في تطور أثار مخاوف من عزل تعز عن مناطق الحكومة.

ولا يعني ذلك أن المدينة أصبحت محاصرة بالكامل أو أن جميع طرقها أُغلقت، لكنه يشير إلى أن استمرار الضغط على المعابر البرية يمكن أن يقيد حركة السكان والبضائع والمواد الطبية، حتى في حال احتفاظ القوات الحكومية بمواقعها داخل المدينة.

وتبرز جبهة جبل هان، غرب تعز، ضمن المحاور ذات الأهمية العسكرية، إذ يشرف الجبل على طرق تؤدي إلى المدينة من الجهة الجنوبية الغربية. وتتيح السيطرة على المرتفعات المحيطة بهذه الطرق مراقبة حركة الإمدادات وتهديدها، ما يجعل الدفاع عنها جزءاً أساسياً من جهود منع تطويق المدينة.

وبهذا المعنى، لا تقتصر الغارات الحكومية على استهداف مواقع عسكرية، بل ترتبط بمحاولة تعطيل قدرة الحوثيين على تثبيت مواقعهم والتحرك عبر محاور التقدم، غير أن أثرها يظل مرتبطاً بتطورات القتال البري وقدرة القوات الحكومية على استعادة المواقع أو الاحتفاظ بها.

وتشهد محافظة تعز تنافساً متصاعداً على السيطرة منذ اتساع المواجهات في أوائل سبتمبر، مع انتقال القتال إلى مناطق ريفية ومرتفعات استراتيجية. ويقول مراقبون إن الحوثيين يسعون إلى تثبيت مكاسبهم على الساحل الغربي وتعزيز الضغط على مناطق الحكومة، فيما تحاول القوات الحكومية استعادة مواقع خسرتها وإحباط محاولات التقدم باتجاه المدينة.

وأعلنت قيادة محور تعز في الأيام الأخيرة صد هجمات حوثية وتنفيذ عمليات ضد تجمعات وتعزيزات عسكرية. كما تحدثت بيانات عسكرية حكومية عن سقوط قتلى في صفوف الحوثيين جراء المواجهات والغارات، لكن هذه الحصائل لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة، ولا تقدم وحدها مؤشراً كافياً على اتجاه المعركة.

وتظهر التطورات أن امتلاك القدرة على شن غارات جوية لا يكفي، بمفرده، لحسم المواجهة. فالتقدم الميداني يتطلب تماسك القوات البرية، والقدرة على حماية مواقعها، وتأمين الطرق، ومنع الخصم من العودة إلى المناطق التي يتراجع عنها تحت ضغط القصف.

كما أن تعدد محاور القتال يفرض على القوات الحكومية توزيع إمكاناتها بين الدفاع عن المدينة ومحيطها، وتأمين خطوط الإمداد، ومساندة جبهات أخرى في المحافظة. وفي المقابل، يحاول الحوثيون استثمار الضغط على أكثر من محور لفرض واقع ميداني يصعب تغييره بضربات متفرقة.

ويتجاوز خطر التصعيد الحسابات العسكرية إلى الأوضاع الإنسانية، خصوصاً مع تزايد النزوح وتراجع إمكانية الوصول إلى الخدمات والإمدادات. وأفادت المنظمة الدولية للهجرة، في 7 أكتوبر، بنزوح أكثر من 200 ألف شخص في اليمن منذ تجدد القتال، مشيرة إلى أن تعز كانت المحافظة الأكثر تضرراً.

ويثير الضغط على الطرق المؤدية إلى المدينة مخاوف من صعوبة نقل الغذاء والوقود والأدوية والمستلزمات الطبية، في وقت يعاني فيه النظام الصحي اليمني من نقص الإمكانات. كما أن استمرار الاشتباكات في المناطق السكنية أو قربها يرفع مخاطر سقوط ضحايا مدنيين ويزيد الأعباء على الأسر التي اضطرت إلى مغادرة منازلها.

وكلما طال أمد المواجهات على طرق الإمداد، ارتفعت احتمالات تحول التقدم العسكري إلى أزمة معيشية أوسع، ولا سيما إذا تعذر وصول المواد الأساسية أو تعطلت حركة السكان بين المدينة ومحيطها.

تضع التطورات في تعز القوات الحكومية أمام اختبار مزدوج: إبطاء تقدم الحوثيين ومنعهم من توسيع مناطق نفوذهم، والحفاظ في الوقت نفسه على الطرق التي تربط المدينة بمناطق الحكومة. ويمثل القصف الجوي أداة لإسناد القوات على الأرض، لكنه لا يضمن استعادة المواقع أو إعادة فتح الطرق ما لم يترافق مع قدرة على تثبيت خطوط الدفاع وإدارة جبهات متعددة.

وفي المقابل، فإن نجاح الحوثيين في الضغط على محاور الإمداد قد يمنحهم ورقة عسكرية وسياسية مهمة، حتى من دون السيطرة الكاملة على مدينة تعز. لذلك تبدو المعركة أقرب إلى سباق على حرية الحركة والقدرة على الاستمرار، منها إلى مواجهة يمكن حسمها بنتائج الغارات وحدها.

وبينما تتواصل الضربات الحكومية والاشتباكات البرية، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت القوات الحكومية ستتمكن من وقف التقدم الحوثي وتأمين طرق الإمداد، أم أن استمرار القتال سيحول تعز إلى جبهة استنزاف جديدة تتسع كلفتها الإنسانية والعسكرية معاً.