لم تكن الحرب في اليمن مجرد مواجهات خلّفت الدمار والخسائر، بل كانت نقطة تحوّل دفعت أعدادًا كبيرة من اليمنيين إلى مغادرة وطنهم بحثًا عن الأمان ومستقبل أفضل. وتوزّعوا بين دول الجوار العربي وشرق آسيا وأوروبا وأمريكا وكندا وغيرها، حاملين ذكريات الوطن، وتاركين خلفهم حياة لم يكن فراقها سهلًا.

وبعيدًا عن ألم الرحيل وقسوة البدايات، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل يمكن أن تتحول هذه الهجرة إلى رصيد لليمن؟ فقد غادر أطباء ومهندسون وأكاديميون وطلاب وتجار وعمال وعائلات، ووجدوا أنفسهم أمام مجتمعات ولغات وتجارب جديدة.

ومع الوقت، تعرّف كثير منهم على أنظمة مختلفة في التعليم والعمل والإدارة، واكتسبوا خبرات ومهارات جديدة. وهكذا فتحت الغربة نوافذ أوسع على العالم، وأتاحت لهم الاطلاع على تجارب مختلفة في التنظيم واحترام القانون وبناء المؤسسات، يمكن الاستفادة منها.

وقد يشكّل أبناء اليمن في المهجر جسرًا بين وطنهم والعالم؛ فهم يحملون جذورهم اليمنية، وينفتحون على ثقافات المجتمعات التي يعيشون فيها، ويستفيدون من علومها وخبراتها، بما يؤهلهم لنقل المعرفة، وتأسيس المشاريع، وبناء العلاقات الاقتصادية والثقافية، والمساهمة في رسم مستقبل مختلف لوطنهم.

ومن جانب آخر، أسهمت تحويلات المغتربين في مساعدة كثير من العائلات في الداخل. ولا يقتصر دور المغتربين على ذلك، فهم يمتلكون خبرات وطاقات يمكن أن تسهم في بناء الوطن متى استقرت الأوضاع وأُحسن استثمارها، كما تُظهر تجارب دول استفادت من خبرات أبنائها في الخارج، وأسهمت عودتهم في نهوضها من جديد.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الحرب حرّكت، دون أن تقصد، المياه الراكدة، ووسّعت حضور اليمنيين واتصالهم بالعالم بعد سنوات من محدودية التواصل والفرص. لكن اتساع الانتشار لا يعني تحقق النهضة، ولا يجعل الحرب مكسبًا؛ فالانفتاح الذي أعقبها جاء بثمن إنساني باهظ.

وفي المقابل، قد تضعف صلة بعض الأبناء بالوطن مع مرور الأجيال، فيما يواجه آخرون تحديات الاندماج وصعوبة البدايات. كما قد تترك ذكريات النزوح القاسية، وما يجدونه من استقرار وفرص أفضل في بلدان الاغتراب، أثرًا في قرار بعضهم الاستقرار بعيدًا عن الوطن وعدم التفكير في العودة.

وليس ضروريًا أن يعود الجميع؛ فقد يعود بعضهم بالخبرة، وآخرون بالاستثمار، وغيرهم بالتعليم والتدريب والعلاقات الدولية. وربما يصبح الجيل الذي تعرّف على العالم من بوابة الغربة أكثر إدراكًا لقيمة الاستقرار والفرص التي افتقدها وطنه، وأكثر استعدادًا للمساهمة في صناعة مستقبله.

لم تكن الحرب فرصة، بل مأساة فرّقت اليمنيين وشتّتتهم، لكن قد يصبح بعض من رحلوا جزءًا من بناء الوطن ولمّ شتاته. فالمسافات التي فرضتها الغربة قد تتحول غدًا إلى جسور تجمع أبناءه على طريق النهوض، فالأوطان تُبنى بمن بقوا فيها، وبأبنائها الذين يحملونها في قلوبهم وخبراتهم أينما كانوا.