> د. سعيد شرياف

 إذا كان بناء المؤسسات المالية والقضائية والتشريعية يمثل أساسًا لعمل الاقتصاد، فإن الانتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الإنتاج يتطلب أيضًا مؤسسات تنظم الأسواق، وتحمي المنافسة، وتحسن إدارة الأصول العامة، وتيسر الاستثمار، وتوفر المعلومات اللازمة لصناعة القرار.

فالمؤسسات لا تُقاس بعددها أو باتساع صلاحياتها، بل بقدرتها على أداء وظائف محددة وتحقيق نتائج يمكن قياسها.

خامسًا: تنظيم الأسواق وحماية المنافسة
ليس المطلوب أن تتولى الدولة إنتاج كل شيء، كما لا يعني فتح المجال أمام القطاع الخاص ترك الأسواق تعمل دون قواعد.

فالمنافسة تساعد على تحسين الكفاءة وخفض التكاليف وتشجيع الابتكار، لكن هذه النتائج قد تتراجع عندما تحتكر شركة أو مجموعة شركات نشاطًا اقتصاديًا، أو تحصل جهات معينة على امتيازات غير مبررة، أو تُستخدم التراخيص والإجراءات الإدارية للحد من دخول منافسين جدد.

ولهذا تحتاج الدولة إلى إطار قانوني ينظم المنافسة، ويحد من الممارسات الاحتكارية، ويحمي المستهلك، ويضمن تكافؤ الفرص في ممارسة الأنشطة الاقتصادية.

وتزداد أهمية التنظيم في قطاعات مثل الموانئ والطاقة والاتصالات والخدمات الأساسية، حيث قد تحد طبيعة النشاط أو ارتفاع تكاليف الاستثمار من عدد الشركات القادرة على العمل فيه.

ولا تعني حماية المنافسة معاداة الشركات الكبيرة أو منع توسعها، بل ضمان أن يقوم النجاح على الكفاءة وجودة الخدمة والابتكار، لا على استبعاد المنافسين أو الحصول على امتيازات غير مستحقة.

كما ينبغي أن تخضع المشتريات الحكومية والتعاقدات العامة لقواعد واضحة وشفافة، تتيح المنافسة وتحد من تضارب المصالح وترفع كفاءة الإنفاق.

فالدولة لا تحتاج إلى إدارة كل نشاط اقتصادي بنفسها، لكنها تحتاج إلى قواعد تضمن أن تعمل الأسواق في إطار يخدم الاقتصاد والمجتمع.

سادسًا: إدارة الموانئ والأراضي والموارد الطبيعية
تمثل الموانئ والأراضي وحقوق استغلال النفط والغاز والثروة السمكية أصولًا اقتصادية مهمة، لكن قيمتها تعتمد على طريقة إدارتها وما تولده من نشاط اقتصادي.

فالميناء لا يحقق كامل إمكاناته بمجرد استقبال السفن وتحصيل الرسوم، بل يحتاج إلى خدمات نقل وتخزين ومناولة وصيانة وشحن وتأمين، وإلى إجراءات جمركية فعالة وربط جيد بالأسواق.

والأرض لا تصبح أصلًا منتجًا بمجرد امتلاكها، بل تحتاج إلى وضوح الملكية والتخطيط واستخدامات الأراضي وإجراءات التخصيص، بما يحد من النزاعات ويمنع الاستغلال غير الكفؤ.

أما الموارد الطبيعية، فتحتاج إلى قواعد واضحة لمنح التراخيص والامتيازات، وتحديد الالتزامات المالية والبيئية، ومراقبة الإنتاج، والإفصاح عن العقود والإيرادات العامة وفق القانون.

ولهذا ينبغي التمييز بين ملكية الأصل العام، ووضع السياسات المتعلقة به، وتنظيم النشاط الذي يرتبط به، وإدارته وتشغيله. وقد تتولاها جهات مختلفة بحسب طبيعة القطاع، على أن تكون مسؤوليات كل جهة واضحة وخاضعة للمساءلة.

ولا يعني ذلك أن نموذجًا واحدًا للملكية أو الإدارة يصلح لجميع القطاعات. فقد تتطلب بعض الأنشطة إدارة حكومية مباشرة، بينما تسمح أنشطة أخرى بمشاركة القطاع الخاص أو التعاقد معه أو تشغيلها وفق ترتيبات تنظيمية مناسبة.

والقرار في كل حالة ينبغي أن يستند إلى الكفاءة الاقتصادية، والمصلحة العامة، وتكلفة البدائل، وإمكانات الرقابة، لا إلى افتراض مسبق بأن الملكية العامة أو الخاصة هي الحل الأفضل في جميع الظروف.

فالمعيار هو قدرة الأصل على تقديم خدمة جيدة، وتوليد قيمة اقتصادية، والمحافظة على حقوق المجتمع.
سابعًا: الاستثمار والقطاع الخاص
إذا كان القطاع الخاص شريكًا أساسيًا في بناء اقتصاد منتج، فإن مسؤولية الدولة تتمثل في تهيئة بيئة يستطيع فيها الأفراد والشركات إنشاء المشروعات وتوسيعها ضمن قواعد واضحة.

ويبدأ ذلك من تبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتسجيل الملكية، والحصول على التراخيص، والوصول إلى الخدمات الأساسية، وتسوية النزاعات، وتوفير المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات الاستثمارية.

فالإجراءات المعقدة ترفع كلفة المشروع، والقواعد الغامضة تزيد المخاطر، والتأخير غير المبرر يستهلك موارد كان يمكن توجيهها إلى الإنتاج.

ولذلك تحتاج الدولة إلى تطوير خدماتها الإدارية والرقمية، ونشر متطلبات التراخيص والرسوم بوضوح، وتحديد مدد معقولة لإنجاز المعاملات، وإتاحة آليات للتظلم من القرارات الإدارية.

كما ينبغي دعم قدرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة على الوصول إلى التمويل والأسواق والتدريب، وإتاحة الفرص لها للمشاركة في المشتريات الحكومية وفق معايير عادلة.

لكن تشجيع الاستثمار لا يعني منح الإعفاءات والامتيازات دون حساب. فالحوافز ينبغي أن تُقيَّم وفق تكلفتها على المالية العامة وما تحققه من منافع اقتصادية، مثل خلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج والصادرات، ونقل المعرفة، وتطوير المهارات.

كما أن جذب رأس المال الجنوبي في الداخل والخارج لا يعتمد على المناشدات وحدها، بل على الثقة في القانون واستقرار الإجراءات ووضوح حقوق المستثمرين.

فمن يملك رأس المال والخبرة يستطيع الاستثمار في أسواق مختلفة، ولن يكون مجرد الانتماء الوطني كافيًا لإقناعه بالمخاطرة بأمواله. ما يحتاج إليه هو بيئة يستطيع فيها تقدير المخاطر والعوائد واتخاذ قراره على أساس معلومات واضحة.

ثامنًا: البيانات الاقتصادية وصناعة القرار
لا تستطيع الدولة إدارة اقتصادها بكفاءة إذا كانت قراراتها تعتمد على معلومات ناقصة أو تقديرات غير دقيقة.

فالتخطيط الزراعي يحتاج إلى بيانات عن الأراضي والمياه والإنتاج والأسواق، والتخطيط الصناعي يحتاج إلى معلومات عن تكاليف الطاقة والنقل والمواد الخام والعمالة، والسياسة المالية تحتاج إلى بيانات موثوقة عن الإيرادات والنفقات والديون والالتزامات العامة.
كما يحتاج المستثمر إلى معرفة حجم السوق والطلب وتكاليف التشغيل والفرص المتاحة، بينما يحتاج المواطن إلى معلومات تساعده على تقييم أداء السياسات الاقتصادية.

ولهذا ينبغي أن يكون بناء نظام إحصائي وطني موثوق من أولويات الدولة، مع توفير بيانات منتظمة عن السكان والعمل والإنتاج والأسعار والتجارة والاستثمار والموارد العامة.

ويجب أن تُجمع هذه البيانات وفق معايير مهنية، وأن تُنشر بانتظام مع توضيح مناهج إعدادها، مع مراعاة حماية الخصوصية والمعلومات التي يحميها القانون
فالبيانات ليست مجرد جداول وتقارير، بل أساس لتحديد الأولويات، وتقييم السياسات، وقياس النتائج، ومعرفة ما إذا كانت الموارد العامة تحقق الأهداف التي خُصصت لها.

ومن دون معلومات موثوقة، يصبح من الصعب التمييز بين مشروع يحقق قيمة اقتصادية حقيقية وآخر يستهلك المال العام دون عائد يتناسب مع تكلفته.
تاسعًا: التعليم والتدريب وبناء القدرات
لا تستطيع المؤسسات الاقتصادية أداء وظائفها بكفاءة دون كوادر مؤهلة، كما لا يستطيع الاقتصاد المنتج النمو إذا لم تتوافر له المهارات التي تحتاج إليها القطاعات المختلفة.

فالزراعة الحديثة والصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة والسياحة والتقنية تحتاج إلى مهندسين وفنيين ومحاسبين ومديرين وعمال مهرة، كما تحتاج إلى رواد أعمال قادرين على تطوير المشروعات وإدارتها.

وهذا يجعل التعليم والتدريب المهني والتقني جزءًا من السياسة الاقتصادية، لا مجرد قطاع خدمي منفصل عنها.

والمطلوب ليس زيادة أعداد الخريجين فحسب، بل تطوير المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل، وربط التدريب باحتياجات الشركات والقطاعات الإنتاجية، وتشجيع التدريب أثناء العمل، وإتاحة مشاركة القطاع الخاص في تطوير البرامج المهنية.

كما يمكن الاستفادة من خبرات أبناء الجنوب في الخارج، ليس من خلال استقطاب رؤوس أموالهم فقط، بل عبر بناء شراكات مهنية وتقنية، ونقل المعرفة، وتدريب الكوادر، وربط المشروعات المحلية بالأسواق والخبرات الخارجية.

فالمغترب الذي اكتسب خبرة في الصناعة أو الإدارة أو التقنية يمكن أن يسهم في تطوير القدرات المحلية، حتى إن لم يستثمر أمواله مباشرة في مشروع داخل الجنوب.

وبذلك يصبح رأس المال البشري والمعرفة جزءًا من الأصول التي يبنيها الاقتصاد، إلى جانب البنية التحتية والموارد المالية.

عاشرًا: الرقابة ومكافحة الفساد
لا يكفي وضع القوانين وتحديد الاختصاصات إذا لم توجد آليات فعالة لمراقبة الأداء ومنع إساءة استخدام السلطة والمال العام.

فالعقود الحكومية وحقوق استغلال الموارد والتراخيص والامتيازات تنطوي على قرارات ذات آثار مالية كبيرة، ولذلك ينبغي أن تخضع لإجراءات واضحة تضمن الشفافية والمساءلة.

ويشمل ذلك تطوير نظم المشتريات العامة، والإفصاح عن تضارب المصالح، ومراجعة الحسابات، ونشر المعلومات الأساسية عن الإنفاق والعقود والالتزامات الحكومية، وفق ضوابط قانونية واضحة.

كما يتطلب وجود أجهزة رقابية قادرة على أداء مهامها، مع تحديد صلاحياتها ومسؤولياتها، وضمان متابعة نتائج أعمالها واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة عند ثبوت المخالفات.

وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول الرقابة إلى تكرار للإجراءات أو تعطيل للمشروعات دون مبرر. فالمطلوب هو رقابة تحمي المال العام وتكشف الاختلالات، وتتيح في الوقت نفسه إنجاز المعاملات والأنشطة الاقتصادية بكفاءة.

والأهم أن تكون المساءلة قائمة على قواعد معلنة، وأن تطبق على الجميع دون استثناءات غير مبررة.

حادي عشر: ما دور الدولة، وما حدود تدخلها؟
قد يُفهم الحديث عن بناء المؤسسات الاقتصادية باعتباره دعوة إلى توسيع الجهاز الحكومي، لكن بناء الدولة القادرة لا يعني أن تتولى بنفسها إدارة كل مشروع أو إنتاج كل سلعة.

فالدولة تحتاج إلى مؤسسات قوية في مجالات تطبيق القانون، وحماية الحقوق، وإدارة المال العام، وتنظيم الأسواق، وتوفير البنية التحتية، والاستثمار في التعليم والمهارات، وضمان المنافسة العادلة.

وفي المقابل، يستطيع القطاع الخاص أن يؤدي دورًا إنتاجيًا وتشغيليًا مهمًا في أنشطة عديدة، إذا توافرت له القواعد المستقرة والمنافسة العادلة والرقابة المناسبة.

أما القطاعات التي تتسم بالاحتكار الطبيعي، أو ترتبط بأمن الدولة واحتياجات المجتمع الأساسية، أو تتطلب استثمارات طويلة الأجل، فقد تحتاج إلى ترتيبات مختلفة للملكية والإدارة والتنظيم.

ولذلك لا ينبغي أن يبدأ النقاش من سؤال عام حول حجم الدولة، بل من أسئلة عملية: ما الوظيفة المطلوب أداؤها؟ وما الجهة الأقدر على أدائها؟ وما تكلفتها؟ وكيف تُحمى المصلحة العامة؟ وكيف يمكن قياس النتائج ومحاسبة المسؤولين عنها؟
فالدولة القادرة اقتصاديًا ليست بالضرورة الدولة التي تمتلك أكبر عدد من الشركات والأجهزة، بل الدولة التي تؤدي وظائفها الأساسية بكفاءة، وتتيح للأفراد والشركات إطلاق قدراتهم الإنتاجية ضمن قواعد عادلة.
من المؤسسات إلى النتائج
إن بناء المؤسسات الاقتصادية لا يتحقق بمجرد إصدار القوانين أو إنشاء الهيئات، بل يحتاج إلى كفاءات مهنية، وأنظمة معلومات، وموارد مناسبة، وإجراءات واضحة، ومساءلة فعلية.

كما أن الإصلاح لا ينبغي أن يقاس بعدد المؤسسات الجديدة، بل بالنتائج التي تحققها.

هل أصبحت إدارة الإيرادات العامة أكثر شفافية؟ هل انخفضت مدة إنجاز المعاملات؟ هل أصبحت إجراءات الاستثمار أكثر وضوحًا؟ هل تحسنت إدارة الأصول العامة؟ هل زادت المنافسة؟ وهل أصبح من الأسهل إنشاء المشروعات وتوسيعها؟
هذه هي المؤشرات التي تساعد على تقييم الأداء المؤسسي، وتحديد ما يحتاج إلى إصلاح أو تطوير.

ومن الأفضل أن تبدأ الدولة بالوظائف الأكثر تأثيرًا في عمل الاقتصاد، مثل إدارة المالية العامة، وحماية الحقوق والعقود، وتحسين إجراءات الاستثمار، وتطوير إدارة الأصول العامة، وتوفير البيانات الموثوقة، وتعزيز الرقابة على الإنفاق والتعاقدات. ثم تتقدم في بقية الإصلاحات وفق خطة تحدد الأولويات والمسؤوليات والموارد والجداول الزمنية.

فالإصلاح المؤسسي عملية تراكمية، ونجاحه يتوقف على وضوح أهدافه وقدرة المؤسسات على تنفيذه والاستمرار فيه.

أي دولة اقتصادية نريد؟
إذا كان الانتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الإنتاج هو الهدف، فإن المؤسسات الاقتصادية هي التي تهيئ الشروط اللازمة لتحقيقه.

فالموارد تحتاج إلى إدارة كفؤة، والأسواق تحتاج إلى قواعد تحمي المنافسة، والاستثمار يحتاج إلى حقوق واضحة، والقطاع الخاص يحتاج إلى بيئة مستقرة، والمواطن يحتاج إلى فرص اقتصادية تقوم على العمل والكفاءة.

لكن السؤال لا يتعلق بالمؤسسات وحدها، بل بطبيعة النظام الاقتصادي الذي تعمل في إطاره.

ما العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين الدولة والقطاع الخاص؟ وما الأنشطة التي تتولاها الدولة مباشرة، وما الأنشطة التي تنظمها وتترك تنفيذها للمبادرة الخاصة؟ وكيف نوازن بين كفاءة السوق وحماية المصلحة العامة؟ وما الأدوات التي تضمن أن يتحول النمو الاقتصادي إلى فرص عمل وتحسن في مستوى المعيشة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية لتحديد شكل الاقتصاد الذي نريد بناءه، وتوزيع الأدوار بين الدولة والسوق والمجتمع.

فالثروة قد تمنح الدولة موارد مالية، والموقع الجغرافي قد يمنحها فرصًا اقتصادية، ورأس المال قد يساعدها على إطلاق المشروعات؛ لكن المؤسسات هي التي تضع القواعد التي تحدد كيفية استخدام هذه الإمكانات، ومدى كفاءتها في خدمة الاقتصاد والمجتمع.
ومن هنا نصل إلى السؤال التالي:

ما النظام الاقتصادي الذي تحتاجه الدولة الجنوبية؟ وكيف يمكن بناء علاقة متوازنة بين الدولة والقطاع الخاص، تحقق الإنتاجية وتوسع فرص العمل وتحمي المصلحة العامة؟
فالمغترب الذي اكتسب خبرة في الصناعة أو الإدارة أو التقنية يمكن أن يسهم في تطوير القدرات المحلية، حتى إن لم يستثمر أمواله مباشرة في مشروع داخل الجنوب.

وبذلك يصبح رأس المال البشري والمعرفة جزءًا من الأصول التي يبنيها الاقتصاد، إلى جانب البنية التحتية والموارد المالية.

عاشرًا: الرقابة ومكافحة الفساد
لا يكفي وضع القوانين وتحديد الاختصاصات إذا لم توجد آليات فعالة لمراقبة الأداء ومنع إساءة استخدام السلطة والمال العام.

فالعقود الحكومية وحقوق استغلال الموارد والتراخيص والامتيازات تنطوي على قرارات ذات آثار مالية كبيرة، ولذلك ينبغي أن تخضع لإجراءات واضحة تضمن الشفافية والمساءلة.

ويشمل ذلك تطوير نظم المشتريات العامة، والإفصاح عن تضارب المصالح، ومراجعة الحسابات، ونشر المعلومات الأساسية عن الإنفاق والعقود والالتزامات الحكومية، وفق ضوابط قانونية واضحة.

كما يتطلب وجود أجهزة رقابية قادرة على أداء مهامها، مع تحديد صلاحياتها ومسؤولياتها، وضمان متابعة نتائج أعمالها واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة عند ثبوت المخالفات.

وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول الرقابة إلى تكرار للإجراءات أو تعطيل للمشروعات دون مبرر. فالمطلوب هو رقابة تحمي المال العام وتكشف الاختلالات، وتتيح في الوقت نفسه إنجاز المعاملات والأنشطة الاقتصادية بكفاءة.

والأهم أن تكون المساءلة قائمة على قواعد معلنة، وأن تطبق على الجميع دون استثناءات غير مبررة.

حادي عشر: ما دور الدولة، وما حدود تدخلها؟
قد يُفهم الحديث عن بناء المؤسسات الاقتصادية باعتباره دعوة إلى توسيع الجهاز الحكومي، لكن بناء الدولة القادرة لا يعني أن تتولى بنفسها إدارة كل مشروع أو إنتاج كل سلعة.

فالدولة تحتاج إلى مؤسسات قوية في مجالات تطبيق القانون، وحماية الحقوق، وإدارة المال العام، وتنظيم الأسواق، وتوفير البنية التحتية، والاستثمار في التعليم والمهارات، وضمان المنافسة العادلة.

وفي المقابل، يستطيع القطاع الخاص أن يؤدي دورًا إنتاجيًا وتشغيليًا مهمًا في أنشطة عديدة، إذا توافرت له القواعد المستقرة والمنافسة العادلة والرقابة المناسبة.

أما القطاعات التي تتسم بالاحتكار الطبيعي، أو ترتبط بأمن الدولة واحتياجات المجتمع الأساسية، أو تتطلب استثمارات طويلة الأجل، فقد تحتاج إلى ترتيبات مختلفة للملكية والإدارة والتنظيم.

ولذلك لا ينبغي أن يبدأ النقاش من سؤال عام حول حجم الدولة، بل من أسئلة عملية: ما الوظيفة المطلوب أداؤها؟ وما الجهة الأقدر على أدائها؟ وما تكلفتها؟ وكيف تُحمى المصلحة العامة؟ وكيف يمكن قياس النتائج ومحاسبة المسؤولين عنها؟
فالدولة القادرة اقتصاديًا ليست بالضرورة الدولة التي تمتلك أكبر عدد من الشركات والأجهزة، بل الدولة التي تؤدي وظائفها الأساسية بكفاءة، وتتيح للأفراد والشركات إطلاق قدراتهم الإنتاجية ضمن قواعد عادلة.
من المؤسسات إلى النتائج
إن بناء المؤسسات الاقتصادية لا يتحقق بمجرد إصدار القوانين أو إنشاء الهيئات، بل يحتاج إلى كفاءات مهنية، وأنظمة معلومات، وموارد مناسبة، وإجراءات واضحة، ومساءلة فعلية.

كما أن الإصلاح لا ينبغي أن يقاس بعدد المؤسسات الجديدة، بل بالنتائج التي تحققها.

هل أصبحت إدارة الإيرادات العامة أكثر شفافية؟ هل انخفضت مدة إنجاز المعاملات؟ هل أصبحت إجراءات الاستثمار أكثر وضوحًا؟ هل تحسنت إدارة الأصول العامة؟ هل زادت المنافسة؟ وهل أصبح من الأسهل إنشاء المشروعات وتوسيعها؟
هذه هي المؤشرات التي تساعد على تقييم الأداء المؤسسي، وتحديد ما يحتاج إلى إصلاح أو تطوير.

ومن الأفضل أن تبدأ الدولة بالوظائف الأكثر تأثيرًا في عمل الاقتصاد، مثل إدارة المالية العامة، وحماية الحقوق والعقود، وتحسين إجراءات الاستثمار، وتطوير إدارة الأصول العامة، وتوفير البيانات الموثوقة، وتعزيز الرقابة على الإنفاق والتعاقدات. ثم تتقدم في بقية الإصلاحات وفق خطة تحدد الأولويات والمسؤوليات والموارد والجداول الزمنية.

فالإصلاح المؤسسي عملية تراكمية، ونجاحه يتوقف على وضوح أهدافه وقدرة المؤسسات على تنفيذه والاستمرار فيه.

أي دولة اقتصادية نريد؟
إذا كان الانتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الإنتاج هو الهدف، فإن المؤسسات الاقتصادية هي التي تهيئ الشروط اللازمة لتحقيقه.

فالموارد تحتاج إلى إدارة كفؤة، والأسواق تحتاج إلى قواعد تحمي المنافسة، والاستثمار يحتاج إلى حقوق واضحة، والقطاع الخاص يحتاج إلى بيئة مستقرة، والمواطن يحتاج إلى فرص اقتصادية تقوم على العمل والكفاءة.

لكن السؤال لا يتعلق بالمؤسسات وحدها، بل بطبيعة النظام الاقتصادي الذي تعمل في إطاره.

ما العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين الدولة والقطاع الخاص؟ وما الأنشطة التي تتولاها الدولة مباشرة، وما الأنشطة التي تنظمها وتترك تنفيذها للمبادرة الخاصة؟ وكيف نوازن بين كفاءة السوق وحماية المصلحة العامة؟ وما الأدوات التي تضمن أن يتحول النمو الاقتصادي إلى فرص عمل وتحسن في مستوى المعيشة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية لتحديد شكل الاقتصاد الذي نريد بناءه، وتوزيع الأدوار بين الدولة والسوق والمجتمع.

فالثروة قد تمنح الدولة موارد مالية، والموقع الجغرافي قد يمنحها فرصًا اقتصادية، ورأس المال قد يساعدها على إطلاق المشروعات؛ لكن المؤسسات هي التي تضع القواعد التي تحدد كيفية استخدام هذه الإمكانات، ومدى كفاءتها في خدمة الاقتصاد والمجتمع.
ومن هنا نصل إلى السؤال التالي:

ما النظام الاقتصادي الذي تحتاجه الدولة الجنوبية؟ وكيف يمكن بناء علاقة متوازنة بين الدولة والقطاع الخاص، تحقق الإنتاجية وتوسع فرص العمل وتحمي المصلحة العامة؟